Alef Logo
كشاف الوراقين
              

جديد ناعوت، عن النيجيرية تشيمامندا نجوزي آديتشي، بالعربية مع فصل من الرواية

ألف

2010-03-28


عن سلسلة الجوائز بالهيئة المصرية العامة للكتاب؛ صدرت رواية "نصف شمس صفراء" في ثوبها العربي بترجمة الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت. الرواية كتبتها بالإنجليزية الكاتبةُ النيجيريةالشابّة "تشيماماندا نجوزي أديتشي" وفازت بجائزة الأورانج البريطانية الرفيعة عام 2004.
تقع الروايةُ في أكثر من 600 صفحة من القطع الكبير، وتحكي عن علاقة حبٍّ ناضجة، بين بروفيسور في جامعة نيجيريا، ومثقفة شابة جميلة تنتمي إلى طبقة الأثرياء الجدد في نيجيريا. نشأت قصة الحب تحت ظلال الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامي 1967 و1970، تلك التي اندلعت فيها الصراعات البيافرية في محاولة من قبائل الإيبو الاستقلال وتكوين دولة، علمُها "نصف شمس صفراء"، رمزًا للتحرر والخروج من ظلامية النظام الفاشي المحافظ الذي كان يحكم نيجيريا آنذاك. ورغم تصوير الرواية المجازرَ والانتهاكاتِ البشريةَ العنيفة التي مورست على تلك القبائل المسالمة، إلا أن الروائية نجحت في الخروج بها من الحسّ التراجيديّ، عبر سردِها الوقائعَ على لسان طفل أسود صغير "آجوو"، بطل الرواية، الذي يخدم في بيت البروفيسور "أودينيبو".
تحمل الرواية فيضًا من أجواء الجنوب الأفريقي الساحر بطقوسه الغرائبية وشعائره الغريبة على القارئ العربي، إلا أن المترجمةَنجحت في نقلها إلى اللسان العربي بلغة شعرية رفيعة تجعل القارئ يتوحَّد مع أحداثها، مع الحفاظ على أجواء القارة السمراء الفاتنة، كما صرّحت بذلك د. سهير المصادفة، رئيس تحرير السلسلة.خمسةُ أبطال رئيسون تدور حولهم الرواية: " أودينيبو"، أستاذ الجامعة الثوريّ ابن البرجوازية الوسطى،"أولانا"، المثقفة التي تنتمي لأبوين من طبقة الأثرياء الانفتاحيين، وتوأمتها "كاينين" نقيضُ أولانا، سيدة الأعمال التي تهوى جمع المال، ووقعت في هوى البريطاني "ريتشارد تشرشل" المتعاطف مع قضية السود، سوى إنه في النهاية سيكتشف أنه غير متورط بما يكفي في قضيتهم، بسبب بشرته البيضاء وعينيه الزرقاوين وشعره الناعم، فيترك الكتاب الذي بدأه بعنوان: "كان العالم صامتًا ونحن نموت"،ليكمله الصبيّ الأسود "آجوو"، الذي تدور معظم أحداث الرواية على لسانه، ومن خلال عينيه اللتين ترصدان أهوال الحرب والمجازر.
يذكر أن "نصف شمس صفراء" هو الكتاب السادس بين ترجمات فاطمة ناعوت، فقد سبق وأصدرت العديد من الأنطولوجيات الشعرية والقصصية من عيون الأدب الإنجليزيّ والأمريكي منها: مشجوج بفأس، قتل الأرانب، المشي بالمقلوب، وكتابين عن فرجيينيا وولف: جيوب مثقلة بالحجارة، وأثر على الحائط، اللذين صدرا مؤخرًا عن المركز القومي للترجمة.


الفصل التاسع من رواية
"نصف شمس صفراء"
تأليف: تشيمامندا نجوزي آديتشي
ترجمة: فاطمة ناعوت

(9)

نظر ريتشارد إلى كاينين وهي تقفل سوستة فستانها الأرجواني وتلتفت إليه. غرفةُ الفندق كانت تشع بالضوء، فنظر إليها وإلى انعكاسها في المرآة وراءها.
"نكي آ كا مما،" قال. كان أجمل من الفستان الأسود في الفراش، الثوبُ الذي اشترته مبكرًا لحفل أبويها. انحنت في سخرية وجلست لتلبس حذاءها. بدت جميلة أكثر ببودرة الوجه وأحمر الشفاه وسلوكها المسترخي، ليست معقدة كما اعتادت أن تكون مؤخرًا، تطارد العقود مع شركة شيل-بي بي قبل أن تغادر، أزاح ريتشارد بعض الشعر النافر عن وجهها وقبلها من الجبهة، لكي يتجنب إفساد أحمر شفاهها.
كانت هناك بالونات ملونة في قاعة معيشة والديها. الحفل كان جاريًا. الخدم في أسودهم وأبيضهم يمرون هنا وهناك بالصواني والابتسامات المِهنية، أكفُّهم مُعلَّقةٌ عاليًا. تتلألأ الشمبانيا في الكؤوس الطويلة، وثريات السقف تعكس أضواءها فتنعكس على بريق الجواهر في جيد النساء البدينات، وفريق "الحياة العليا" يعزفون في الركن بصخب، بعنف، حتى كان الضيوف يقتربون من بعضهم البعض ليسمعوا بعضهم.
"أرى الكثير من الرجال الكبار في النظام السياسيّ الجديد،" قال ريتشارد.
"أبي لم يضع الوقت في الحصول على الحظوة،" قالت كاينين في أذنه. "هرب حتى تهدأ الأمور، والآن عاد ليصنع أصدقاء جددًا."
مسح ريتشارد بعينيه بقية الغرفة. العقيد مادو يقف بعيدًا، بكتفيه العريضين ووجهه العريض وملامحه العريضة ورأسه التي كانت فوق رؤوس الجميع. كان يتحدث إلى رجل عربي في بذة عشاء ضيقة. ذهبت إليهم كاينين لتقول هاللو بينما ذهب ريتشارد ليبحث عن شراب، لكي يتجنب الحديث إلى مادو وحسب.
جاءت والدة كاينين وقبلته في خده؛ كان يعلم أنها ثملة، وإلا لكانت حيته بالبرود المعتاد: "كيف حالك؟" أما الآن فقد أخبرته أنه يبدو جيدًا وحبسته في ركن غير محظوظ في نهاية القاعة، بحائط خلف ظهره، وتمثال مرعب، شيء يشبه أسدًا يزمجر، إلى جواره.
"أخبرتني كاينين أنك ستعود إلى موطنك لندن قريبًا؟ سألت. بشرتُها الأبنوسية بدت شمعيةً من فرط الماكياج. وثمة عصبية في حركاتها.
"نعم، سأرحل لمدة عشرة أيام."
"فقط عشرة أيام؟" ابتسمت نصفَ ابتسامة. ربما تمنت أن يظل بعيدا لمدة أطول، وبذا تقدر أن تجد شريكًا مناسبًا لابنتها. "لزيارة أهلك؟"
"ابن عمي مارتين سوف يتزوج،" قال ريتشارد.
"أوه، نعم." الصفوف والصفوف من الذهب حول رقبتها أثقلتها وجعلت رأسها يبدو مسترخيًا، كأنما واقعة تحت ضغط ضخم، وبمحاولتها الجهيدة ألا تبدو هكذا، بدا ذلك أكثر وضوحًا. "ربما سوف يكون علينا أن نشرب في لندن إذًا. أخبرتُ زوجي أنني يجب أن نأخذ إجازة قصيرة أخرى. ليس لأن شيئًا ما سوف يحدث، لكن لأن أحدًا غير سعيد بهذا الحكم القضائي الوحدوي الذي تتكلم عنه الحكومة. من الألطف أن نظل بعيدًا حتى تستقر الأمور. ربما نغادر الأسبوع القادم لكننا لن نخبر أحدًا، لذا احتفظْ بالأمر لنفسك." لمستْ كمَّه بعبث، فلمح ريتشارد لمحةً من كاينين عند زاوية فمها. "نحن حتى لن نخبر أصدقاءنا آل آجياس. هل تعرف الشيخ آجياس، صاحب شركة القوارير؟ هم من إيبو، لكنهم إيبو غربيون. سمعت أنهم ينكرون أنهم إيبو. مَن يدري ماذا سيقولون أننا فعلنا؟ من يدري؟ سوف يبيعون بقية الإيبو بقرش ممسوح. قرش ممسوح كما أقول لك. هل تريد مزيدًا من الشراب؟ انتظر هنا وسوف آتيك بكأس آخر. فقط انتظر هنا."
بمجرد أن ترنحت بعيدًا، راح ريتشارد يبحث عن كاينين. وجدها في الفيراندا مع مادو، تقف وتنظر إلى حوض السباحة بالأسفل. رائحة اللحم المشوي كانت تملأ الهواء. نظر إليهما برهةً. رأس مادو كان مائلاً قليلا إلى الناحية التي تتكلم فيها كاينين، بدا جسدُها ضعيفًا جوار هيكله الضخم، وبدوا معا بطريقة ما مناسبين لبعضهما البعض. كلاهما غامق البشرة، أحدهما طويل ونحيل، والآخر طويل وضخم. استدارات كاينين وشاهدته.
"ريتشارد،" قالت.
انضم إليهما، صافح مادو. "كيف حالك مادو؟ آ نا-إميكوا؟" سأل وهو حريص على أن يتكلم أولاً. "كيف الحال في الشمال؟"
"لا شيء يُشكى منه،" قال مادو بالإنجليزية.
"ألم تأت مع آداوبي؟" لم يتمن أن يأتي الرجل كثيرًا دون زوجته.
"لا،" قال مادو، وارتشف شرابه؛ بدا واضحًا أنه ما أراد أن يقطع أحدٌ هذا الحديث.
"شاهدتُ أمي تهتم بكَ، يا له من أمر مثير،" قالت كاينين. "مادو وأنا كنا ملازمين لأحمد هناك لبرهة. يريد أن يشتري مستودعات أبي في إكيجا."
"والدك لن يبيعه أي شيء،" أوضح مادو، كأنما كان قراره هو. "هؤلاء السوريون واللبنانيون يمتلكون بالفعل نصف لاجوس، وهم جميعًا نهازو فرص بشكل فظيع في هذه البلد."
"سأبيعُ له لو اختفت رائحة الثوم الفظيعة التي تشعُّ منه،" قالت كاينين.
"ضحك مادو.
دسَّت كاينين يدها في يد ريتشارد. "كنت للتو أخبر مادو أنك تعتقد أن انقلابًا آخر سوف يأتي."
"لن يكون هناك انقلاب ثان." قال مادو.
"كنت ستعرف، أليس كذلك يا مادو؟ كولونيل ورجل مهم مثلك أنت الآن،" مازحته كاينين.
أحكم ريتشارد قبضته على يدها. "ذهبتُ إلى زاريا الأسبوع الماضي، وكان الجميع يتحدث عن انقلاب ثان. حتى راديو كادونا وجريدة نيجيريا الجديدة،" قال بالإيبو.
"وماذا تعرف الصحافة حقًّا؟" كرر مادو بالإنجليزية. دائمًا يفعل ذلك؛ منذ أصبحت إيبوية ريتشارد شبه متقنة، يصر مادو على الرد بالإنجليزية حتى يضطر ريتشارد إلى الرجوع إلى الإنجليزية.
"الصحف تنشر مقالات عن الجهاد، وراديو كادونا ظل يذيع خطب الراحل ساردونا وكان هناك كلام حول كيف الإيبو سوف يستولون على الخدمة المدنية و-"
قاطعه مادو. "لن يكون هناك انقلاب ثان. هناك توتر طفيف بالجيش، لكن دائمًا كان هناك توتر طفيف بالجيش. هل تذوقت لحم العنزة؟ أليس رائعًا؟"
"نعم،" وافق ريتشارد تقريبًا أوتوماتيكيًّا، ثم تمنى لو لم يفعل. الهواء في لاجوس رطبٌ؛ والوقوف جوار مادو بدا خانقًا. جعله الرجل كأنه لا علاقة له بالأمر.
حدث الانقلاب الثاني بعد أسبوع، وكان شعور ريتشارد الأول هو الارتياح. كان يعيد قراءة خطاب مارتين في الحديقة، جالسًا على البقعة التي أخبرته كاينين أن أخدودًا بنفس حجم وشكل مؤخرته قد ظهرت بها.

هل "أن تكون مواطنًا" مازالت تستخدم؟ كنت أعلم دائمًا أنك سوف تفعل! أخبرتني أمي أنك أقلعت عن كتاب الفن القِبلي وإنك سعيد مع هذا، نوع من أدب الرحلات؟ وعن الشر الأوروبي في أفريقيا! أنا شغوف جدًّا أن أسمع عنها أكثر حينما تأتي لندن. خسارة أن تركت العنوان القديم: "سلة الأيادي." هل الأيادي بُترت في أفريقيا أيضًا؟ كنت أظن أن ذلك كان في الهند فقط. لقد خُدعت!

ص173 تخيل ريتشارد ابتسامة مارتين التي كان دائمًا يبتسمها حينما كانا في المدرسة، في تلك السنوات التي أغرقتهما فيها الخالة إليزابيث في النشاطات بإصرارها المهووس بأنه لا مجال للجلوس بخمول: مباريات كريكيت، دروس ملاكمة، تنس، دروس بيانو مع فريشمان. ازدهر مارتين في كل هذا، دائمًا مع تلك البسمة العليا التي تميز البشر الذين ولدوا لينتموا للتفوق.
مد ريتشارد يده ليقطف زهرة تشبه الخشخاش. وتساءل كيف سيكون عرس كاترين؛ خطيبة مارتين مصممة الأزياء. لو فقط تذهب معه كاينين؛ لو أن ليس عليها أن تبقى لتوقِّع العقد الجديد. كان يريد أن تراها الخالة إليزابيث ومارتن وفرجينيا، لكن أكثر من يريد أن يروه، هو ذلك الرجل الذي أصبحه بعد سنواته هنا: لكي يروا أنه أصبح أغمق لونًا وأكثر سعادة.
جاءه إكيجيدي. "مستر ريتشارد، يا صاح! السيدة تقول أن تأتي. هناك انقلاب آخر،" قال إكيجيدي. بدا مُثارًا.
أسرع ريتشارد للداخل. كان على حق؛ ومادو على خطأ. رطوبة يوليو الحار جعلت شعره لزجًا ملتصقًا برأسه، فمرر يده عبره ومشى. كانت كاينين جالسة على أريكة في غرفة المعيشة، عاقدة ذراعيها، تتأرجح للأمام والخلف. الصوت البريطانيّ في الراديو كان عاليًا فرفعت صوتها وهي تقول: "المسئولون الشماليون استولوا على السلطة. تقول BBC إنهم يقتلون موظفي الإيبو في كادونا. وراديو نيجيريا لا يقول أيَّ شيء." كانت تتكلم بسرعة. وقف وراءها وبدأ يدلك كتفيها، ويفرك عضلاتها الصلبة في حركات دائرية. ومن الراديو كان الصوت البريطاني المتسارع يقول إنه أمر غير اعتياديّ للغاية أن يحدث انقلاب ثان بعد ستة أشهر فقط من اندلاع الأول.
"غيرُ اعتياديّ. غيرُ اعتياديّ حقًّا،" قالت كاينين. مدت يدها، وبحركة مفاجئة عصبية دفعت الراديو عن الطاولة. وقع على السجادة، وتدحرجت البطارية منه. "مادو في كادونا،" قالت، ووضعت وجهها في يديها. "مادو في كادونا."
"كلّ شيء على ما يرام يا حبيبتي،" قال ريتشارد. "اطمئني."
لأول مرة فكر في إمكانية موت مادو. قرر عدم الرجوع إلى نسوكا لبعض الوقت ولم يكن يدري لماذا. هل لأنه يريد بالفعل أن يكون معها حين تسمع بموت مادو؟ في الأيام القليلة التالية، كانت كاينين متوترة وقلقة جدًّا حتى إنه بدأ يقلق بدوره على مادو واستاء من نفسه أن فعل ذلك، ثم استاء من استيائه. لم يكن يجب عليه أن يكون شفوقًا هكذا. ثم أشركته بعد ذلك في قلقها، كأنما مادو كان صديقهما معا وليس فقط صديقها. أخبرته عن الناس الذين هاتفتهم، عن الاستخبارات التي فعلتها لتعرف ما الذي حدث. لا أحد يعرف شيئًا. زوجة مادو لم تسمع شيئًا. وكانت الفوضى تعمُّ لاجوس. ووالداها قد سافرا إلى إنجلترا. العديد من المسئولين في لاجوس قد قُتلوا. عمليات القتل كانت منظمة؛ أخبرته عن الجندي الذي قال إنهم سمعوا صوت حشد موكب الكتائب في ثكنته وبعدما انتظم الجميع في صفوفهم، التقط الشماليون كل جنود الإيبو وأخذوهم بعيدًا ثم أطلقوا النار عليهم.
كانت كاينين ساكنةً وصامتة لكن غير دامعة أبدًا، لذلك في اليوم الذي أخبرته: "سمعتُ شيئًا،" بنشيج في صوتها، كان متأكدًا أنه خبر عن مادو. فكر في كيف سيواسيها، إذا ما كان قادرًا على مواساتها.
"أودودي،" قال كاينين. "لقد قتلوا اللواء أودودي إكيتشي."
"أودودي؟" لقد كان واثقًا أن الأمر متعلقٌ بمادو لدرجة أنه ظل محايدًا لبرهة.
"الجنود الشماليون وضعوه في زنزانة في الثكنات وأطعموه برازه الخاص. وهو أكل برازه." توقفت كاينين. "ثم ضربوه حتى فقد الوعي ثم ربطوه إلى صليبٍ حديديّ ثم ألقوا به في الزنزانة من جديد. ومات مربوطًا إلى الصليب الحديدي. مات فوق الصليب."
جلس ريتشارد ببطء. كراهته لأودودي-- صاخبٌ، مخمورٌ، يقطرُ النفاقُ من مسامه—تعمّقت فقط في السنوات الماضية. لكن سماعه بميتته تركه صامتًا. فكر ثانيةً، في موت مادو واكتشف أنه لا يعرف كيف سيشعر به؟
"مَن أخبركِ بذلك؟"
"ماريا أوبلي. زوجة أودودي هي ابنة عمها. قالت إنهم يقولون إن لا مسؤل إيبو في الشمال قد فرّ. لكن بعض مواطني أوموناتشي قالوا إنهم سمعوا أن مادو قد فرَّ!. أداوبي لم تسمع أي شيء. كيف استطاع أن يهرب. كيف؟"
"ربما يختبئ في مكان ما."
"كيف؟" سألت مجددًا.

ظهر الكولونيل مادو مرتين في منزل كاينين بعد أسبوعين، ولم يتذكر ريتشارد مَن تقدم نحو مَن أولاً، لكن كاينين ومادو كانا يتعانقان بقوة، وراحت كاينين تمسُّ ذراعي مادو ووجه بحنوٍّ حتى أن ريتشارد أشاح بوجهه بعيدًا. مشى إلى خزانة الشراب وصب بعض الويسكي لمادو وبعض الجين لنفسه.
"شكرًا يا ريتشارد،" قال مادو، لكنه لم يأخذ الكأسَ ووقف ريتشارد هناك، حاملا الكأسين، قبل أن يضعه على الطاولة.
جلست كاينين إلى المائدة أمام مادو. "يقولون إنهم أطلقوا النار عليك في كادونا، ثم قالوا إنهم دفنوك حيًّا في منطقة غابات، ثم قالوا إنك هربت، ثم قالوا إنك في سجن في لاجوس."
لم يقل مادو شيئًا. حدّقت فيه كاينين. أنهى ريتشارد شرابه وصبّ كأسًا أخرى.
"هل تذكرين صديقي إبراهيم؟ من ساندهرست؟" سأل مادو أخيرًا.
أومأت كاينين.
"لقد أنقذ إبراهيم حياتي. أخبرني عن الانقلاب ذلك الصباح. لم يكن متورطًا بشكل مباشر، لكن معظمهم-- المسئولين الشماليين—كانوا يعرفون موعده. أخذني إلى بيت ابن عمه، لكنني لم أفهم بالضبط حتى سأل ابن عمه أن يأخذني إلى الفناء الخلفيّ، حيث يحتفظ بحيواناته المنزلية. ونمتُ في حظيرة الدجاج ليومين."
"لا! إكوزينا!"
"وهل تعرفين أن الجنود جاءوا ليفتشوا بيت ابن عمه بحثًا عني؟ الكل يعرف كيف كنا إبراهيم وأنا متقاربين، وقد شكّوا أنه ساعدني على الفرار. ومع هذا لم يفتشوا في حظيرة الدجاج." توقف الكولونيل مادو، مومئًا وناظرًا إلى البعيد. "لم أكن أعرف إلى أي مدى رديئة هي رائحةُ تغوّط الدجاج حتى نمت هناك ثلاثة أيام. في اليوم الثالث، أرسل لي إبراهيم بعض الثياب والمال مع ولد صغير وسألني أن أرحل فورًا. لبستُ ثيابَ بدويّ ومشيت عبر القرية الصغيرة لأن إبراهيم قال إن جنود سلاح المدفعية قد وضعوا حواجزَ في كل الطرق الرئيسية في كادونا. وكنت محظوظًا إذْ أخذني سائق لوري، رجل إيبو من أوهافيا، إلى كفانخان. ابن عمي يسكن هناك. تعرفين أونيونكو، أليس كذلك؟" لم ينتظر مادو كاينين لتجيب. "هو رئيس محطة السكة الحديد، وأخبرني أن الجنود الشماليين قد أغلقوا جسر ماكوردي. أي أن هذا الجسر قد غدا قبرًا. كانوا يبحثون عن كل سيارة، وأجلّوا قطارات الركّاب لأكثر من ثمان ساعات، وكانوا يطلقون الرصاص على كل الجنود الإيبو الذين يكتشفونهم هناك ويلقون بالجثث من شاهق. معظم الجنود كانوا متنكرين لكنهم كانوا يعرفونهم عن طريق أحذيتهم."
ماذا؟" مالت كاينين للأمام.
"الأحذية الطويلة." أومأ مادو لحذائه. "تعرفين أننا نحن الجنود نلبس أحذيةً طويلة طوال الوقت لذلك كانوا يفحصون قدم كل رجل، وكل رجل إيبو له قدمان نظيفتان وغير متشققتين كانوا يأخذونه بعيدًا ويطلقون عليه الرصاص. ظلت كاينين ناظرة إلى مادو وقتا طويلا بعدما أنهى حديثه. وكان هناك وقت آخر من الصمت جعل ريتشارد غير مرتاح لأنه لم يكن يدري كيف يكون رد فعله، ولا أي تعبير يتخذ.
"مستحيل أن يتعايش الجنود الشماليون مع جنون الإيبو في الثكنات ذاتها بعد ذلك أبدًا. مستحيل،مستحيل،" قال اللواء مادو. كانت هناك نظرة زجاجية في عينيه. "ولا يمكن أن يكون جوون رئيسًا للبلد. لن يقدروا أن يفرضوا جوون علينا كرئيس. ليس هكذا تتم الأمور. هناك آخرون أكبر منه سنًّا وأرشد."
"ما الذي سوف تفعله الآن؟" سألتْ كاينين.
بدا مادو كأنما لم يسمعها. "الكثير منا قد مات،" قال. "الكثير من الرجال الصلبين الجيدين—أودودي، إلوبوتافي، أوكونويزي، أوكافور—وهؤلاء كانوا الرجال الذين آمنوا بنيجيريا دون أن يعبأوا بالقبلية. ورغم كل شيء كان أودودي يتكلم هاوسا أفضل مما يتكلم إيبو، وانظروا كيف ذبحوه." نهض وراح يخطو الغرفة. "المشكلة كانت هي سياسة الاتزان العقائدي. كنتُ جزءا من الاتفاقية لذا أخبرت القيادة العامة المركزية أننا يجب أن نوقف ذلك، وأن هذا يفتت الجيش في استقطابات عديدة، وأنهم يجب أن يتوقفوا عن ترقية الشماليين غير المؤهلين. لكن قيادتنا العامة المركزية قالت لا، قيادتنا العامة البريطانية المركزية." استدار مادو ونظر إلى ريتشارد.
"سأطلب إلى إيكيدجي أن يطهو لك أرزًا مخصوصًا،" قالت كاينين.
هز مادو كتفيه دون اكتراث وحدّق بعيدًا من النافذة.










تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

31-كانون الأول-2021

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

22-أيار-2021

الـمُـغـفّـلــة – أنطون بافلوفتش تشيخوف‎

15-أيار-2021

قراءة نقدية في أشعار محمد الماغوط / صلاح فضل

15-أيار-2021

ماذا يحدثُ لجرّاحٍ حين يفتحُ جسد إنسانٍ وينظرُ لباطنه؟ مارتن ر. دين

01-أيار-2021

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow