Alef Logo
دراسات
              

أهمية إرادة الحياة بالنسبة إلى العرب اليوم

زهير الخويلدي

2008-01-01

إن الحياة صراع فيها الضعيف يداس
ما فاز في ماضغيها إلا شديد المراس
للحب فيها شجون فكن فتى الاحتراس
الحياة هي المبدأ الذي يزود الكائن مهما كان نوعه بالإحساس والحركة والنشاط ويعرضه للزيادة والنقصان والنفس هي جوهر الحياة في الحكمة العتيقة لأن الكون بأسره مزود بنفس واحدة وثمة مشاركة بين الوجود والحياة والعقل رغم أن الوجود يسبق الحياة والحياة تسبق العقل وبالتالي تكون الحياة فعلا نفسيا يعطي للكائن قدرة على الحركة الذاتية . وبعبارة أخرى الحياة هي القدرة على التحرك بالذات وفقا للطبيعة الخاصة بالكائن الحي. غير أن بعض العلماء يميزون بين حياة الروح وحياة الجسم والحياة العضوية والحياة النفسية ورأوا أن النمو والتغذي والتناسل هي خصائص الحياة وأنها حسب أرسطو "ما به الموجود يتغذى وينمو ويضمحل بذاته" وفي نفس المنحى يرى لايبنتز أن الحياة مبدأ الإدراك الحسي وهي عند اسبينوزا قوة يحافظ بها الكائن على بقائه" وقد تكونت فكرية ميكانيكية تفسر الحياة على أنها جملة من التفاعلات الميكانيكية والنفسية وترى أن المجموع الحي هو حاصل الأجزاء التي يتكون منها وأن العضو في الجسم الحي هو بمثابة آلة مصنوعة مما ليس بحي وأن عمليات النمو والتطور تعود بالأساس إلى الرغبة في المحافظة على البقاء وأن الجهاز العضوي يتكون من مواد وقوى حية وليس وعاء للعمليات الحيوية. غير أن النظرة الميكانيكية وقعت في الاختزالية والمادية وكان لابد أن تظهر على أعقابها النظرة الغائية التي تفسر الحياة بمبدأ غير مادي إذ يقول كانط:" الحياة هي القدرة الباطنة على التصرف وفقا للإرادة الحرة" ويقول أيضا:" هي قدرة الموجود على السلوك وفقا لقوانين القدرة على التشوق" ونفس الشيء نجده عند فيخته عندما صرح أن" الحياة الفعالة الحرة هي قدرة لتكوين الذات وتشكيلها تنبع دائما من ذاتها" ويصف هيجل ببراعة كبيرة ما نسميه الحياة بأنها محافظة على ذاته في أجزائه بيد أن البعض من الفلاسفة يسميهم البعض فلاسفة الحياة يعرفونها على أنها إرادة القوة ومسرح صراع وصيرورة دائمة تسعى إلى العلو على ذاتها وتجاوز كل شيء يوقف تقدمها من أجل تحقيق المزيد من الحياة.
العرب اليوم لا يفقهون ما يصنعون فهم يعيشون الحياة الثكن ويجهلون الحياة الحقيقية لسيطرة القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة وانتصار غريزة التناتوس على غريزة الايروس ولتدافعهم نحو الموت وتعلقهم بعالم الغيب والسماء وعزوفهم عن البناء في الأرض وبغضهم لأمهم الدنيا واستعجالهم لقدوم الآخرة،فسيطرت الغيبيات على أيامهم وقلصت المقدسات والمدنسات دائرة حلائلهم ومبيحاتهم فكثر التحليل والتحريم وانتشرت ثقافة التخويف من الموت والتحذير من عذاب القبور وصار تقديم الجسد قربانا هو خير آية للتمسك بالفكرة والدفاع عن الرسالة وبالتالي أصبح العرب قوم يعشقون الموت وينقمون على الحياة ويعللون ذلك بفشل المشاريع وتعرضهم لمؤامرة خارجية ولويلات الاستعمار وتزايد قبضة الاستبداد والأنظمة الشمولية مما ضيق أبواب الرزق وأغلق نوافذ الأمل فصار الانسحاب عن الوجود في حالة وقوف وصمود أفضل من مواصلة الحياة في حالة ذل وقعود.لكن لم الخوف من الصراع والحياة تولد من عمق الموت؟ ولم الجري وراء سراب نعيم الأخروية وسعادة الجنة يظفر بها على الأرض؟ كيف يتمسك الجمهور بالعرض الزائل ويهملون الجوهر النفيس؟ كيف ندفن أجسادنا من أجل خلاص أرواحنا؟
من البين أن الحياة الحقيقية بالنسبة إلينا نحن العرب هي تلك التي تمنحنا القدرة الذاتية على خلق وجود خارج ذواتنا يكون أفضل من الوجود الأول وهذا البعد الخلاق هو مبدأ إرادة الحياة الذي ينبغي أن ينتصر على إرادة العدم لأن الحياة في جوهرها تعني العزم على الوجود بغير تحفظ وتعني كذلك السعي نحو التوسع والانتشار والتحلي بروح البذل والخصوبة والتوجه نحو تحقيق مقصد معين ورفض الهامشية والعرضية. صحيح أننا نتعرض لنكبة كينونية كبرى وأننا فقدنا البوصلة وتهنا عن قبلتنا ودخلنا منذ مدة غرفة الإنعاش وطال احتضارنا ولكن الاستفاقة ممكنة والخروج من النفق المظلم فرضية جائزة والعثور على النقطة الأرخميديسية أمر متيسر شرط أن نهيئ أنفسنا لذلك ونتسلح بالأمل والتفاؤل ونعول على خيارات طويلة الأمد ونرسم استراتيجيات فاعلة وألا نخبط خبط عشواء بل نوحد بنية فعلنا وقولنا وتفكيرنا في مقام وجودي متوازن.
أليست حكمة الفلسفة أنها لا تعلمنا فقط كيف نفكر بل تعلمنا أيضا كيف نحيا وألم يقل لنا أبو القاسم الشابي رسول إرادة الحياة:
وللشعوب حياة حينا وحينا فناء
واليأس موت ولكن موت يثير الشقاء
والجد للشعب روح توحي إليه الهناء
فان تولت تصدت حياته للبلاء
العرب اليوم ليس مفروضا عليهم أن يكونوا ميكانيكيين أو غائيين وليس مطلوبا منهم أن يكونوا من المدرسة الحيوية في البيولوجيا ولا من فلاسفة الحياة بل ماهو منشود منهم أن يفعلوه هو أن يقبلوا على الحياة وأن يتوقفوا عن عشق ثقافة الموت لأن حب الخراب لن يجلب سوى الخراب وإرادة المقاومة والانتصار لن تجلب سوى الفوز والانتصار أليست الحياة هي مجموعة الوظائف المقاومة للموت بالنسبة للفرد والاندثار بالنسبة للشعب،فليستغل كل عربي كل يوم حياة يعيشه من أجل الاستثبات وصنع المزيد من الحياة.
لكن إذا كانت الحياة بائسة فانه يصعب تحملها وان كانت سعيدة فانه يصعب فراقه ولذلك فإن العرب أمام خيارين لا ثالث لهما: إذا أرادوا أن ينهضوا فلابد أن تكون حياتهم مليئة بالعذاب وإذا أرادوا أن تكون حياتهم خالية من العذاب فإنهم لن يتطوروا لأن غاية الحياة ليس التطور بل الرقي بالحياة وفي هذا يقول ديكارت:"لا يزيد الفرق بين إنسان حي وإنسان ميت على الفرق بين ساعة معبأة وساعة نفذت عبوتها" فمتى يسارع العرب إلى تعبئة ساعاتهم حتى يعود إليها نبض الحياة؟

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

أهمية تدريس الفلسفة للأطفال

05-تشرين الأول-2019

هابرماس بين استعادة الحداثة وعقلنة الفعل التواصلي

10-آب-2019

إشكلات هرمينوطيقية

13-شباط-2010

تأملات لاديكارتية

12-تشرين الأول-2009

السببية بين العلم والفلسفة

23-أيلول-2009

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow