Alef Logo
الغرفة 13
              

رد من أبو يعرب المرزوقي على مادة السلف الصالح لنضال نعيسة

ألف

2007-10-23

أضفنا بذيله رده على المعلقين عليه
تونس في الثاني والعشرين من تشرين الأول 2007
إلى الأستاذ سواح
المشرف على موقع الف المحترم
تحية وبعد
فلست أكتب إليك لأناقشك في سياسة الموقع. فهذا أمر ليس فيه رأي فضلا عن كونه حقك المطلق. ولست أكتب إليك لأعارض كلامك عن حرية الرأي فهو مبدأ أشاركك فيه. لكني أعجب من استنادك في الدفاع عن هذا النص الرديء الذي يعبر عن حالة مرضية نفسية يعاني منها صاحبه وليس عن فكر أثمرته روية عقلية مرضية يعاني استنادك إلى شعار موشي ديان الذي لم يعد ينطلي على أحد: أعني اتهام العرب بأنهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يعون وإذا وعوا لا يستوعبون. فهذا الشعار لا أظنه صحيحا إلا على النخب التي تتصور نفسها ثورية بحصر الكلام في الأهواس الجنسية أو على الحكام العرب الذي يقاسمونه الضحك على الذقون العربية بادعاء التحديث الذوقي والتلويث الخلقي.
أي شيء يستعصي عن الفهم في هذا النص حتى يتهم العرب بعدم الفهم والانفعال المانع من الرد الرصين ؟ لكأن الكاتب الذي يُدافع عن نصه من كبار المبدعين بلغت رمزية كتابته درجة عالية تستدعي قراءتها فطنة كبيرة وحدسا قويا يعجز دونه كل العرب. ظننت كلامك دالا على مضمون أبدعه السيد نعيسة فقلت لعل حرية الإبداع هي أفضل خط للدفاع. لكن النص لما نظرت فيه وجدته مجرد ترجمة حرفية بلسان عربي لا يعدو أساليب الكتابة الصحفية الصفراء لكاريكاتورات الصحفي المشهور في النبي محمد فضلا عن الصحابة.
وكنت أظن حرية الرأي أسمى من أن يحتج بها صاحب نص من ألفه إلى يائه استخفاف بحق غيره في أن يقدس ما اختار أن يعتبره مقدسا. وكنت أظن أن تهمة الإرهاب الفكري كان ينبغي أن توجه إلى صاحب هذا النص لا إلى الرادين عليه لأنه يعتدي على مقدسات الشعوب بغير مبرر اللهم إلا إذا الكاتب عند كتابة هذا النص الدنيء غير صاح فيكون معذورا بل ومشكورا لأنه كشف عما يساعد على معرفة نسبه ففتضح ما يدعيه زورا: إنه بحقده على رموز الأمة لا يمكن أن يكون إلا من بقايا الصليبيين في أحد ثغور هذه الأمة التي يهزأ بمقدساتها.
ذلك أني لا أفهم كيف يكون الغضب من أسلوب أحد الدعاة مهما كان فاسدا-وهو ما أقره عليه- كافيا لكي يتجرأ كويتب على كل رجالات الأمة فيعتبرهم مجرد بدو مزواجين منكاحين ترديدا لكلام صديقه عبد الحميد عساسي أحد البغال الذين ينهقون مع القبطي وماغي خوري إلخ.. في موقع خونة مصر من أقباطها موقع بلا حدود الذي اجتمعت فيه كل القرود. فهل ترى الكاتب من جنسهم فيكون من خونة سوريا أم هل هو من غلاة فرقها الذين يستلذون سب الصحابة ظنا منهم أن يعبر عن حب آل البيت التي خربوها بأن غرروا بآلها ليكونوا في خدمة آل شروان ؟
أما قرأ الكويتب نعيسة موقف القرآن من البداوة حتى يتهم مبلغه بالبداوة وهو قد كان من أشراف مكة الذين هم أكثر حضارة من أحفاد نعيسة القادمين فضلا عنه وعن جدوده لو كان يعلم ؟ من هذا الكويتب الذي لم يصل به الخيال إلا إلى ترجمة رديئة لخيال صحفي مريض رسم كاريكاتور الرسول استأجره كما هو معلوم أحد صهاينة أمريكا باعتراف المستأجر والأجير؟ هل تراه لم يجد عملا في الخليج أو طرد من موائده فصب غضبه على عربه فصار كل العرب بدوا حتى من كانوا من أشرف أشراف القوم ؟ لا يتكلم هكذا إلا من كان من بقايا عبيد الصليبيين في الشام فيفاخر برفعته الحضارية على بدو العرب ؟ أم تراه من حثالة اليمين المتطرف الذي تموله جونداليزا رايس ؟
لعلك ستتهمني بتجاوز الحد في وصف كاتب يظن نفسه كبيرا وهو عندي أصغر من أن يوصف حتى بكونه حقيرا لأنه يتجرا على النبي محمد والخلفاء الراشدين فيتعبرهم من جنس جنكيز خان مضمرا أن أثر الرسالة التي أتى بها محمد هي دون الأسماء الغربية التي ذكرها والتي لا يعرف منها إلا الأسماء ليباهي بها ناسيا أنهم جميعا لو سئلوا رأيهم في الحضارة التي يجهلها هذا الدعي لما استهانوا بها مثله بل ولأعلموه أنهم تعلموا منها جل ما أبدعوه مما أبدعته فضلا عما نقلته إليهم من الحضارات التي كانت من دونها ستدرس.
فصاحب البرمجيات أظنه مثقفا أكثر من هذا الدعي. لذلك فهو لابد يعلم أن أول مبرمج في العالم اسمه فيسلوف العرب الكندي أعني من بدو الجزيرة الذي هم أشراف ولسوا أوغادا كمن يكتب عليهم بجهل الأوغاد وغل الأحقاد. وصاحب الفيزياء النسبوية أظنه مثقفا أكثر منه لذلك فهو لا بد يعلم أن أول من سعى إلى تجاوز رياضيات أقليدس لطلب شرط ثورته في تصور فضاء غير الفضاء الإقليدي إثنان من هذه الحضارة التي يهزأ منها كويتب أجهل من نعله: أنهما الحسن بن الهيثم ونصير الدين الطوسي.
لكن ما الحيلة وقد صار يعد مثقفا أي جاهل يكتفي بترديد الشعارات حتى يقال عنه إنه ثوري وصار شاعرا من لا يعرف من العرب أكثر من مائة مفردة.ذلك أن العناوين تأتي مثلها مثل شرعية الحكام الذي وفروا المناخ الفاسد الذي أنجبهم بالتولد الطبيعي من رضى حثالات الغرب:يكفي أن يستدعوه لمهرجاناتهم أو يجيزوه بفتاتهم أو يعيشوه بالتكدي ككل المتسكعين من المزعومين مبدعين في المهجر يلعقون الملاعق ويلهثون وراء المآدب علهم يجدون ما يشربون وربما بعض العجايز فيتناكحون ويتمعشون.
وسواء نُشرت الرسالة أم لم تُنشر فالأمر عندي سيان. وقد كنت أظن الموقع فيه من يستحق الاحترام فكاتبت المشرف عليه لتقدير إياه وكتبت فيه أملا في الحوار بين باحثين جديين يعرفون الغرب حقا فعلموا معنى الإبداع ما هو ومعنى الفكر كيف يكون وليسوا يتخيلونه بالسماع. كنت أتصور أن المبشرين بالتنوير عاشوا في الغرب فخبروه من قرب ودرسوا عند كبار مفكريه وأطلعوا على أمهات مصنفاته وتعلموا جل لغاته ولم يتكفوا بالجرائد الصفراء والشعارات العوراء كما يفعل هذا الدعي الذي يسب النبي لأن كل غبي يمكن أن ينال الحظوة في الغرب بمجرد سب مقدسات العرب. والسلام
أبو يعرب المرزوقي
توضيح الرد وتعليله
لن أجادل في أن لاعتراضات بعض المعلقين شيئا من الوجاهة بخصوص النبرة الغاضبة التي شابت رسالتي للأستاذ سواح. فقد كان دفاعه عن نص نضال نعيسة بحجة تسرع العرب في القراءة لا النص ذاته سبب ردي. فما كنت لأكتب كلمة بخصوص هذا النص لو لم يكن تعليق رجل اقدره واحترم خياراته الفكرية والوجودية قد استفزني: خطابي كان حوارا شخصيا مع الأستاذ سواح وقد تفضل بنشره وهذا حقه لأني لم أبين قصدي من الرسالة هل هي شخصية أم عامة.
لذلك فقد يكون من اللائق أن أعلل أسباب الغضب الذي لا أتصور أحدا -سواء كان مسلما أو غير مسلم- لا ينتهي إليه إذا علم أن الأمر كله ليس متعلقا بحرية الإبداع أو الرأي: فذانك أمران يعلم الجميع أني لست ممن يعترض عليهما بل إني طيلة حياتي ممن يعاني من أعدائهما. فلو كان النص إبداعيا لجاز فيه لصاحبه يتجرأ حتى على الذات الإلهية طلبا لما يعتبره مثالا لم يتحقق أو قيمة ناقض واقعها مثالها: أن يجادل نيتشة فلسفيا وجماليا في المسيح أو في سقراط نموذجين أمر لا اعتراض لي عليه. ولو جادل صاحب النص فلسفيا بعلم أو جماليا بذوق في النبي محمدا نموذجا للقيم التي يعتبرها أولى بالوجود من القيم التي يمثلها القرآن لما وجدت في ذلك غضاضة.
إنما كان النص ترجمة حرفية لكاريتكاتورات صحفية يعلم الجميع مصدرها وما أدت إليه من ردود فعل اعتبرتها حينها من سخف القيادات الروحية الإسلامية والعربية. فهي تسكت عمن يبول على القرآن في الديار وفي القواعد التي بالجوار وتشحن الشعوب ضد صحفي مغمور في القطب الشمالي صور ما عن له من رذيل الأمور. وقد كتبت ضد الشحن والشحانين لتصوري دورهما مقصورا على التلهية عن المعارك الحقيقية: فأنا لم أسمع بعالم ديني من الشحانين حرك ساكنا ضد انتهاكات حقوق الإنسان اليومية في بلداننا أو لعودة القواعد لكل أقطارنا لكنهم تحركوا لأمر تافه فجعلوا صاحبه بطلا في أعين الغربيين وجلوا أمرا كان يمكن أن يمر دون أن يعار أي اهتمام جعلوه موضة فصار أحقر الناس يتجرأ على سيد الناس عند من يفهم معنى السيادة ما هي.
فالرجل الذي أسس لاجتهاد النظر ولجهاد العمل فشرع في توحيد الإنسانية بعد أن حررها من عقدية الشعب المختار ومن طغيان السلطان الروحاني المتواطي مع السلطان الزماني لمحو كل ما هو إنساني صار في عرف من لا يفهم الرموز بدويا متعطشا للدم والجنس. الرجل الذي حرر الجنس من أمراض الرهبان وجمع بالأخوة كل بني الإنسان فكان في صحابته الأسود والابيض والأصفر الرجل الذي لم يأت لنعاج ضالة من بني إسرائيل بل لكل من سيقبضه عزرائيل أصبح في عرف السوقة رئيس عصابة كما يزعم بعض السفهاء في كلامهم عن الصحابة !
لكن نص نعيسة يختلف عن كاريكاتور الصحفي لأن صاحبه يدعي كتابته للدفاع عن الأمة. هو يزعم كتابته تعبيرا عن الغضب من أجل الحاضر الذي يعاني من فساد الماضي ! لكنه في الحقيقة ينتسب إلى حركة عارمة لعل أفضل ممثليها اليوم هم كل الذين فقدوا شجاعة المواجهة مع الواقع الأليم فحملوا مسؤوليته للماضي ليتفصوا من الواجب واعتبروا الرجالات التي أسست هذه الحضارة مسؤولين عن تخليهم هم عن قيم الرجولة التي صاروا يتهمونها بالبداوة والوحشية: أن تحارب مستعمر أرضك ومنتهك عرضك بداوة وبربرية بل وإرهاب وأن تحتل ارض غيرك وتستحي عرضه فذاك عين المهمة التحضيرية.
ينسى المتنمرون أن هؤلاء البدو الذين يعبروننا بهم وهم الأشراف هم الذين حالوا دون أن يصبح كل الوطن العربي عراقا تستباح فيه الحرمات والأوطان. ولعل سورية كانت دون شك ستكون ثانية الضحايا. والغريب أن هؤلاء الذين يتهمون الماضي بما يجري هم أنفسهم الذين أتى بعض رهطهم على ظهر الدبابة الأمريكية ليخلصوا العراق ممن كانوا يهدمون الماضي البدوي بالعلمانية القومية والتحديث التنويري التي يتكلم ببعض قيمها هذا الرجل.
فالقادم على الدبابة والذي أسقط تمثاله كلاهما يزعم التحديث الذي كان علمانيا اشتراكيا بقبعة حمراء فصار علمانيا ليبراليا بعمامة سوداء ! من كان يحكم العراق ومن يحكم البلاد العربية اليوم جميعهم لا يعتبر الماضي الذي يتهمه الكاتب مثاله الأعلى بل بالعكس هم فعلوا كل شيء ليهدموه تماما كما يفعل هو وإن بقلم رديء وفكر قميء: ولو كان له طول لفعل أكثر مما فعل أصحاب الاستبداد الذين يريدنا أن نصدق أنه كتب للثورة عليهم !
أما تعليلي لغضبي فلن يتعلق بمضمون النص الذي وقع الدفاع عنه باسم حرية الرأي بل ببعض الأفكار العجيبة التي قرأتها في التعليقات على رسالتي إلى الأستاذ سواح. وهو مضمون يقبل الرد إلى خمسة عناصر بينة أطرح فيها السؤال وأرد يجمل وجيزة تاركا للقارئ الحكم فلعلي عسر علي الفهم بعد أن صارت العربية أعجمية فبات الكويتب في بلاد العرب عبقرية:
الأول: هل صحيح أن احترام المراحل التأسيسية من تاريخ الأمم مرض عربي أم هو عين كل شرعية حضارية في جميع الأمم ؟
لم أسمع بأمة في التاريخ ليس لها لحظة تأسيسية تعتبرها منبع تاريخها المقدس وتحيطها بهالة أسطورية فتجعلها المعين الدائم لاستئنافاتها التاريخية بعد الكبوات التي قد تحل بها. ويكفي لهؤلاء المباهين بتقليد الغرب مع الجهل المدقع به أن يعلموا كل التاريخ الغربي مبني على أصلين مقدسين كلاهما محاط بهالة أسطورية نخبوية فضلا عن الشعبية: الأصل المسيحي للروح والأصل اليوناني للعقل علما وأن الأصلين ليس لهما صلة حقيقية بالغرب لأنهما كلاهما شرقيان. لكن الحاجة إلى المنبع المقدس تلجئ الأمم التي لا تملكه إلى استعارته من غيرها كما يفعل الغرب الذي يستمد أصليه من الشرق المسيحي (وهو بالأساس شامي) ومن الشرق اليوناني (وأهمه شامي كذلك) !
الثاني: هل صحيح أن العرب تخلفوا لاحترامهم الماضي والغرب تقدم لتخلصه من الماضي ؟
تعليقي على هذا السؤال هو نفسه تساؤلي. فمن الذي أوصل بالعرب اليوم إلى ما هم فيه من انحطاط؟ هل هو بناة الحضارة العربية الإسلامية الأوائل الذي حرروا كل الوطن العربي من استعماري فارس وبيزنطة ؟ وهل هو الحركات الإسلامية التي حررته من الاستعمار الغربي القديم ونراها تحرره من الهجمة الأمريكية الإسرائيلية؟ أليس هؤلاء الذين يرفعون شعارات التقدم الاستبدادي بشعارات جونداليزا رايس اليوم هم أبناء الاستبداد الذي رفع قبلهم شعارات بعض الطلبة الذين لم يتسوعبوا أفضل ما في الفكر الغربي فأسسوا أحزابا فاشية هي التي ينبغي تحميلها مسؤولية أمثال هذا الحصاد النخبوي المشوه ؟
فكلنا يعلم أن الأنظمة التي يدعي أنها تستمد شرعيتها من تمجيد الماضي لم تتأسس إلا بالحرب عليه تماما كما يفعل هو. فهي تستمد سلطانها من نفس النفس الذي يتكلم به هذا الرجل أعني من الدعوة إلى تقليد الغرب بدعوى اللحاق بركب الحضارة. والفرق الوحيد بينه وبينهم أنهم كانوا يقلدون فاشيات الغرب التي عاصروها في شبابهم (مؤسسو الأحزاب القومية والاشتراكية العربية التي استبدت بالأوطان بعد أن حررها المعجبون بالماضي الذي يحقد عليه) وهو يقلد فوضويات الغرب التي يعاصرها (مؤسسو الليبرالية الجديدة والنقد السهل في الحانات والمقاهي).
والمعلوم أن الفاشية والفوضوية شيء واحد لأن أساسهما الخلقي هو بالذات هذا الاستخفاف بالقيم عامة وبالماضي المؤسس خاصة: لذلك جعلت جونداليزا رايس أهم مارينزها من هؤلاء المهدمين للماضي باسم الفوضى الخلاقة الروحية لا السياسية وحدها ؟ فليس هو طيرا مغردا بمعزل عن الأسراب التي نجدها في الحرب النفسية ممثلة بالمواقع التي من جنس بلا حدود حيث يصول ويجول بعض أقباط المهجر وبعض المتمسحين الجدد من الشام والمغرب العربي ليشوهوا الإسلام والمسلمين بالكذب الصراح والتعدي المباح!
الثالث: هل صحيح أن التقدمية تعني الاستهانة بالمقدسات ومن ثم النزعة التهديمية للماضي كله دون مفاضلة ؟
من له حس تاريخي يعلم أن كل الأمم تتقدم بما تؤسس له من مقدسات ومن ثم باحترام المقدس عامة من حيث هو صورة حضور المثال في الوعي الجمعي. فلا تنفي التقديس بالتجديد بل هي تنفي تجميد تعينه في شكله حتى تجدد مدده لئلا ينضب. ومعنى ذلك أن التاريخ النقدي بالمعنى النيتشوي للكلمة لا معنى له إلا من حيث هو متمم للتاريخ النفعي والتاريخ المعلمي: الأمم تنقد ماضيها لتختار منه ما ينفع حياتها بشرط أن تبقى على معالمه الرمزية والقيمية والشخصية حتى يكون المعين الذي لا ينضب للاستئناف الدائم في كل نبضات التاريخ الحي للأمم العظيمة.
ما أغضبني ليس نقد النبي فهذا أمر لا تكاد سورة واحدة من سور القرآن تخلو منه: ولم أر مسلما واحدا يغضبه في الحق ما قصده الحق. فإذا سلمنا للعلمانيين جدلا أن القرآن من تأليفه فإنه يكون نقدا ذاتيا ثوريا لا يكاد يكون له مثيل في التاريخ. ما أغضبني هو ركوب موجه سبه لنيل رضى جونداليزا رايس وبعض نقودها أو دعوات غلاة اليمين الجديد والسجود لهم في معاهدهم المزعومة علمية وهي من توابع المباحث الإجرامية ومن ثم للحط من الفتية الذين مرغوا أنف أكبر جيش في العالم فدفنوه وتكنولوجياته تحت رمال الرافدين. أن يصبح مستنوقو الجمال من ذكور الأمة ومستجملو النياق من إناثها (باستعارة بدوية!) ثوارا في المقاهي والمواقع الشبكية يشتمون الأبطال الذين يحمون العرين فهذا هو سبب الغضب الذي عدمه هو الذي ينبغي أن يكون مصدر العجب.
الرابع: هل صحيح أن الذي يصف المنحط بانحطاطه عند كلامي على النص المدافع عنه كمن يصف السامي بالانحطاط عند كلام النص عن القرآن ومبلغه ؟
ما قلته في النص وصاحبه أصف شيئا بما فيه لا أعدوه ولا أعتدي عليه رغم عدوانه على المقدسات. والدليل على صحة الوصف أنه وصف شيئا بما ليس فيه. فبناة الإمبراطورية العربية الإسلامية (بلغة العلمانيين) حتى بمعيار التاريخ العادي ودون أي رائحة للتقديس ليسوا ممن يستطيع أن يتكلم عليهم من لا يستطيع أن يبني خيمة. والدليل هجومه على الماضي هروبا من التصدي لذل الحاضر. فلم نسمع بأصحاب هذا النقد المزعوم ثقافيا فعلوا شيئا ضد الاستبداد من أجل حرية المواطن أو ضد الاستعمار من أجل تحرير الوطن بل اكتفوا بتعليل سطحي لمآسي الحاضر بأخطاء الماضي وثقافته: ولعل الفكرة الغالبة على النص رغم محاولة إخفائها هي رد الأمر كله إلى ظلم الخلفاء الثلاثة الأول للخليفة الرابع أي نفس الاسطوانة التي يرددها المتحالفون مع كل الحملات الهمجية على دار الإسلام من الصليبية إلى المغولية إلى الاستعمارية إلى الأمريكية.
النبرة الطائفية هي أهم ما أغضبني في النص حتى وإن امتنعت من الكلام عليها لتجنب هذا العفريت الذي سيأكل الأخضر واليابس كما نراه يفعل في العراق. وهي نبرة بينة ودليلها واضح في النص: فعندما يتكلم عن النكبات التي سببها البعض واتهمهم بالقبلية إلخ.... فالقارئ الفطن يعلم من استثنى من حكمه إما تقية وخوفا ممن لهم اليد الطولى أو إيمانا صادقا بالشحن الطائفي المعهود. فيلتقي الشحن العرقي والحضاري ذي التمويل والمنابع الأمريكية الإسرائيلية ضد العرب والشحن الطائفي الديني ذي التمويل والمنابع التي لا تحتاج إلى تعيين ضد السنة منهم.
الأخير: هل صحيح أني أمجد الاستبداد بالكلام على احترام القيم بإطلاق سواء كانت غربية أو عربية لأن الإنسان لا يستمد كرامته إلا من هذه القيم التي يسمو بمقدار ما يحيطها بها من احترام وتقدير؟
ليس أيسر على الذين يستمدون وجود نحلتهم من الاستبداد عينه أن يتهموا من يرد عليهم بأنه يمجد الاستبداد: الشمولية العقلانية التي تدعي النقد ما بعد الحداثي بمعتقدات ميتافيزيقية دون أن تشعر بالتناقض الفاضح بين الموقف والمعتقد. وهنا لا بد من بيان سخف حجتين يرددها الكثير من السفهاء:
الأولى تذهب إلى أن تسليم المتدينين بقدرة الله المطلقة تؤسس للاستبداد متناسين أنها تنفيه عندهم بإطلاق لعلتين: 1-فهم ينسبون القدرة لله وحده فينفونها عمن يريد أن يستبد فيزعم التأله ومن ثم 2-فهم يجعلون جميع البشر متساوين في الخضوع لمثال أعلى متعال يمثل القيم ولا يمثل الاستبداد لأنه العدل المطلق.
الثانية تذهب إلى المقابلة بين تقديس العلمانيين للمستقبل وتقديس المتدينين للماضي. لكن المتدين لا يقدس الماضي لأنه ماض بل لأنه يمثل ما لأجله يستحق المستقبل أن يقدس أعني القيم التي ينبغي أن تتحقق لأن الماضي جعلها مثال الإنسان الأعلى. ولأشرح ذلك: فالمسلم الذي يتغني بأبي بكر أو بعمر أو بعثمان أو بعلي لا يفعل ذلك لأنهم من الماضي بل لأنهم رموز لقيم متعالية على الزمان.
فأبو بكر رضي الله عنه هو رمز الصدق والخلوص لوجه الله ولذلك استخلفه النبي في الصلاة.
وعمر رضي الله عنه رمز العدل والصلابة في إحقاق الحق لذلك يعتبره أي مسلم سوي رمز الحكم العادل.
وعثمان رضي الله عنه هو رمز العلم المؤسس لجمعه القرآن وتوحيد نسخه ومن فهو عند كل مسلم سوي أصل توحيد الأمة بتوحيد كتابها.
وعلي كرم الله وجهه رمز استعادة القيم الروحية سلطانها على المجريات السياسية. ولذلك فهو عند كل مسلم سوي يعتبر رمز تعالي الروحي على الزماني.
ولأن المسلمين الأسوياء أسوياء فإنهم لا يقدسونهم لذاتهم بل لتمثيلهم هذه القيم خاصة وهم يعلمون أن الثلاثة الأواخر منهم قد اغتيلوا فاغتيل معهم ما يرمزون إليه أعني ما يريدون استراده لإصلاح حال الأمة ومن ثم فهي القيم التي لأجلها يصبح المستقبل ذا رسالة:
اغتيل عمر ومعه العدل
واغتيل عثمان ومعه العلم الروحي الموحد
واغتيل علي فاغتيل معه تعالي الروحي على الزماني.
تلك هي الرموز التي يقدسها المسلمون. فهل يحق لمن لم يدر بخلده مثل هذه القيم ولا معانيها ولا حتى معنى أن يكون للأشياء معنى أن يتكلم فيها ؟ ذلك ما أغضبني. ومرة أخرى لم أكن لأكتب حرفا لو اقتصر الأمر على النص السخيف إياه. إنما الداعي للكتابة هو كلام الأستاذ سواح الذي له الفضل في فتح الباب لمثل هذا الحوار الذي آمل أن يكون مفيدا فيكون نشر النص على علاته ورغم ما فيه فرصة لتوضيح المعاني لئلا تتحول الثورية إلى سهل الأماني.
والسلام
أبو يعرب المرزوقي
تونس في 25 تشرين الأول 2007

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

31-كانون الأول-2021

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

22-أيار-2021

الـمُـغـفّـلــة – أنطون بافلوفتش تشيخوف‎

15-أيار-2021

قراءة نقدية في أشعار محمد الماغوط / صلاح فضل

15-أيار-2021

ماذا يحدثُ لجرّاحٍ حين يفتحُ جسد إنسانٍ وينظرُ لباطنه؟ مارتن ر. دين

01-أيار-2021

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow