Alef Logo
دراسات
              

(فيض من نزف الفجيعة _ قراءة للدكتور محمّد عبده فلفل في مجموعة سدرة الموت .. شهوة الوطن للشاعر محمّد العثمان

خاص ألف

2016-06-16


صدر للشاعر محمد طه العثمان عن دار نينوى للطباعة والنشر بدمشق مجموعة شعرية بعنوان(سدرة الموت، شهوة الوطن) وقد قدَّم العثمان لمجموعته هذه بمقدمة حرص فيها على بيان أمرين اثنين، يفضي أحدهما إلى الآخر، أولهما تحديد مفهومه للشعر تحديدا ينم عن تصور نقدي واعٍ ومدروس لطبيعة الفعل الشعري من حيث الوظيفة والبنية، مما قد يوهم بمنهج مُـعَـــدِّ ينذر بالحد من عفوية العمل الإبداعي وصدقه الفني، على أن ما يمتلكه العثمان من معرفة نقدية مؤسَّسة وواعية لطبيعة الفعل الشعري لم ينف عن تجربته هذه قدرا من حالة اللاوعي الفني الذي يعد لازمة من لوازم التجربة الإبداعية، ومعلما من معالم صدقها الفني، وهو ما نلمسه في التجربة موضوع الدرس.
ومن معالم ذلك - وهو ثاني الأمرين اللذين حرص العثمان على بيانهما – أنه لم يكن في هذه التجربة أسير التحيز لمدرسة شعرية محددة، ذلك أن المتحكم الرئيس في تحديد تشكيل قصيدته إنما هو الدفقة الانفعالية التي تقوم عليها أو تعبر عنها، وذلك بغض النظر عن الشكل، لذا تجد في هذه التجربة القصيدة ذات الوزن الخليلي إلى جانب قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، كما تجد القصيدة التي لم تتجاوز بضع كلمات مع تلك التي شغلت صفحات عدة، وكأن الحالة الانفعالية تتخلق شعريا بالتشكيل الذي يناسبها ويعبر عنها، مما يشي بأنها تتلاحم تلاحما عضويا بتشكيلها اللغوي، تلاحما يوضح عمليا ما يقوم عليه الفعل الشعري من وحدة عضوية أو تجانس عضوي بين الدلالي والانفعالي، مما أفضى إلى قدر لافت من الواقعية الفنية أو الصدق الفني في التعبير عن الرؤيا التي يصدر عنها المنشئ ، وتقوم عليها تجربته، لذا جاء التشكيل اللغوي في حالة من التماهي مع الحالة الانفعالية التي تحكم هذا التشكيل، مما أقدره على التعبير عما يعتمل في الذات الشاعرة من العواطف والحالات الانفعالية المتداخلة على تباينها والمتلاحمة على تناقضها، تلاحما وتناقضا يعبران عما تحفل به حياة الإنسان السوري المعاصر من الأحاسيس والمشاعر المتناقضة والمتصارعة.
وحدة موضوعية وتجانس شعوري.
ومن أخص خصوصيات( سدرة الموت شهوة الوطن)أنه استبد بنصوصها على اختلاف تشكيلاتها الموسيقية وانتماءاتها المدرسية هم واحد،هو الأزمة السورية المستفحلة، كما استبد بها حالة شعورية انفعالية واحدة تتسم بتداخل المشاعر وتصارعها، بقدر ما هيمن عليها أسلوب تعبيري، أهم ما يميزه قدر من العلاقات التركيبية الدلالية المتجاوزة للمألوف من العلاقات التركيبية النحوية القائمة بين مفردات اللغة النفعية، واللافت أن ما بين نصوص هذه المجموعة من تجانس موضوعي وتعبيري جعل المتلقي يشعر بأنها نص واحد في نصوص متعددة، يجمع بينها وحدة نصية ، أو قل علاقة تناصية عضوية، وكأن المجموعة نص في مقاطع متباينة حجما وتشكيلا موسيقيا، مما أكسبها ضربا من الحيوية الأسلوبية، أنقذها من مطب التكرار الذي كان يمكن أن ينجم عن رتابة ما يجمع بين نصوصها من وحدة الهم والتجانس في الانفعال القائم أساسا على تداخل المشاعر مع تصارعها .
ومما عزز تلك الحيوية الأسلوبية في هذه المجموعة أنها عبرت عما هي فيه بثنائيات تعد انعكاسا، أو تجليا فنيا لما يعانيه إنسان الأزمة السورية الراهنة، ثنائيات متناقضة تعكس حالة القلق والصراع النفسي التي يصدر عنها المنشئ، وهذه الحالة من لوازم العمل الفني ومقوماته، وفي مقدمة هذه الثنائيات، ثنائية الحياة والموت، أو البقاء والفناء، وهي الأصل الذي تتفرع عنه أو تنبثق منه الثنائيات المتداخلة في النفس والنص على تصارعها وتناقضها، ثنائيات الطمأنينة والخوف واليأس والأمل، والراحة والألم .
وقد تجلت رؤيا هذا النص بتشكيلات لغوية كانت حصيلة لما هي فيه من الحالة الانفعالية، بل انعاكاسا لها وتعبيرا عنها، ابتداء من العنوان الرئيس(سدرة الموت، شهوة الوطن) ومرورا بالعنوانات الفرعية للقصائد وبالحقول الدلالية التي تنتمي إليها مفردات متنها اللغوي، وانتهاء بالتراكيب النحوية القائمة على قدر لافت من المجازات التركيبية، وهي مجازات عكست بلا شك خصوصية التجربة التي تصدر عن خصوصية هذه المرحلة من تاريخ سورية المعاصر بقدر ما مكنت النص من استثمار الطاقات التعبيرية للغة استثمارا يقوم على البوح والإيحاء في آلية التعبير وعلى الغنى والتنوع أو التباين والتداخل بين المختلفات حينا والمتصارعات حينا آخر من مكونات المحمولين الانفعالي والدلالي . وهو ما أرجو أن يتضح فيما يلي بالتفصيل والدليل.
عتبة قولية تشكيلية.
من نافلة القول أن وظيفة عنوان المجموعة الشعرية في العصر الحديث لم تعد تقتصر على الوظيفة التمييزية، بل تعدت ذلك ليكون العنوان كما يقال عتبة نصية يُـدْخَـلُ من خلالها إلى الرؤيا التي تقوم عليها المجموعة، أو تعبر عنها، مما يعني أن عنوان المجموعة الشعرية يربطه بقصائدها علاقة عضوية تناصية تمكنه في أحيان كثيرة من أن يكون بؤرة إشعاع رئيسة تضيء عالم التجربة و رؤياها، ويُنْـفَـذ إليها من خلالها. وهو ما نلمسه في(سدرة الموت، شهوة الوطن) الذي يتراءى للمرء تعبيراً مكثفاً عن رؤيا هذه المجموعة ببعديها الدلالي والانفعالي، فهذا العنوان تشكيل مكثف في تعبيره عما تصدر عنه وتقوم عليه هذه التجربة من الثنائيات المتناقضة التي تعكس حالة القلق والصراع النفسي التي يصدر عنها المنشئ،وأصل ذلك وفي مقدمته كما قلنا ثنائية البقاء والفناء.
واللافت في عنوان هذا النص ائتلاف التشكيلي و القولي وتكاملهما في التعبير عن الرؤيا التي يصدر عنها، أو يقوم عليها هذا العنوان، مما يشي بأن الذات التشكيلية استلهمت تشكيلها من رؤيا الذات الشاعرة في هذه المجموعة الشعرية، فالعبارة العنوان(سدرة الموت، شهوة الوطن) جاءت مصحوبة بتشكيل فني يتناغم ويتكامل في إيحاءاته اللونية والتشكيلية مع ما توحي به هذه العبارة العنوانية خاصة والتجربة الموسومة بها عامة من حالة القلق والصراع النفسي القائم كما تبين على اصطراع مكوني ثنائية البقاء والفناء التي تتحكم بلا شك بوعي، وبغير وعي بأداء المنشئ وانفعالاته في هذا النص .
وقد تمثل التشكيل المرافق للعبارة العنوانية على الغلاف بمسطح مستطيل من زرقة بحرية تتخلله سواعد مختلفة الطول والحجم وقد فتحت أكفها مشرعة إلى الأعلى طالبة النجاة من الغرق، واللافت أن هذه الأكف وتلك السواعد عبرت بسوداها عن حالة الإحباط التي تعتري أصحابها، مما يشي بتوظيف هذا التشكيل في التعبير عما تصدر عنه هذه التجربة من حالة انفعالية متوترة تتنازعها انفعالات متعايشة على تناقضها، انفعالات اليأس والإحباط مع الأمل، وهذه الإيحاءات التشكيلية ببعديها الشكلي واللوني تتكامل أو تتناغم وما توحي به العبارة العنوانية التي كتبت على الغلاف بخط أحمر ضمن مسطح مستطيل أخضر، وكأن الحمرة التي كتبت بها عبارة (سدرة الموت، شهوة الوطن) مع الخضرة الملوِّنة للمستطيل الذي كتبت ضمنه تعبر عن مفارقة، مفادها أن وطن الخصب والنعيم يكتنف أبناءه خطر داهم، وهي مفارقة ليست بعيدة عما توحي به العبارة العنوانية التي يعتمد شقها الأول(سدرة الموت) في إيحائه على علاقة تناصية بمقولة من الفكر الديني، كما تعتمد في شقها الثاني (شهوة الوطن) على تركيب إضافي مخاتِل في دلالته المفتوحة على أكثر من معنى، أما المفارقة التي تقوم عليها وتصدر عنها عبارة(سدرة الموت) فناجمة عن ارتباط السدرة في الذاكرة الدينية بما يعرف بسدرة المنتهى، وهي شجرة سماوية تنتهي بمن يصل إليها إلى عالم السماء عالم النور والرحمة والعدالة ، أما سدرة المنشئ فقد أضيفت إلى الموت في تعبير مختزل عن حالة الإحباط التي تلف المحيط الذي أنجزت في خلاله هذه التجربة ، وهي حالة غدا فيها الإنسان يشعر بأن كل ما يحيط به مظنة الخوف والقتل والدمار، ولو كان مما استقر في النفوس أنه موئل العدل والرحمة .
وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد غدا الوطن في رؤيا العنوان يفتقر إلى مقومه الأساس، وهو الإنسان كما غدا الإنسان يفتقر بافتقاده الوطن الآمن إلى ما يحتاجه من مقومات الحياة، ، وقد عبر عن هذه المعاني والانفعالات المحبطة التركيب الإضافي( شهوة الوطن) فالشهوة المضافة إلى الوطن تحتمل أن تكون من قبيل إضافة المصدر إلى فاعله في المعنى، وذلك مع حذف المفعول المفهوم من العلاقة الاستلزامية بين المشتهِي، والمشتهَى اللذين يستلزم وجود أحدهما وجود ثانيهما، فالوطن على ذلك يشتهي أبنائه، ولا شك أن المشتهَى شيء حرم منه المشتهي، وتحتمل الشهوة في هذه العبارة العنوانية أن تكون مضافة في المعنى إلى المفعول مع حذف الفاعل المفهوم بالضرورة من العلاقة الاستلزامية أيضا التي تقول بأن لكل حدث محدثا، وعلى هذا التقدير يكون الوطن مشتهىً، وإنسان المنشئ هو المشتهي لوطن محلوم به، وطن لحمته وسداه الطمأنينة والاستقرار والخصب والنماء، ولكنه في رؤيا المنشئ وطن حلمي مرتجى، وهي رؤيا تجود بالحلم حيث لا يتاح غيره، ولكنها لا تسمح بتزوير الواقع الذي يقول بوطن الرعب والأنفاق المظلمة :
وطني انبعاث للمدى...
تقتات من دمه البراري
وانحناءات المعاول ....
حيث لا عنقاء
تُبْعَــثُ للقصائد ... للغمام ... للهفة
الشعراء...
يزكو ليطعم نجمة...
نامت على أردانه
ويشف
كي ترعى به أحلام من هاؤوا...
فلا حلمٌ مريضٌ أو سديم مقفر
لا شيء في وطني
هباءٌ أو يباسٌ....
مارق أو معتم...
فعلى ظلال جبينه ماتت متاريس العـداء.. .. لنولــدا
خصبا قد ابتكر الحياة
وأشعل النيران في الطود المقدس
في مرايا الشوق حين تماثلت بددا
فلن يهب السنابل حلمها، والشمس قامتها
وروحي رسمها
إلاك يا وطن الفضيلة والهدى ص45-46
جلي في هذا النص تداخل الدلالي بالانفعالي، أو تماهي أحدهما في الآخر، وجليُّ أيضا تداخل الحلمي بالواقعي، فالمنشئ في معرض تخيله حالماً بوطن السعادة ينفي عن هذا الوطن المتخيَّل كل ما يشي بالحرمان، وهو نفي في معرض الإثبات، نفي للكوارث عن العالم المحلوم به، وإثبات لها ،أو توجع من وجودها في عالم الواقع، مما يعزز القول بتآلف المتناقضات الدلالية والانفعالية في رؤيا هذه التجربة:
وطني انبعاث للمدى ..
يغفو كأنثى أولجتها الريح
يشقى مثل خاصرة الكتاب
ويرتدي برد اليتامى
ويكرم الشذاذ كيلا يجرموا...
ويطل أغنية على قلق الكمان...
.......................
وطني حنين...
أغنيات.... عالم النجوى....
يغيم.....يقوم....يفرع ....يفتدي
لابد منه
لا بد منه لنصعدا ص47-48
إنها رؤيا الاصطراع النفسي ، رؤيا عبر عنها معادل فني، قوامه الحلم بالوطن الآمن، والتألم من وطن الوجع الواقع وطن يرتدي برد اليتامى، و طن قتيل تسكن أبناءه الوحشة . ص39
هذا دمي وحشية أسماؤه
لا يكتفي بالمدح والإطراء
يرثي وعلة بكرا
ويسقي خد راهبة
غريب عن وريد الشوق
ممدود كعاطفة النخيل
قد وُسِّد النعمى
فأسرى بابنتي كي لا يغازلها الحنين
وترتديها وحشة الوطن القتيل
على هذا النحو من الائتلاف بين المتناقضات الدلالية والانفعالية ينجز محمد طه العثمان تجربته الشعرية (سدرة الموت.. شهوة الوطن) متوسلا في ذلك بتشكيلات لغوية تماهت فيما تعبر عنه من الانفعالات والدلالات تماهيا ينم عما تصدر عنه هذه التجربة من واقعية فنية ، تمكن من الإحاطة بعمق وكثافة بعالم الواقع المنكوب، من دون أن تقع في مطب المباشرة على ما سيتضح في الفقرة الـتـالـيــــة:
عتبات داخلية .
تُـمَـثِّـِّــل عنوانات قصائد(سدرة الموت، شهوة الوطن) عتبات داخلية ينفذ من خلالها إلى رؤيا هذه التجربة، وهو ما تدل عليه القراءة السيمائية لهذه العنوانات التي يمكن تصنيفها وفق الحقول الدلالية لمفردات معظمها إلى ثلاث مجموعات تصدر كل منها عن بعد أساسي من الأبعاد الدلالية والانفعالية التي تحلق في فضاءاتها رؤيا هذه التجربة، أما المجموعة الأولى فتمثلها العنوانات التالية: 1- هامش أول. 2-هامش للقصيدة. 3- حاشية لمفردات الدمار. 4- فاصل قد يكتمل عن الحب والحرب. 5- فاصل مكتمل عن الحب والحرب . 6- نسبية الحلول؛ قصيدة على الهامش. 6- هامش أخير.
فهذه العنوانات المشغولة بمفردات الهوامش والحواشي والفواصل تشي بصوت إنسان مشرد يشعر بأنْ لا مكان له في متن الحياة، يختلس اللحظات للنظر في شؤونه المصيرية، إنسان يشعر بالوحدة والاغتراب في مهب الفجيعة، لأنَّ ما هو فيه على هامش اهتمامات أصحاب الحل والعقد ، ولأن الأمر كذلك في رؤيا هذه التجربة كان من الطبيعي أن تبدأ بـ(هامش أول) وتنتهي بـ(هامش أخير) لا يخفى ما بينهما من التناغم والتكامل في الدلالة والانفعال، فمن الهامش الأول تفوح رائحة الوجوم والصمت والموت . ص 11
من فرط إيثاري ...تملكتُ
وعصفتُ بي ....
....فتنهّد الصمتُ
أنا سحرُكَ المنهوب للشعرا
حين ارتقى لسمائكَ الموتُ
أما الهامش الأخير الذي تنتهي به المجموعة فلا يتخلل ما يستبد به من فضاءات الجدب، والإحباط إلا ضئيلُ أمل في العبور إلى عالم التجاوز والتسامح :
آتياً منه إذا عجزُوا
كلما أردى بيَ العَوَزُ
لا أغنّي اليأسَ .....سوسنةً
حينما الأوهام تكتنزُ
فهلِ النسيانُ يا وطني....
سيداوي
.....جرحَ من وُخِــزوا. ص74
فهذا الهامش الأخير الذي يتم به المنشئ تجربته هذه يتكون من مقطعين، مقطع ذو ماهية وجعية، ماهية العجز والعوز، يقفوه مقطع يُشِيع تركيبه الإنشائي الاستفهامي مشاعرَ الأمل بوطن معافىً ، ولكنه الأمل المثقل بالإحباط المستبيح.
وتتضح معالم هذه الرؤيا أكثر في استعراض عنوانان المجموعة الثانية من عنوانات قصائد(سدرة الموت، شهوة الوطن) فهي عنوانات هيمن عليها مفردا ت جحيمية تُــشيعُ في النفس عالم الموت واليتم والدمار والوحشة والاغتراب: 1- سدرة الموت. 2- حاشية لمفردات الدمار . 3- رقيم بالغ اليتم . 4- كم كنت وحدك . 5- الرمادي والأحمر. 6- حللتِ حِماماً . 7- سورة الضوء والمعنى ، تفسير معجم الشهداء. 8- جسد الريح كفن الموت . 9- موت مؤجل . 10- فصل من الجحيم . فهذه العبارات العنوانية تصدر عن رؤيا تعد قصائدها بحق فيضا من نزف فجيعة إنسان يشعر بأنه ينتظر أجله، يشعر بأن كل لحظة يعيشها يمكن أن تكون اللحظة الأخيرة من حياته، ولذلك تجد في عنوانات المجموعة الثالثة (أغنية الشاعر قبل الأخيرة) و(أغنية الشاعر الأخيرة) وهما أغنيتان تتناغمان في الدلالة والانفعال بقصيدة (فسحة جديدة للحب) وهي فسحة على ضآلتها جعلت الحب كما لا حظنا يزاحم الحرب في أكثر من عبارة عنوانية، و في ذلك إيحاء غير خافٍ بأن نسائم الحب أجدى من مدافع الحرب في بناء وطن ينعم بدفء التآلف والتسامح :
أمدُّ يدي
للعابرين حمامةً
فينمو اشتهائي كلّما انكشَفَ السربُ
فأُرْجِع ضوئي كرتينَ
وأنحني
فتُقلب صلحاً مشمساً هذه الحرْبُ
فهَلا صفحتم عن طفولة حلمكم
وأترفتمُ دفءَ المكان....
لكي نحبو ص20
وليست الحقول الدلالية التي تنتمي إليها مفردات المتن اللغوي لقصائد(سدرة الموت شهوة الوطن) بأقل دلالة على هذه الرؤيا من الحقول الدلالية التي تنتمي إليها مفردات عنوانات هذه القصائد.
معجم الفجيعة
فاللافت بوضوح في معجم (سدرة الموت.. شهوة الوطن) شيوع مفردات تنتمي إلى حقول دلالية يربط فيما بينها علاقة تكاملية، مما جعل هذا المعجم حالة تشكيلية لغوية تتماهى في طبيعتها مع المحيط الذي أنجز العثمان في خلاله هذه التجربة التي تكاد لا تغيب عن أي قصيدة من قصائدها مفردات عالم البكاء والصمت والموت والدم والنزف والحرب والقتل والطعن والجرح والنحر والعقر والرصاص و الكفن و النعش والقبر ، والأرق والنفق والغرق والقلق، والبرد والليل واليأس والعري والعجز والعوز، واليتم والقفر، والخيانة، والمرض، والخرف والوجع، والهباء واليباس والسراب، والعتمة.
ولا يندر أن تتكرر بعض مفردات هذا المعجم في القصيدة الواحدة، أو في المجموعة كلها تكررا لا يمكن تجاوز ما له من دور في إنجاز رؤيا هذا النص الذي لم يتجاوز متن قصائده السبعين صفحة من القطع الصغير، ومع ذلك استعملت فيه مفردات عالم (الموت)(24) أربعا وعشرين مرة ، و مفردات مادة الحرب(15) خمس عشرة مرة ، أما الرصاص فقد استعمل في هذه التجربة (9) تسع مرات، ومثله كذلك مفردة الخيانة كما استعملت فيها مادة القلق(8) مرات والبكاء (7) مرات و(6) مرات استعملت في هذه التجربة مفردات كل من الجرح والطعن والنزيف، و(5) خمس مرات استعملت مفردة الدم، ومثلها أيضا مفردة القتل، وغني عن التأكيد أن الوقوف الاستعمال النصي لهذه المفردات يظهر دورها الرئيس في تحديد معالم الرؤيا التي تصدر عنها هذه التجربة، ومن ذلك ما يلي
النزْفُ طُهْر
يشيع النزف في تجربة العثمان هذه شيوعه في المحيط الذي أنجزها في خلاله، فقد استبد النزف بمفاصل حياة الناس ص 50 (فعلى نزف ارتعاشتهم .. طعنات الحب تشتبك) ص58
فالطائر الميمون في شغل والحوت رجف سفينة تعلـو
فاعبر بها للعشب إن نزفت عيناك أو أغلى بها الكحـــل.
وإذا صار من المألوف في هذه الرؤيا أن يسند النزيف إلى العيون و الرعشات ، فمن الطبيعي أن تكون الرؤيا حالمة بالقافية النازفة ص 50
يا أنا
من لي لأعرفني...
بعد أن أغلى بي الحلكُ
أين مني نزف قافية
يقتفي علياءها فلكُ
و كأن النزف في هذه التجربة غدا طهرا ونورا يستضاء به في حلكة الحال، كما غدا الأنيس الذي تُـبَـدُّدُ به وحشة إنسان يشعر بأن مدلهمات الليالي أنيسه الوحيد ص 30
ابدأ نزيفك، واشتعل
فالجرح يكسب هذه الأبعاد نشوتها
وأنت تصب في الكلمات بعدكْ
ابدأ نزيفك ،واشتعل....
فالليل قد أغلى ظلالك
ثم نام بقربها
ليقول : لا .....(ما كنت وحدكْ)
(ما كنت وحدكْ)....

عندما يعلو صوت الرصاص
ولا يقل حضور الرصاص في هذه التجربة عن حضور النزيف دلالة على أنها تصدر عن رؤيا من أبرز مكوناتها إتقان الذات الشاعرة واستمراؤها تصوير ما اعترى إنسانها من العذابات والآلام، فـفي هذه التجربة ص 52
الرصاص مشتتٌ
يبحث عن دوره في جسد الريح
وليكن هذا الدور عقر حلم ، أو حفر رقيم في براءة طفولة ضمَّتْ بحنان بالغ رقيمها الملحمة ص26
الرصاص حفر الرقيم بيد طفل حالمٍ
....................
الرصاص ذاته عقر الحلم
......................
الطفل الحالم ....صعدت روحه للسماء
ضم بحنان بالغ اليتم (ملحمته)..
كيلا يمَّحي الرصاص
إنسان محمد طه العثمان في (سدرة الموت شهوة الوطن) أدمن إذن عويل الرصاص، لذا صار يبدد وحشة السكون بهذا العويل ص55
لا تبتئس ...يا صاحبي
أنا والقصيد وأنت أطلقنا الرصاص
على السكون.
الرصاص عند محمد طه العثمان في (سدرة الموت شهوة الوطن) يرسم الحدود، ويؤصل الأصول ص52-53
فلن تنفع توابل الحرية
حينما ينقصك طعامُ الدفء
هكذا قالت الرصاصة قبل أن تموت
الرصاص في هذه الرؤيا إذن سيد ، لا صوت يعلو فوق صوته، وإذا نطق الرصاص فما يباح كلام، لذلك كان للصمت في تجربة العثمان حضور بتجليات مختلفة، وهو ما سنعمل على جلاء معالمه لما لذلك من دور في مقاربة مكون أساسي من المكونات الفكرية والفنية لرؤيا هذه التجربة على ما سيتضح فيما يلي.

ــــ عندما يصبح الصمت صوتا.
للصمت في (سدرة الموت، شهوة الوطن) حضور بأكثر من تجلٍّ، وله أكثر من دلالة، وأكثر من تفسير، فقد يكون الصمت في هذه التجربة صوت المكلوم الضائق بصمت يلوذ به حيث لا يتاح له غيره :
من فرط إيثاري .... تملّكْتُ
وعصفت بي.....
فتنهد الصمتُ ص 11
وتنهُّــدُ الصمتِ يعني تنهد من تحصن به، لأنه يعني أيضا انتهاك أخص خصوصيات الإنسانية، فالكلام أخص خصوصيات الحيوان الناطق :
قد يفيض الحلم عن قلقٍ
ريثما يستبسل الضنَكُ
ويموت الليلُ في شفةٍ
لم تزلْ بالصمت تنتهكُ ص49- 50
ومن نافلة القول أن الضيق بالصمت المفروض على الذات الشاعرة التي لا تجد في الواقع مستساغا لرؤياها عامل توتر وانفعال رئيس من عوامل إنجاز هذه التجربة، مما يشي بتجربة يمثل الصمت فيها صوتَ من ينأى عن أحادية التوجه، ليكون صوت المؤثِر لا صوت المستأثر، صوتا يعترف بالآخــر بقدر ما يعترف بالــذات.
على أن الصمت قد يمثل عند العثمان حالة اليأس من جدوى الأنظمة والقوانين التي يزعم واضعوها أنها تنصف البشر، وكأن المستفاد من التاريخ أن الذي يفصل في النزاعات المفصلية إنما هو حق القوة لا قوة الحق، لأن القوة هي التي يمكنها أن تكشر عن أنيابها جلية، بخلاف الحق الذي لا يندر أن يضيع في متاهات المفاهيم الشخصية والتأويلات الخاصة والمخادعة، إنه الشك في قدرة شرعة الإنسان على إنصافه، وهذا ما يمكن أن يفهم لدى العثمان عندما يستمطر شآبيب حكمة حكيم المعرة لتفتيه فيما هو فيه .
أقول :
عندما ينتابني ما كان ينتابك....
.....................................
لعل المبصر الأعمى يعيد النوح للشدو
إذا أربكه ما بي من الشكِّ ص65
ويتجلى عمق الإحباط واليأس من العدالة الإنسانية في هذه التجربة عندما تصور المعري منقلبا على بعض قيمه، و مؤكدا أن حقا لا تحصنه قوة سيكون ملاذ صاحبه العويلَ على ما هو فيه .
يقول :
عندما ينتابك الشك الذي ينتابني
لا تخفف الوطء، ونم ملتحفا هذا الهواء..
سر عليه...فأديم الأرض أمسى
حقدها
حاول ...وسر، لا تذكر الوهن، بل اذكرني
لأن المفلس الماثل في صمتك
أو عجزَك في المشي...../هو الموت/
تحدَّث
لا تدع هذا الفراغ الـ(ينتشي) أن يُـعِــدَّ الوهن
قم... اصرخ... وإن شئت تمثل بي وابكِ . ص 65،67


مــجــازات واقــعــيــة
من نافلة القول أن من مقومات اللغة الشعرية العدول عن اللغة النفعية، ومما تقوم عليه هذه اللغة وضع الكلمات في تراكيب يربط فيما بينها ما ليس مألوفا في اللغة اليومية من العلاقات النحوية من إسناد ووصف وإخبار وغيرها، وقد مرَّ بنا فيما ذكرنا قبلا من المقاطع نماذج من الاستعمالات المجازية في التجربة موضوع الدرس، مما قد يجعل حديثنا هنا عن تعويلها على هذا التقنية الأسلوبية من قبيل تحصيل الحاصل، أو توضيح الواضح. على أنَّ لهذا الحديث غرضا يتجاوز توضيح آلية اعتماد هذه التجربة على هذه التقنية الأسلوبية التي تعد سلوكا مألوفا في أكثر النصوص شعرية، وهذا الغرض يتمثل بمسألتين اثنتين، تفضي إحداهما إلى الأخرى.
أما الأولى فهي أنني لا أفسر تعويل هذه التجربة في الأعم الأغلب على المجازات غير المغرقة في الإغراب بقضية النضج الفني أو عدمه، ولا بطبيعة موقف صاحبها من التجريد أو الإغراق في الغموض في إنجاز الرؤيا الشعرية، ، بقدر ما أفسِّره بحرارة الموقف الانفعالي الذي يصدر عنه العثمان في تجربته هذه، ويتمثل ذلك بالحالة السورية المستفحلة، فهي المعين الوحيد الذي يصدر عنه في هذه التجربة، ومن الوفاء بالمسؤولية التي يمليها قدر الانتماء ألا يبعد المنشئ وألا يُغْـرِق متلقيه في متاهات التجريد التي يضيع في دهاليز تأويلاته صوت الوطن الجريح وصورته ، مما جعل المنشئ بوعي أو بغير وعي يعتمد مجازات معتدلة، لا تغرق في الغرابة ، مما انتهى بها إلى ضرب من الصدق الفني أو الواقعية الفنية كما جعل مجازاتها مظهرا من مظاهر خصوصيتها الانفعالية والتشكيلية، فمجازات هذه التجربة - وهذا هو الغرض الثاني من الحديث عن طبيعة المجاز فيها- وليدة تجربة شخصية تمثلت بمعاناة المنشئ من الفجيعة بالوطن، وهو ما يكشف عنه تناول نماذج من العلاقات التركيبية النحوية التي تجمع بين المفردات، ومن هذا القبيل أن يكون لإنسان المنشئ(بستان من الغرق) ص 33 وأن يروي ماؤه (سنابلَ الأرق) ص 31 وأن يَجْـعَـل الماء طاعــنا، كما يجعل الخزامى نازفة ص42:
حللتِ حِماماً ورحت تعرِّين خطو السحابِ
تُــعــدِّينَه للمسافة وِرْدا
لماءٍ تَـعـلَّم طعن البهاء
فأوقدَ باسمِكِ كل الجهات
وأتعب نزف الخزامى
ومن المجازات التي تتماهي مع طبيعة الموقف الانفعالي الذي تصدر عنه هذه التجربة أن جعلت للخوف حليبا، وللطلقة عسلا، مما جعل إنسانها يألف رحلة الموت والسيف ص35:
فهذه أرضكَ قد مسها قلق من حكاياتكَ
الأولى
كنْ جسدها اللدود عندما تغرس الطلقة
عسلها في فمك
هذه أرضك
لإيلافها رحلة الموت والسيف
كن سيد إيلافها
لتعلمك حليب الخوف....
ولو استرسلنا في استعراض نماذج أخرى من مجازات هذه التجربة لما زاد حديثنا هذا إلا تأكيدا لما يلاحظ من أنها مجازات تمكنت من أن توفق بين متطلبات الانتماء إلى الوطن الجريح، الذي ظل حاضرا فيها بآلامه المتوجع منها وآماله المحلوم بها، وبين متطلبات اللغة الشعرية القائمة على العدول عن المألوف في اللغة اليومية، مما جعل النص على قدر من المراوغة في التعبير عن مخزونه ببعديه الدلالي والانفعالي، وهي مراوغة مردها إلى أن الرؤيا التي تمثلها قامت على المواءمة بين المختلفات والمتنازعات من المشاعر والدلالات .
وبعد فقد سعت هذه القراءة إلى استنطاق بعض مكونات التشكيل اللغوي لتجربة محمد طه العثمان في(سدرة الموت شهوة الوطن) وهي قراءة على انتقائيتها وتلقائيتها تزعم أنها سلطت الضوء على تماهي التشكيل اللغوي لهذه التجربة بمحمولها الانفعالي والدلالي استجلاء لمعالم الشعرية، وتحديدا لمصادرها، وإيماناً بأن الأسلوب ليس مسألة صنعة بل مسألة رؤيا، وأن النظر إلى الحساسية الشعورية في الفنون القولية يجب أن يكون من خلال اللغة كما أن النظر إلى اللغة في هذه الفنون يجب أن يكون من خلال هذه الحساسية.

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow