Alef Logo
مقالات ألف
              

فذلكات " في السياسة والإسلام

محمد علاء الدين عبدالمولى

خاص ألف

2013-07-06

علاء الدين عبد المولى

1

جوهر الأزمة مع سلطة الحكم في سوريا، ليس متعلّقاً أبداً بالشأن الدينيّ، ومع كل فهمٍ ينطلق من قاعدة أن هذا النظام " كافر " أو " مؤمنٌ "، فهو فهمٌ يطيلُ الأزمة حتى مع سقوط النظام. ولا أشكّ أبداً أن في أعماق الكثيرين تكمن هذه النظرة الخاطئة والتي ترى الأمور خارج طبيعتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فالذي يرى النظامَ كافراً سوف يرى الآن سببا قويا للإطاحة به من أجل أن يحلّ "الدّينُ الحقيقيّ" بدلا منه.

ومن يراه مؤمناً سوف يرى في مجابهة المجتمع للنظام فعلاً لا مبرر له، بل هو شكل من أشكال التعصب والردايكالية والتشنج الإسلامي، والخروج على وليّ الأمر.

والموقفان معاً لا يمتّان بصلةٍ إلى واقع السلطة... السلطة التي تتنفس الصعداء كل مرة تجد فيها من يفهمها بهذه الطريقة السطحية. لذلك هما موقفان داعمان لها من حيث تدري هي على الأقلّ...

لذلك تسود تعبيرات الاتهامات بين الطرفين مثل: (الروافض والخوارج والنواصب و ... الخ). وهي تعبيراتٌ تطمس الحقيقة. وتفرغ الأزمة من معناها التاريخي العميق.

ومن لا يأخذ هذه الحيثيات في الاعتبار سوف يكون كمن يحجب الشمس يغربال.


2

لا يحتاج إيمانٌ عميق ولا مؤمنون صادقون إلى أحزابٍ يعبرون فيها عن إيمانهم، لأن الإيمان أوسع من أن يؤطّره حزبٌ سوف يعمل بالتأكيد على تحويل الدين إلى رصيد ٍ للاستثمار... وذلك أسوأ أنواع الإيمان.

الأحزاب حاجاتٌ دنيويةٌ تاريخية بشريةٌ، بينما الإيمانُ علاقةٌ بما أؤمن به بيني وبينه.

من يدخل إلى حزبٍ دينيّ عليه أن يعرف مسبقاً أن الحزب سيعمل في السياسة، وأنّ عليه أن يترك إيمانه خارج مقر الحزب. ومن يعمل في السياسة ينبغي عليه التعامل مع الواقع، وليس مع الأوهام عن الواقع. بل عليه التعامل مع الواقع الآن وفي هذه اللحظة من التاريخ، لا في الواقع المتخيل المستعاد...والسياسة تتعاطى مع الممكنات والمعقولات، لا مع أحداثٍ جرت في مقطع تاريخيّ موغلٍ في القدم...


| فأيّامُنا - بمنطق التاريخ - لاتستعادْ ... |


" يروى أنّ خليفةً كان يقرأ في القرآن، وعندما علم بأنه أصبح الخليفةَ، نحّى القرآن جانبا قائلا هذا آخرُ عهدي بك"

على رفض هذه الواقعة لدى البعض، فإنّ لها معنى عميقاً.


دينٌ وحزبٌ : أطراف متناقضة فيما بينها.


3

على الصعيد النفسي، تتراكم المكبوتات في اللاوعي الجمعي، لا سيما تلك التي مردّها إلى كبتِ الرغبات الدينية والأحلام الناشئة عنها في ضرورة سيادة حكم الله وتطبيق شرائعه القرآنية على وجه الأرض، وإقامة ما أمر الله به والنهي عما نهى عنه.

في إطار المجتمعات المستبدة تُكبتُ هذه المشاعر ولكنها لا تموت، بل تنتظر الفرصة المتاحة لتعبر عن نفسها. وما هو مكبوت سوف يعبّر عن نفسه بشكل عنيف، سواء أكان هذا العنف ماديّاً، أم معنويّاً ، وفي الحالتين فإن العنف يكمل بعضه بعضاً. فمن يجد في اللحظة الراهنة فرصة ليعبر عن مستوى تفكيره في تلك الأمور المكبوتة، سوف يسعى بكل قوة وشراهة إلى أن يطبق شريعة الله بغضّ النظر عن أي موقف عقلانيّ ونقدي يراه منافيا لأوامر الله نفسها.

لا ننتظر من دعاة الإسلام هو الحلّ، إلا مزيداً من الإقصاء والإلغاء، والأمر لا يحتاج إلى مجاملات وغزلٍ أصوليّ، فهناك مجتمع سوريّ الآن مهدّدٌ بالتدريج بإلغاء كثيرٍ من فرص الحياة الطبيعية فيه، وهذا يعتبر استكمالاً لفرص الحياة الضائعة التي أهدرها الحكم الاستبدادي الشموليّ، الذي كان مع كل ذلك، أدهى من أن يُظهرَ الشروخَ الاجتماعية ذات الصبغة الدينية، بشكل فجّ ووقحٍ وذلك لكي يؤمّن ما يراه معادلةً في الحكم والسيطرة على فئات الشعب من الناحية المذهبية والدينية. وكان أدهى من أن يسمح لفتاوى خارج التاريخ أن تفرض إرادتها على المجتمع. علماً أنه كان يعتمد على الفقيه والمفتي والمطران والكاهن، ولكن في لعبة توازنات ماكرة ، لا يتقنها مع الأسف دعاة الحل الإسلاميّ ...

لكن المستوى المحافظ والمغرق في محافظته، وأصوليته، كان يرى أن هذا النظام لا يسمح له أن يعبر عن نفسه ويمارس حقوقه كما يشتهي هو . والآن مع ضعف الدولة وانحلالها وتشظّيها، ومع فوضى الصراع وعبثيته في كثير من الوقائع، تستعيد الفئاتُ المهمّشة أصولياً فرصتها وتتوهم أنها تمتلك زمام المبادرة في المجتمع.

ولكن كما في بداية هذا الكلام، فإنه لن ينشأ غير مزيد من العنف الواضح في هذا الإطار، لأنها فئاتٌ لم تُنضجْ رؤيتها للإسلام على نار هادئة، ولم تعتمد على العقل في التعامل مع قوانين سماوية كان لها أسبابها التاريخية والاجتماعية، والآن فقدت مرجعيتها الواقعية نهائيا. لذلك يعتبر شعار هذه الفئات دعوةً إيقاف التاريخ، والعودة به إلى مئات السنوات. في حين لا يمكن للمرء أن يعيدَ ساعةً من الزمن مضت، فكيف يمكن القبول باستعادة عصور سالفة أصبحت مجرد كلامٍ وذكريات في بطون الكتب ومغاور التاريخ...

4

الإسلامُ مثله مثل أي تجربة في تاريخ البشرية، تلك التجارب الكبرى أو الصغرى، وهو نفسه لم ينبع من فراغٍ، ولم يتشكل في السديم، ولم ينطلق من الصفر. ففي التاريخ ليس هناك صِـفرٌ ، بل هناك تراكمُ تجارب وثقافات وخبرات ومفهومات ورؤى ، تسلّمها المجتمعات من جيل إلى جيل، وعبر هذا التراكم يسقط ما يسقط ، ويبقى ما يبقى، ويتمّ تعديل ما هو قابل للتعديل ، في عملية تشبة العزلَ والتبنّي التاريخيّ.

ومن يعتبر أن أي تجربة كبرى انوجدت في التاريخ ، هي الأساس والمركز الذي ينبغي أن يتم بناء العالم كله عليه، فهو يهيّئ الشروط المناسبة لزوال هذه التجربة من الوجود، لأن ذلك يتعارض مع كونها تجربةً قام بها بشرٌ على الأرض، ومن حق البشر الآخرين أخذ وترك ما يناسب عصورهم.

إذاً: الإسلام جزءٌ من تاريخ البشرية وليس كلّ التاريخ، ومن يريد أن يأخذ هذا الجزء وينفخ فيه باعتباره الكلّ ، فسوف يقتل الأجزاء الأخرى المكوّنة للتاريخ، وهذا عملٌ منافٍ حتى للتفكير السليم...

ولأنه جزءٌ من عدة مكونات ، فهو غير قابل لأن يكون مفتاحاً شاملاً لكل المغلقات، ولا حلاّ نهائيا وساحراً ، فثمة مكونات أخرى ربما لايصلح معها تطبيق مثل هذه الحلول والمفاتيح المجتزأة .


علاء الدين عبد المولى

مكسيكو 3 تموز 2013





































تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

(الكتابة) و(الكتابة الجديدة)

10-شباط-2018

قصة / عواءُ الجـمجـمـة

04-تشرين الثاني-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

يا مولاي

26-أيار-2014

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

01-أيار-2014

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow