Alef Logo
مقالات ألف
              

عن وديع الصافي وشؤون أخرى ...

محمد علاء الدين عبدالمولى

خاص ألف

2013-10-14

أمر غريب هجين هذه الأفكار التي تنتشر كلما مات مبدع كبير له مواقف سياسية لا تروق لنا ولا تنسجم مع ما نطمح إليه أن يكون موقف الفنان أو الكاتب من قضايا المجتمع وشؤون الحكام والشعوب.
أعرف ان الكلام لن يروق للكثيرين، ولكني لم أكتب يوما ليروق كلامي لأحد. وعدّتي في ذلك ما تعلمته من آخرين في الفلسفة والفكر والثقافة، يعطونني دروساً في كيفية التفكير المنهجي والعقلاني في كل الأمور مهما بلغت حساسيتها وخطورتها. وما خرجتُ يوما عن هذه الصيغة التي أقول إنها لا تروق للذهنية العربية المركبة على الانفعال والارتجال وخلط الأمور والمفاهيم بطريقة عشوائية تنسف أي مجال لما يسمى بالفكر النقدي... نعم أنا لديّ الان وقت في آخر الأرض وبعيداً عن القصف والموت اليومي والذبح والخطورة المداهمة على مدار الساعة، لدي وقتٌ لأطالب نفسي بالتفكير النقدي، وسوف أكون مسؤولاً أمام نفسي وأمام الآخرين في المستقبل، عما فكرت فيه وأنا في كامل الأمان والسلام... لا شكّ أن المهاجرين السوريين يعيشون في قلق وذعر وعذاب نفسي، لكن كل ذلك لايساوي سقف بيتٍ تهدم، أو إصبع طفل ذبح، أو قطرة دم نزفت وسوف تنزف... لذلك علينا نحن البعيدين عن مركز الخطر أن نفكر بعقولنا، (إذا امتلكناها طبعاً)...
ما أثار هذا الكلام تكرار المواقف نفسها من المبدعين الراحلين، أو من لم يرحلوا بعد.
والآن أتابع ما يقال عن وديع الصافي، فأشعر بالغثيان لهذه الدرجة من الإسفاف في التعامل مع أمورنا وتاريخنا وذاكرتنا. وصل الأمر ببعضهم للسخرية من الحزن على رحيل وديع الصافي، بل ثمة من تساءل هل يحق لنا أن نحزن أم لا؟ ولا أجد هذا التفكير إلا نمطاً جديدا من التفكير الوهّابي المتخلف حين يطلق الفتاوى بحق الآخرين إذا ماتوا: هل يحق لنا الحزن على الشاعر الفلاني أم لا؟ فإذا كان علمانيا فلا يحق لنا ذلك... وإذا كان وديع الصافي سجل مواقف في حياته مجاملة للأسد الابن والأب فلا يحق لي أن أحزن عليه !! وكأن الأمر آلةٌ أوتوماتيكية ينبغي علي التحكم بها بكل برودة وجلافة وغلاظة. وكأنه لا يحق لي أن أمارس مشاعري الطبيعية بحق رحيل الكبار، إذا كان هناك عشرات الآلاف من الشهداء في سوريا. وكأن ذلك ينسف هذا... ولا أدري أي معايرةٍ لا أخلاقية تقف وراء هذا التفكير الساذج؟ وكأن أنهار الدم السوري يجب أن تلغي تاريخ وديع الصافي وقيمته الفنية الفريدة في تاريخ الغناء العربي.
هل نحن نعي ما هي الحرية؟ هي أن نفكر بشكل حرّ بعيدا عن الاستبداد بالمواقف. وإن الإطاحة بأهمية وديع الصافي للأسباب المذكورة ما هو إلا شكل من الاستلاب الفكري والانهزام أمام العقل الحرّ.
أستهجن بشدة هذا الموقف أمام الموت لشخصيات ليست عادية في حياتنا... يطالبني البعض ألا أحزن على موت هذا وذاك؟ بأي حق بشريّ نمارس هذا الإرهاب على بعضنا؟ هل يعني خراب سوريا ألا أهتز لخراب بغداد مثلا؟ هل يعني سقوط الشهداء كل يوم ألا أهتز لسقوط ضحايا إعصار في آخر الكوكب الأرضي؟ ماهذه الإتسانية التي نتحلى بها والقادرة بغرابة مقيتة، أن تفصّل ردود فعلها بمقصّ حديدي؟
نعم من حقي كإنسان أولا وقبل أي إسقاطات أخرى أن أتفجع على موت وديع الصافي وفيما بعد على موت فيروز وسعيد عقل و...الخ وفي الوقت نفسه يمكنني بكل جدارة يقتضيها المنطق أن أحدد موقفي الأخلاقي من هؤلاء فيما يخص القضايا السياسية.

كما يمكنني رفض موقف وديع الصافي من الأسدين، وهناك الكثيرون غيري لا يخدعهم موقفه، ولايقعون تحت تأثير ما غناه في مرات نادرة جدا بحق الأسد. ثم إن من يؤيد الأسدَيْن لن ينتظر تدعيم تأييده، من خلال أغنية و لا قصيدة، ويعرف الكثيرون منهم أن الأمر لا يتعدى المجاملات والنفاق الاجتماعي والديبلوماسي، خاصة وأن سلطة المخابرات السورية كانت تنفق الأموال على المبدعين وتعالجهم، ولن يكون موقف وديع في هذه الحالة إلا موقفا ساذجا ولا وعي فيه. وديع ليس مثقفا ولا ناضجا على الصعيد الفكري والسياسي... بل هو مائعٌ في مواقفه تلك. ولا أحاكمه كما أحاكم أدونيس مثلا...وديع الصافي ليس من النخبة الفكرية وطبقة الأبيستمولوجيين العرب!! حتى أحدد موقفي منه كما أحدده من مفكر مثل عبد الرزاق عيد...
أخيرا هل هناك أقرب للإنسان من أبيه وأمه؟ إذا كان أبي صاحب مواقف غير إنسانية في تلك النقطة أو تلك، فهل يسمح لي هذا بأن أنسف حياته كلها؟ وأن أسقط من حسابي أهميته في وجودي؟ إذا كان أبي سلفيّاً، فهل هذا يعني أن أشهّر به لأني شاعر حديث؟
ماذا سيقال غدا حين يموت أدونيس؟ سيقال لقد فطس؟ إلى الجحيم؟ كان شعره تافها؟ كان شبيحا؟ لأن موقفه في سوريا كان لا أخلاقيا؟ وكان مثله مثل الإعلام السوري في ترويجه لبعض المقولات؟ هل هذا ما تقتضيه الثورة الحقيقية من عقلي؟ كم من مبدع في التاريخ كان منافقا ومتناقضا ومزدوجاً وانتهازيا في علاقته بالسلطات والثورات، ولكنه كان مبدعاً كبيرا ومؤثرا في تاريخ الشعر والفن والموسيقى والمسرح ...الخ وبكل منطقية في التفكير يمكنني تسجيل مواقفي بحق هؤلاء كلاًّ على حدة. فلا أخلط لا أخلاقيته السياسية في ظرف ما، بنتاجه الإبداعي... وبالمناسبة، فإن أدونيس الشاعر يستحق عشرين جائزة نوبل... وإذا ما حصل عليها سأفرح كثيراً ومن حقي ذلك، وفي الوقت نفسه سأقول: إن أدونيس كان متناقضاً مع التاريخ، منافقا في موقفه، لا أخلاقيا في مرحلة من مراحل تاريخ سوريا...
والفكرة تقود إلى الفكرة، فماذا نقول عن شذوذ رامبو؟ هل أنفي عنه ريادته في التأسيس للشعر الحديث في العالم كله؟ ماذا يقال عن راديكالية ت س إليوت الدينية، ومحافظته الشديدة؟ وهو في الوقت نفسه كما يقال عنه من المجددين في الشعر العالمي؟ مع أنني لا أستمزج شعره ولا أطيقه؟
نعم... هي وقفةٌ للمنطق والعقل... ولا يهمّ كيف يستهتر الآخرون بهذا...

هامش متعلق بالموضوع:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أم كلثوم غنت في حضرة الملك فاروق عدة مرات، ومثلها فعل محمد عبد الوهاب، الذي تعرف له بعض أغانٍ حذفت منها فيما بعد المقاطع التي فيها اسم الملك فاروق.
بعد ذلك غنت أم كلثوم في حضرة معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة وبحضور الأمير جابر الصباح مع الرئيس الأول لمصر بعد الملك وهو محمد نجيب. حيث طلب رئيس المخابرات المصرية صلاح سالم منها أن تغني أغنية باسم (السودان) لأن محمد نجيب ولد في السودان... وغنتها.
بعدها غنت أم كلثوم لجمال عبد الناصر عددا من الأغنيات والقصائد... ومنها قصائد لشعراء عرب معروفين ومهمين. وحين تمت إزاحة محمد نجيب ليستلم جمال عبد الناصر ناوله عبد الحليم حافظ أغنية اخترناك من قلب الشعب...
عبد الحليم نفسه كان يغني في جلسات خاصة أمام ملك المغرب...
وهو نفسه غنى كثيرا لإنجازات ثورة عبد الناصر، وغنى من ثم لإنجازات محمد أنور السادات.
كثيرة هي الأوبريهات التي غنيت في مصر بمشاركة مطربين كبار كان موضوعها الثورة في عهد عبد الناصر، ثم هم أنفسهم غنوا في أوبريهات في عهد السادات.
محمد عبد الوهاب عرف بمطرب الملوك. منذ علاقته بأحمد شوقي شاعر البلاط...

كبار المطربين العراقيين الذين نتغنى بعبقرية أصواتهم، غنوا لصدام حسين، وأحيانا في حضوره وحضور أولاده...

الأغاني والقصائد كلها تلك، من محمد عبد الوهاب حتى ياس خضر، أعمال عظيمة في جانبها الموسيقي والغنائي.
سيد مكاوي غنى بحضور حسني مبارك...
ماجدة الرومي معروفة بعلاقتها الشخصية مع أميرة من الأردن، غنت لها في حفل زفافها.
هبة القواص مغنية الأوبرا الأشهر والأهم في الغناء العربي الآن غنت وتغني في قاعات أمراء، وغنت لرفيق الحريري...
تعالوا لنلغي كل تاريخ الموسيقى والغناء العربي، لأن هؤلاء غنوا للرؤساء والملوك. أم أننا نقبل نبرر لهم ذلك لأن هذا يحب عبد الناصر والاخر يقدس صدام حسين والثالث مغرم بجلالة الملك، والرابع مغرم برفيق الحريري؟

صفوان بهلوان أهدى إحدى أهم منجزانه الموسيقية للحركة التصحيحية (الربان والعاصفة)...
هل كان الملوك والرؤساء هؤلاء ملائكةً من نور تمشي على الأرض؟ هل كانوا رجالاً صالحين مؤمنين بالخير والحب والإنسان؟ هل كانت بلادهم نظيفة من السجون والاغتيالات والإعدامات ومطاردة الحريات؟ هل كان عبد الناصر حبيب الملايين، نبيّاً؟
تعالوا لنبقى بلا غناء، بلا موسيقى، بلا حياة، لترضى ثلّة من أغبياء الثورة، ومسطّحي التفكير منهم... ولنستمع إلى نقيق الضفادع واجترار البقر ...

يلعن عقولكم الخربانة...يلعن ذائقتكم المنحطة... يلعن ثورة بلا عقل ولا وعي.



11 تشرين أول 2013





تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

(الكتابة) و(الكتابة الجديدة)

10-شباط-2018

قصة / عواءُ الجـمجـمـة

04-تشرين الثاني-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

يا مولاي

26-أيار-2014

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

01-أيار-2014

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow