Alef Logo
ضفـاف
              

زَمَنُ القِطَارَاتِ الجَّمِيلَة (عن محمد سعد دياب)

أنس مصطفى

خاص ألف

2014-06-23


“وأسألُ عنكِ

لا هدأت جراح العمرِ

لا في رحلةِ السنواتِ ماتت

جذوةُ الشوقِ العنيد..

وأسألُ عنكِ

عن كُلِّ اللحيظاتِ العُجالى

كم سقيناها جوارحنا

سرقناها من الزمنِ اللئيمِ

ونحن عشناها

كأشهى ما نريد

أكادُ أراكِ في نبضِ الحروفِ

وفي تنهُّد كلِّ داليةٍ

وفي وهجِ الثَّواني المبحراتِ

من الوريدِ إلى الوريد”

هذا المقطع لمحمد سعد دياب هو من نص “وأسألُ عنكِ يا حبيبتي”، و هو من نصوص الفراقِ والشَّوقِ الجميلةِ في الشعرِ السوداني، وهو النَّصُ الإفتتاحي لكتابه الثَّاني “عيناكِ والجُرحِ القديم” الصادر عن دارِ الفكر بالخرطوم عام 1986، وهو أيضاً نصٌّ جوهري في الكتاب فالكتاب نفسه مذهبٌ فريدٌ في الإشتياقْ.

كتابة محمد سعد دياب تشبه إنسيال الينابيع سهولة ورقَّة وعذوبة أيضاً، وكلما قرأتُ لِمحمد سعد دياب أدركتُ أنَّ في وسعِ القصائدِ أن تكون بسيطةً وموغلةً في حُلمِهَا ثمَّ هي في الوقتِ نفسهِ فاتنةٌ وغائرة، إسلوبه في التعبير يتميز بوضوح دلالي لا يلجا فيه لإستعاراتٍ غير مألوفة ومع ذلك تبدو معظم النصوص فاتنة لقدرته المميزة على إحكام صياغة نصوصه.

نُصوصُ الكتابِ موزَّعة بين شعري التفعيلة والعمود، وقد أجاد في كليهما، خصوصاً في نصوص التفعيلة، كتب دياب شعراً مُحكَمَاً ورقيقاً قي الوقتِ نفسه، يمتازُ في مجملهِ بدقةٍ عالية في البناء وإختيار المفردة، إلا أنه في الوقت نفسه لم يخرج من الطرق التقليدية في الرؤيا والصياغة الشعرية.

لا تحيلُ نصوصُ محمد سعد دياب لأيَّ أمكنةٍ سوى القطارات ولا لأيَّ أزمنةٍ سوى أزمنةِ الحبيبة/أزمنةِ غيابها، ولدياب طرقاتهُ النديَّةُ في الكتابة، ورغم أنَّ ثيمة الحبيبة التى إرتحلت هي من الثيِّماتِ التي تم طرقها كثيراً إلا أنَّ لكتابتهِ مناخاتٌ شعرية تخصُّها( originality)، كتابةٌ تعيدكَ بتلقائيةٍ إلى رقَّةِ الحياة، إلى الأمسياتِ الغالية، إلى المحطَّاتِ المنسيَّةِ حيث الأكفُّ تُلوِّحُ والأحبابُ يودِّعون، كتابةٌ تذكِّركَ بالأزمنةِ الحميمةِ في إنسيابٍ وتدفُّق، أزمنةِ القطارِاتِ والغروب، الطرقات البعيدة، تلك التي نعبرها لمرَّة، ثم ننتظرُ عودتها بعد ذلك عُمراً بأسره، لكنَّها أبداً لا تعود، كتابةٌ تعيدُ إليك ذكرى الحبيبة التي تُشرقُ كالصباحاتِ ثمَّ لا تخبو بعدها وإن نأت، ذكرى الجُروح التي لا تنتهي، هنا في هذه المنطقةِ بالذَّات من الشِّعر يكتب محمد سعد دياب بإخلاص ٍكامل لهذا المذهب وبإتقانٍ أيضاً، وأظن أن محمد سعد دياب هو النَّبعَ الذي إستقى منه عددٌ من الشعراء الذين كتبوا في ثيمة الحبِّ من بعدهِ خصوصاً روضة الحاج وذلك على مستوى الَّلغة الشعرية وتقنية الكتابة دون أن أنفي بالطبع أن لروضة صوتها الخاص وفرادتها، كتب دياب في “وأسكنتكِ حدقات العين”:

“محفورةٌ في القلبِ أنتِ

نقشتُ طيفكِ في جناحِ الغيمِ

في وجهِ الزَّمانِ المستحيلْ

أخبرتُ عنكِ جزائر المرجانِ

شطآن المداراتِ البعيدةِ

كل هاماتِ النخيلْ

إنِّي عرفتكِ في الليالي الدَّاجيات حبيبتي

وجهاً عنيداً كالرِّياح يظلُّ لا يعنو من الرَّهقِ الطَّويلْ

أصغي إليَّ

إنِّي إتخذتكِ في الخطوبِ دريئتي

والفيءَ..والظلَّ الكريم..فأنت كلُّ الإرتواءْ

يغتالني في الليلِ حزنكِ..جرحكِ الرَّعافُ..جرحُ الكبرياء

هزي إليكِ الجزع

لا تأتيك إلا الرِّيح..والسُّحبُ الخوادعُ والخواء..”

..

يمكن الرجوع لدواوين روضة لغرض المقارنة والنموذج أدناه على سبيل المثال فقط:

“وضللتُ قلبي في الطَّريق

نصَّبتهُ في الحالكاتِ سنا بريق

فرحاً تغنِّي للحياةِ مع المساءِ

ومصبحاً تشدو كما الطَّير الطَّليق

عش للمساءِ وللنسائمِ والسَّحر

عش للعشياتِ المبلَّلةِ الثيابِ من المطر”

..

“أدري بأنك في البعيد

أدري بأنَّ مسافةً كالطودِ تفصل بيننا

ومهامهاً وهوىً شريد

أدري بأن الزاهرات إذا انتشت عطراً

على الآفاقِ ضاعت والورود

ما لامست كفيك

لا لاحت ملامحك الوضيئات السمات لها

فأعياها القعود”

..

كتب محمد سعد دياب ديوانَاً سهلاً وآسراً “عيناكِ والجرحِ القديم”، ديوانٌ له ما يكنُزُه من جمال، كيف بوسعكَ أن تقرأ النصوصَ قبل سنواتٍ ثم تتذكَّر المقاطعَ العذبة وكأنَّك تطالعها الآنَ طازجةْ، هنا يَكمُن الشِّعر، في الأثرِ الذي تخلِّفه الكتابة، في قدرتها على خلقٍ حالٍ مغايرٍ بداخلك، في ما يُستَعاد في أوقات الوحشةِ والحنين، فيما يُبقيكَ محتفظاً بقُصاصةٍ صغيرةٍ لسنوات دون أن تفقد توهُّجِها.

“كنسمةٍ رقيقةٍ مُسافرة

كخَاطِرَة..

كحُلمِ لَيلةٍ نديَّةِ الخيالِ ساحرة

مضيتِ يا رفيقةَ السَّفر..

وليتها حكايةُ السَّفر

حدودها المدى،

زمانها بلا عمر

وليتَ رفقة الضَّياءِ ما إنتهت

ولا إنتهى بدربها.. قمر

وليتَ ما خبت نُجيمةٌ هنا

ولا بها المدى.. قصُر

وإنما مضيتِ يا رفيقة السفر

كخاطرة

كقصةِ الغمائم التي تمرُّ..عابرةْ”

كتابةٌ حميمةٌ تتوزعُ على صفحاتِ الكتاب التي تقاربُ المائة، عاطفة متدفِّقة وموسيقى شعريَّة جميلةٌ ومنسجمة مع طبيعة النصوص، يطاردُ الديوانُ بلا كللٍ أطيافُ حبيبةٍ غاربة، يستعيد تفاصيلها الصغيرة، لحظاتِ مواعيدها، إبتسامتها الوضَّاءة، خُصلات شعرها، عيونها المؤتلقةُ بالبشارات، ينادي عليها، يذكرها بالأيَّام النضرة وبالوعودِ القديمة: “لعلها تؤُوب، فتشرقُ الرُّبى وتزهرُ الدروب”، كلماتٌ حزينة وأمنياتٌ غاربة، وسؤالٌ مُضنٍ لا يكف، وأجوبةٌ لا تجيء.

قرأت لبعض المعلَّقين على شعر دياب، خصوصاً من بعضِ مجايليه ينسبونه لمدرسة نزار قباني، والأصوب عندي أن دياب يختلف عن نزار مبنىً ومعنىً، فبنية القصيدة والصور الشعرية لديهما لا تتشابه إلا من حيث بساطة التعبير فقط، لكن من ناحية أخرى كتب نزار عن الأنثى على وجهِ العموم، بينما كتب دياب عن ذكرى حبيبةٍ واحدةٍ أبديَّة، تأتي نصوصُ نزار باردة وبلا عاطفة في مجملها بينما نصوص دياب مشحونة بالعاطفة، فهي نصوصٌ عن المحبَّة، كما أنَّ عبارته أكثر جزالة، ويعلو دياب بصدقِ نصوصهِ الشعرية، (صدقها بالذات) ومن ثمَّ جزالتها وإحكامها على العديدِ من الشَّعراء الذين يشاركونه نفس الرؤى الشعريَّة.

..

كتب دياب عن حلمهِ الضَّائع على مرَّ نصوصِ “عيناكِ والجرح القديم” بإستثناء نصوصٍ نادرةٍ خرجت من هذا الأسر، لذا يمكن القول بأنَّ الديوان هو ديوان الثيمة الواحدة تقريباً:

“إنِّي أضعتكِ من يدي، وأضعتهُ

عُمراً جميلاً بالهناءةِ يورقُ..

إني أضعتكِ فالدروبُ حزينةٌ

والعشبُ والآفاقُ صمتٌ مطبق..”

..

“عُمري جميعاً لحظةً هي أن أرى

عينيكِ يطويني المدى والمطلق..

حُبلى بموجِ الطَّيفِ في هدبيهما

يستيقظُ الوهجُ الغريبُ يحدِّق..

أبحرتُ عبرَ دمي كما بيضِ المُنَى

والذِّكرياتُ الغُّر كم تتألق..”

..

“لكنني أحيا على وعدٍ يطوف بي السَّحاب

لرسالةٍ زرقاءَ تأتيني هُناكَ مع الغياب

كلماتها دفئ اللقاءِ

وحلو لمساتِ العتاب..”

ومن فرط الحلم يتراءَى له في الكثيرِ من الأحيان أنَّ الحياةَ قد أعادتها إليه مرَّة أخرى وأن وجهها الصبوحَ قد عاد يغسلُ غرباته: “أجيئك حاملاً نزفي، فيشرقُ وجهكِ الضحَّاكُ يغسلها إنكساراتي وأتراحِي”، لكنَّه يسرفُ في الحلم فتتبدَّى له الحبيبة وقد عادت بنفسِ ملامحها القديمة، لم يغيِّر فيها العمر شيئاً، إلا أنه وفي نصٍّ وحيدٍ ينزلُ من سماواتِ خياله مدركاً أنَّها لن تعود كما كانت من قبل أبداً:

“أو ألقاكِ بعد السنين وآهٍ

إذا ما صحا الشوقُ نبضاً ونارا

وأعجب ما غيرتك السنينُ

ولا العمر من فوق نهديكِ سارا..”

..

“أين إستدارة نهدكِ الريَّان؟

أين الخصر يوقد لي صباباتي؟

وأين الخصلة السكرى؟

وأين؟

تغضَّن الوجهُ الجميل..”

ورغم أن الشاعر في بعض الأحيان يحمل نفسهُ مسؤولية الغيابِ الْمُرِّ والهَدَر، إلا أنه في أماكنَ أخرى يتحدثُ عن الحبيبةِ التي نسيت العهد، الحبيبة التي صنعتها كلماته ولم تكن شيئاً بدونها، وهذا ما يحدثُ قليلاً من الإلتباسِ في المعنى، هل يتحدَّث هنا عن نفس الحبيبة أم عن سواها، أم أنَّ ذلكَ بفعل اليأس..؟

“وتذكَّري..

ما كنتِ شيئاً قبل أن ترعاكِ دنيا أسطُري..

خلقتك أيدي أحرفي وتصوري

جعلتك حسناً كم يتيهُ ويزدري..”

..

“علمته كيف العيون إذا أحبَّت

فاضت الأشواق فيها دون حد

علَّمتهُ طعم المسا

وحلاوة اللقيا..

وليلاتِ السعد..

لكنه نسي الحنان جميعه

وأضاعَ حبَّكَ وإبتعد..”

يستعيد محمد سعد دياب الحبيبة بإستعادته لملامحها الوسيمة، تشدُّه دائماً وأبداً خصلات شعرها ونقاء عينيها، ويكاد لا يخلو نص من ذكرهما معاً، وحينَ يخبو حلم الشاعر بالعثور عليها يبحث عنها في أوجهِ الأخريات، ربما فتاةٌ أُخرى يضوأُ الحنين عينيها ستمحو غيابها فيكفَّ آنئذٍ عن القطاراتِ التي ترحلُ خلفها:

“أوَّاه حينما تستافُ في جدائلِ التي رأيت نفس عطرها

تعودُ مثل خطفةِ البروقِ نُضرةُ الوصال..

تعودُ مترفاتٌ تلكم الليال..

يجيء صوتها ينش في الدماءِ رعشةً طريةً

فيعشب المدادُ والصدى..

تعودُ خفقة دفيئة الخطى..

فيمرع الزمان ثانياً

وتحلمُ المدائنُ البعيدةُ الضفاف، تولدُ الحروف،

يشرقُ المدى..”

هكذا لا تمثلُ الصديقاتُ لدى دياب في الغالب وجوداً قائماً بذاتهِ، وإنما هيَ محاولة لإستعادةٌ تفاصيل حبيبةٍ واحدة، حبيبةٍ نأت:

تذكِّرني هنا بصديقةٍ في البُعدِ تَهوَاني”

ضفيرتها ولثغتها ولون طلائها القاني”

إلى أن يقول:

“أعيش وألف حلمٍ بالإيابِ يضمُّ وجداني..”

أيضاً في قصيدة “هي نفسها”:

“عيونك اللطاف هن نفسها عيونها

وثغركِ الأنيقُ حينَ ينطقُ الحروفَ ثغرها

وشعركِ الذي يعانقُ الدُّجى ويرتمي

بكلِ عطرهِ الدفيق شعرها

وحين تبسمينَ يا شبيهةُ النَّدَى

يطلُّ طيفها الحبيب هاهنا

يطلُّ رسمها..

يطلُّ لونها..

تصوَّري

القلب عندما رآكِ فجأةً

صحا الحنين دافقاً يصارعُ الحنين..

صحت على الشفاهِ كلُّ لهفةِ السنين..”

هنا وفي لحظةِ التذكُّرِ المحتشدةِ بالحنينِ المُر، لحظةَ أن تفتح قطرةُ عطرٍ لإمرأةٍ عابرة كلُّ أغنياتِ الزمنِ القديم، يدرك الشاعرُ أن يقينهُ بنسيانها ما كان سوى وهمٍ وأمنيةْ:

“هذا الذي أحتواك صبوةً

وأشعل الضياع في طريقك الطويل لم يعد هشيم ذكريات..

فلا المرافئ البعاد مستطيعةٌ بمحوه..

ولا بنثرهِ شتات..”

..

“وأكاد أسمعُ في الزَّوايا همسنا

وعتابنا وحديثنا الريَّانا

حتَّى إرتعاش القلبِ عند وداعنا

وعناق أيدينا ورجعِ صدانا..”

..

يحتشد “كتاب عيناك والجرح القديم” بمفرداتِ السفر، يتبدَّى الرحيلُ في عناوينِ النصوص، وتتكرر مفردةُ القطار، كما تتكرر ذكريات السَّفر، فكلُّ سفرٍ صديقة، ترتبط الصديقات لدى دياب إرتباطاً دائماً بالقطارات، ربما لأنَّ الصديقات لديهِ حلمٌ/وهمٌ عابرٌ فقط، محطاتٌ وتأسٍ في طريقِ أبديٍّ نحو حبيبة، حبيبةٍ لا تنتهي ولا تجيء.

ومحمد سعد دياب مفتونٌ بالهنيهة، يكتبها كثيراً، كأنه يقول أنَّ جوهر الحياة هو في الأمساك بهذه اللحظةِ الهاربة من الزمان، هو في عيشها بكامل الروحِ والقلب دون الإلتفات لما هو آتٍ أو ما قد مضى، وربما أدركَ قيمة الهنيهة بفعلِ عمره المهدرِ في عبورِ الحاضر بحقائبٍ مثقلةٍ بالذِّكريات، يقول دياب في مقدمة الكتاب:

“تصبح الهنيهة هي كل الملتقى والحضور، تسربلنا ببوحٍ يسكن الدواخل، توقظ في أعماقنا كل إحتراقاتنا، تعطينا ألق اللحظة وبوح المكان” .

يقول الأستاذ محمود محمد طه “ونحن لا نستطيعُ أن نحققَ من المطلقِ شيئاً إلا إذا تحلَّينا بما يسمى أدبُ الوقت، وأدبُ الوقتِ هو الحضورُ في اللحظةِ الحاضرةِ من لحظاتِ الزَّمن، ذلك بأنَّ اللحظةَ الحاضرة هي أصلُ الزمن، وهي وسطٌ بين طرفين كليهما وهم وكليهما في حكمِ الحقيقةِ باطل”.2

ويبدو أن أمل الإنفلات من وطأةِ الزمن وتناهيه هو حلمٌ إنسانيٌّ قديم لمعاندةِ الفناء، يقول بوذا في هذا الخصوص:

“Free thyself from the past, free thyself from the future, free thyself from the present. Crossing to the farther shore of existence, with mind released everywhere, no more shalt thou come to birth and decay”3

..

يستخدم محمد سعد دياب في كتابته مفرداتاً موازيةً لمفردةِ حبيبتي مثل “أميرتي، و يكتب أحياناً “غاليتي”، وهي مفرداتٌ كانت حاضرة بلطفٍ في قواميس المحبَّةِ وقتها:

“هذا الجمال أميرتي ما مرَّ في

ظنَّ السنينِ ولا روته شفاه..”

..

“وبدون أن يدري كلانا، دون وعدٍ منتظر

نسجَ الزَّمانُ أميرتي أحلى حكايات العمر”..

..

من الجدير بالذكر أنَّ من أكثر نصوص الديوان فتنة -إضافةً لنصِّ “وأسأل عنك يا حبيبتي”- نص “ستعرفونها”، وللنصِّ فكرةٌ بديعة في وصفِ الحبيبةِ:

“ستعرفونها

بخصلةٍ أنيقة الظلال عانقت جبينها..

بومضةِ الحنينٍ ضوَّأت عيونها..

ستعرفونها

حبيتي التي أظلُّ دونها

مضيَّعُ الطَّريقِ والمنى..

حبيبتي أنا..”

ويقول:

“ستعرفونها ببسمةٍ يشيلُ من ضياءها القمر

برقةٍ تشف كالربيع..كالسَّحَر..

ستعرفونها بلونها الذي يشابه الأصيل والذهب

بجفنها الذي يضمُّ لي هناكَ ألف حب..”

وقد تغيَّرت طرائق وصفِ الحبيبة في الزمن الذي تلا “عيناكِ والجرحِ القديم” ، وانتقلت إلى وصفٍ أكثرَ تعقيداً وقتنةً، فتغير أنظمة الدلالة وهجرتها من العلائق القريبة والمباشرة إلى نواحٍ بكرٍ في اللغة وغير مطروقة أتاح لخيال الشعراء مساحة واسعة في الكتابة. تحدثت يمنى العيد عن مفهوم الانزياح ” وهو يعني البعد عن مطابقة القولِ للموجودات، مثل هذا البعد له أنماطه الأسلوبية التي تتحدد كأنماط غير مباشرة. هذه أنماط تستعين بأدوات لغوية عدة، أو بتقنيات لغوية عدة مثل الاستعارة والتشبيه والإيحاء والتخييل الخ فالشعر إستناداً إلى مفهوم الإنزياح لا يمكنه أن يكون التعبير الأمين (أو الصادق) لكون غير عادي بل هو التعبير غير العادي لكونٍ عادي. ترى يمنى العيد بأن بدر شاكر السياب حين يقول عيناك غابتا نخيل إنما يحقق انزياحاً باتجاه علاقة العينين وباتجاه علاقة الوصف الشعري بهما فهو يرى في العينين غير ما نرى فالعينان ليستا كذلك في مألوفنا، فهو انزياح قال رؤية الشاعر التي غيرت المعنى المعجمي لمفردة العينيين”1.

ولعلَّ المقطع أدناه للشاعر عبدالقادر الكتيابي هو من أجمل ما يمكن العثور عليه حولَ عيني الحبيبة وبسمتها:

“تلوِّح لي مُدُن عينيك

وترفع لي منارة بسمتك سارية”

ينافسه في ذلك ما كتبه عمر الدوش:

“بناديها

وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها”.

..

يحتوى كتاب “عيناكِ والجرح القديم” على القليل من النصوص السياسيَّة مثل “ثلاثة مقاطع لأكتوبر”، بكائية لأكتوبر..ونهر الأحزان” الذين يأتون من زمن الحزن” و “تورق أغصان الحناء بالوعد والبشارة”، تبدو هذه النصوص يتيمة وسط زخم النصوص العاطفية وتفارق أجواء الكتاب، ومن أفضلها نص “ويأتي زمان الفجيعة والمأساة”:

“وتنتظرُ الذي يأتي

وتنتظرُ

أكادُ أراك تركضُ في حفافي الدرب

تستقي مرارات الأسى..تجثو على النيران..تنصهر

متى ألقاك

يا صبحاً شذاه الطل والإشراق والألقُ

متى..والجفن أثقله الزمان المرُّ والأوجاعُ والحرقُ

أنا واعدتك الإصباح كي ألقاك..”

محمد سعد دياب كتبَ الحبيبة، كتبَ حضورها الملآن بالبشارة، ثمَّ كتب غيابها المنذورِ للحسرة، كتابة تشبهُ بوح الأصدقاءِ في مسطباتِ المغارب، في أسرَّة الحيشانِ الفسيحةِ في الأرياف، دفَّاقةً وحميمة، فما أجمل الحبيباتِ إذاً أيها الشَّاعر العذب، وما أجمل الشعرَ حولهن.

وختاماً ربما من الملائم أن نستعيد هذا المقطع لمتفرَّدٍ آخر هو محمد محي الدين:

“هل نلتقي في ساحةِ الإشراقِ..؟

سُوقيني

أحسُّكِ في ضُلُوعي

مرَّةً أُخرى

ونقتسمُ التَّمهُّلَ

أعدُّ مهدكِ في عروقي

أشتهيك حرارة اللُّقيا

وأنداء التدلُّلِ

يا قمَّة الشيءِ المقدَّسِ

في انتظارك..”



هامش:

ولد محمد سعد دياب بامدرمان في العام 1945م، تخرج من معهد المعلمين العاليمتخصصاً في اللغة الإنجليزية، ثم حصل على دبلوم تدريس اللغة الإنجليزية من إنجلترا. عمل بعد تخرجه مدرساً للغة الانجليزية بالمدارس السودانية، ثم بالمملكة العربية السعودية، صدر له ديوان “حبيبتي والمساء” عام 1971 وديوان “عيناكوالجرح القديم” عام 1986، وكان على وشك إصدار ديوانه الثالث”ونكتب فى زمن الحزن” قبل رحيله.

ــــــــــ

مراجع

1.يمنى العيد. في القول الشعري: الشعرية والمرجعية والحداثة والقناع. بيروت: دار الفارابي،2002.

2.محمود محمد طه. رسالة الصلاة. الخرطوم،1966.

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

شرود

17-تشرين الأول-2020

شُرُود

27-حزيران-2020

عشر سنوات عشناها بلا محمّد الماغوط

13-حزيران-2020

بَصيرَةْ

26-تشرين الأول-2019

الممرَّاتُ التي تعبرينَ منها

27-تشرين الأول-2018

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow