Alef Logo
ضفـاف
              

ضفاف الرغبة – فصل من رواية / سعد محمد رحيم

ألف

خاص ألف

2014-07-28

رواء العطّار امرأة من صنف نادر وغريب.. كهربت انتباهي مذ لمحتها للمرة الأولى في مكتبة الجامعة، تبتسم لموظفة الاستقبال محييّة، وتشملني بنظرة خاطفة، وترتقي الدرج العريض أمامي إلى الطابق الأعلى.. ولم تكن تلك الابتسامة مثل أية ابتسامة، كما لم تكن تلك النظرة مثل أية نظرة، ويقيناً لم تكن هي بجسدها المتهادي صُعداً، لحظتها، مثل أية أنثى ترتقي درجاً.

أتقتنعونَ إذا ما وصفت ابتسامتها بأنها شعّت كالماس تحت نجمة شاردة في ليل صحراوي؟. ستقولون؛ هذه استعارة تقليدية مستهلكة. وأقسم أنها كانت شيئاً كالشعاع. خُيّل لي أنه انبث من نقطة بعيدة وسريّة، ليختلج على فمها الذي يذكِّر بشفتي صوفيا لورين في أفلام ستينيات القرن الماضي. أما نظرتها فكانت تنذر بشراسة هادئة، كما في عيون حيوان برّي. لنقل؛ نمر ( مثالاً ) في الطور الذي يلي الكفَّ عن الرضاعة ومباشرة القنص.. لكن ما زادني ارتباكاً هو حركة خاصرتيها التي تموِّج انحناءات قوامها كله، مانحةً إياه تناغمه وهيبته، ومبرزةً، على وجه الخصوص، تكويرة مؤخرتها الصغيرة، والتي حالما نظرت إليها، في ذلك اليوم القدَرَي، وهي محشورة في بنطالها الجينز، خطرت لي فكرتان، الأولى؛ كم هي متقنة الصنع كما لو أنها نُحتت بأزميل مايكل أنجلو. والثانية لو أحيط صاحبتها بساعديّ، في يوم سعد ما، أراقصها على إيقاع أغنية ( ليالي الأنس في فينا ) لأسمهان.

في الأيام التالية كانت تجلس دائماً في صالة المكتبة ووجهها باتجاه النافذة الزجاجية الواسعة، المطلِّة على الحديقة، فيما أنا أراقبها من الجهة الثانية بين الوقت والآخر؛ صفحة وجهها بلونه الخمري، وسترتها الزرقاء، وإيشاربها السماوي الذي تضعه على رأسها من غير أن تحكم ربطه، فقط كي تتجنب لوم وتعرّض المتزمتين الذين تكاثروا بالانشطار، كالأميبيا، بعد الاحتلال. كان جلوسها هناك يهدئ أعصابي، ويدعني في حالة استرخاء واكتفاء عذبين. وكنت كلما رفعت نظري بعد جولة قراءة في كتب المراجع وأنا أحضّر لرسالة الدكتوراه، أو بعد انتهائي من كتابة ملاحظات ومقتبسات وأفكار على أوراقي المبعثرة على المنضدة، وألفيتها ما تزال في مكانها، تنفّست بارتياح وانتعشتْ روحي. أما إذا فوجئتُ بغيابها، وأنا غافل عنها، تفترّ همّتي فأبدأ بالتململ وأبحث لنفسي عن مسوِّغ لأغادر.. وطالما هي باقية أؤجل أي شيء آخر وأبقى. وأردِّد في دخيلتي؛ شيء حسن أنها هنا، موجودة، جدّ قريبة، على مبعدة عشرين قدماً من موضع جلوسي.

ويوماً بعد آخر كانت تسطو على حيّز أكبر من عقلي وتشغله من غير أن تلحظني، أو هكذا حسبت، حتى كان ذلك اليوم لمّا تشجعتُ وجلستُ في زاوية المنضدة قبالتها وظهري إلى النافذة، ومن غير أن أرفع رأسي وأنظر إليها.. كنت أفكر؛ "لا تفسد الأمر يا رجل". بينما القلق يراودني من أن أجيئ ذات يوم ولا أجدها، وتكون قد اختفت وإلى الأبد.. خمّنت أنها طالبة دراسات عليا من كمّ الكتب التي كانت ترصفها أمامها وتنبش فيها، وتقتبس منها ومن ثم تدوّن أفكارها في كرّاس سميك جلده أزرق.

للحظة تصوّرت أن الحظ ابتسم لي حين لمحتها تشخبط ببعض العصبية، بالقلم الجاف الذي يبدو أن حبره قد نفد، على الورقة المفتوحة أمامها.. إن المصادفات السعيدة التي تحدث في الروايات الرومانسية تمهيداً لالتقاء البطل والبطلة ممكنة إذن، وليست تهيؤات وفبركات كتّاب من الدرجة الرابعة.. وسارعت، ( ربما الكلمة الأنسب؛ تسرّعت )، مادّاً لها يداً، توشك أن ترتعش، عارضاً لها قلمي الجاف:

"لا شكراً، معي قلم آخر".

كأنها لطمتني على حلقي. هززت رأسي عائداً إلى مقعدي الذي يبدو أنني قفزت عنه، بشكل لا إرادي، مسافة ثلاثة مقاعد تفصل بيننا، فضلاً عن عرض المنضدة الخشبية العريضة بسطحها المصقول اللامع من الفورميكا. وانتابني شعور ليس بالإحباط فقط وإنما بكوني تحامقت بطريقة مضحكة، وأنها قطعاً تنظر إليّ، الآن، كرجل ضعيف الشخصية، أو كقروي أخرق وضع نفسه موضع السخرية ويستحق الشفقة. ولنصف ساعة ظللت فاقداً تركيزي، أجيل النظر في أوراقي، وأشتم سنسفيل أجدادي. ورددت كلمة ( غبي ) في سرّي عشرات المرّات، حتى فطنت إلى احتمال أن تكون قد التقطتها من حركة شفتي. وهذا ما أصابني بإحباط مضاعف أو قل بالرعب.

"غبي فعلاً"، ربما تقول الآن بينها وبين نفسها، وعلى طرف فمها ابتسامة هازئة. ورفعت نظري لأضبطها متلبِّسة بالابتسامة الهازئة تلك، بيد أنها، في هذه الثانية الخاطفة، نظرت هي الأخرى نحوي بتلك النظرة الحيوانية الفاتنة ورسمت تلك الابتسامة الوضاءة، وأقامت مؤخّرتها الصغيرة الممتلئة، الرائعة الاستدارة، وسألتْ ( هل ستلومونني، وتنعتونني بالمراهق إن قلت؛ غرّدتْ؟ ): "حضرتك طالب دراسات عليا؟".

وألفيتني أقف أنا الآخر: "نعم، طالب دكتوراه، في مادة الاقتصاد السياسي".

برنين صوتها المغناج الحلو أطلقت: "آه" تذوّب الروح، وقالت بمرح: "هذا مخيف، اقتصاد سياسي؟.. يعني اختلاس، تهريب، مافيا".

"ماذا؟!".

ضحكتْ.. تواصل ضحكها قبل أن تهدأ وتقول: "آسفة، لا عليك، أمزح معك".

هززت رأسي وكأني أقول؛ لا بأس. وسألتها، وقلبي يدّق ( لا أجد عبارة بديلة، فقد كان يدّق مثل طبل ): "وأنت ما اختصاصك؟".

"أدب عربي، أدب عربي حديث، أحضِّر للماجستير، أنا في مرحلة كتابة الرسالة، موضوعي عن روايات فؤاد التكرلي".

"إذن بيننا قاسم مشترك آخر".

"آخر؟!".

"أقصد كوننا طلاب دراسات عليا أولاً، وأنا من قرّاء التكرلي ثانياً".

اكتفت بابتسامة وكأنها لا تصدّق ادعائي بأني سبق وأن قرأت روايات التكرلي.. لملمتْ أوراقها وكتبها، وعلّقتْ حقيبتها على كتفها، وقالت: "سأنزل للنادي، أشعر بالجوع، ماذا عنك؟".

"شكراً، أظنني سأبقى ساعة أخرى، لم أكمل شغلي لهذا اليوم".

وحالاً شعرت بأني لم أتخذ القرار الصحيح، وموقفي لا شك مهلهل ويبعث على الرثاء، وليس من سبيل لتداركه، لأني لو تراجعت بعد اعتذاري ورافقتها سأكون في حالٍ أسوأ.

"يا لك من جبان تعيس". قرّعتُ نفسي.. لعلها تعتقد الآن بأني لست سوى رجل مسكين ومتخلّف، يفتقر إلى اللباقة، وسرعة البديهة، وحسن التعامل مع النساء.

لم تأتِ في اليوم التالي، وكان الخميس، وبعدهما، كيف سينقضي يوما الجمعة والسبت؛ عطلة نهاية الأسبوع، ونفسي تلوب؟. أقلّب الاحتمالات كلها حتى أشدّها غرابة، وأنا نافد الصبر، مملوء بالجزع، غير قادر على فعل أي شيء مفيد، ولا أكفّ عن جلد ذاتي. وانشغلت يوم الأحد بالذهاب إلى الحلّة لأمر عائلي، وفي صباح الأثنين كنت أول شخص يدخل المكتبة ويجلس قبالة صف المقاعد حيث تجلس في العادة، وهذه المرة على مقعد أقرب إليها من المقعد الذي جلستُ عليه في المرة السابقة. سيشكِّل موضع جلوسي مع موضع جلوسها وتراً لمثلث قائم الزاوية إذا ما مددت خطاً مستقيماً افتراضياَ مع خط المنضدة، إلى جانبي، ليتقاطع مع خط مستقيم افتراضي يمتد من حيث تجلس، أمامها مباشرة. وستتاح لي مليون فرصة لاختلس النظر إليها بشكل منحرف قليلاً.

قرأت بضع صفحات، ودوّنت جملاً لا جدوى منها وعيني على جهة الدرج.. ومرّت ساعتان.. ثلاث ساعات.. وفكّرت بالانفجارات التي حصلت في بغداد في الأيام الفائتة. "لا، ليس من العدل أن تكون هذه المرأة المدهشة، ببساطة، ضحية انفجار عبثي بعدما رحت أهتم لأمرها.. ولكن ماذا لو أنها، لتتحاشاني، اختارت الجلوس في الطابق الأرضي؟".. تركت أشيائي حيث هي على المنضدة ونزلت، وكنت ما أزال على الدرج حين ألفيتها صاعدة ترتدي بلوزة قرنفلية غامقة، وإيشارباً قرنفلياً فاتح اللون، وبنطال جينز أسود. وحقيبتها المنتفخة على كتفها.. لأول مرة مذ اكتشفتها تبدِّل لون ملابسها وهذا فأل حسن.. والتقت عيوننا وإذا بها تشلّني لثوانٍ، تعصف بروحي بابتسامتها المنوّرة: "هلو". وقلت. "هلو"، وكأني أغصّ بها:

"نازل لأدخن سيجارة".

وكنت أكذب لأني لا أدخِّن أكثر من بضع سجائر في اليوم، وليست معي، الساعة، أية سجائر. هزّتْ رأسها وابتسامتها تتسع. وتمنيت لو أني مثلما يفعل براد بيت، في فلم هوليودي، حين يتلقى إشارة إيجابية من الفتاة التي يحلم بإيقاعها في حبه، أو مثلما يفعل زين الدين زيدان لحظة تسجيله هدفاً في مرمى الخصم؛ أن أضمّ قبضتي وأهزّها، صارخاً، بينما قدمي تضرب الأرض: "yes".

لمّا عدت ألفيتها تجلس إلى الطاولة عينها، ولكن ليس على المقعد الذي اعتادت الجلوس عليه. بل قبالتي تماماً حيث وضعت كتبي وأوراقي. على المقعد الذي يقابل مقعدي، وجهاً لوجه ولا تتعدى المسافة بيننا المتر وربع المتر. مسافة ستتأين لا شك، ستضج بتدفق تيارات رائحة آيبة تبهج الروح وتثملها. فلأول مرة، مذ رأيتها هنا، لا تجلس على مقعدها في مواجهة النافذة المطلّة على الحديقة والذي حسبت أنه محجوز لها أبداً وتتطيّر من تغييره. هذه المرّة تخرق القاعدة جاعلةً إيّاي حاجزاً بينها وبين الحديقة.. ستنظر إليّ فتكوِّن الحديقة لبصرها خلفية المشهد.. إنها بلا ريب تعرف ما تفعل، ولها في ذلك مأرب محدد.. عبر هذا التحليل البسيط والمسطّح (أكاد أقول؛ التافه ) أُقنع نفسي بأن انعطافة حاسمة في مسار حياتي الممل والرتيب على وشك الحدوث..

حييتها بهزّة رأس، وبابتسامة لا تخلو من بعض الارتباك، وأنا أعود وأجلس قبالتها... كنت ثملاً بحضورها المضيء، طلق الأسارير، وفي صدري تدوِّم، على مهل، موجة انشراح منعشة. بقيت شبه غائب عن الوعي، لا أستطيع أن أركِّز على ما أقرأ، في الوقت الذي أرسم فيه أشكالاً هندسية متداخلة، واعتباطية على ورقة أمامي.. قدّرت أني أكبر منها بثمان سنين على الأقل.. هي في الثلاثين، في ذروة ازدهار الأنوثة ونضجها. ها أنني أخبر ثانيةً مشاعر غادرتها منذ ست عشرة سنة أو أكثر يوم التقيت بأول فتاة هزّت حياتي وأنا في المرحلة الجامعية الثانية. ذلك الاضطراب اللذيذ، إذ تحسُّ بأنك تخفّفت من ثقل العالم وبدأت أجنحتك تغدو طوع أمرك، وتحثّك على التحليق. لكن تلك قصة أخرى لا جدوى من استعادتها الآن.

تباغتني بالقول: "أنا رواء العطّار".. أقول بعد لحظة انشداه: "أنا علاء البابلي". وما تزال تبتسم فأنتشي أكثر، فتينع ألف أقحوانة في جنينة صدري، تؤرجحها نبضاتي العالية.. تسألني إن كنت قرأت ( خاتم الرمل ) و ( المسرّات والأوجاع ) لفؤاد التكرلي.. أقول: "قرأتهما". ترد: "هل تستطيع أن تلخِّص بعبارة واحدة عمّ تتحدثان؟". أصفن، أبتسم بشيء من الخجل، أقول: "ربما عن غربة المثقف في المدينة المعاصرة، أو عن قلقه الوجودي وأزمته وهو يتعرض للتهميش والقمع، أو عن انهيار أحلامه".

كتبتْ شيئاً ما في دفتر ملاحظاتها الصغير وهي ترمقني، وابتسامة خفيفة غامضة تطوف على شفتيها كأنها معلِّمة تضع درجة لتلميذ بعد استماعها لإجابته.

سألتها: "كم؟".

"ماذا؟".

"درجتي في الامتحان"

أطلقت ضحكة قصيرة صافية.. عدتُ وسألتها: "ناجح أم راسب؟".

"يعني... عشرة من عشرة".

ضحكنا معاً.. دعوتها إلى الغداء.. ونحن نقترب من نادي الجامعة قلت: "لنخرج، أعرف مطعماً قريباً في شارع فلسطين نصل إليه مشياً في ثلاث دقائق". لا أدري من أين أتتني جرعة الشجاعة هذه فقد فوجئت أنا نفسي بهذا العرض..

لم تجبني لكنها ظلّت تسير إلى جانبي ونحن نخرج من الباب الخلفي للجامعة ونتجه جنوباً، في شارع فلسطين، وندخل مطعماً لنتناول غداءنا..

بوغتنا بصوت انفجار قريب. قال عامل المطعم: "لا تخافوا، عثروا على عبوة ناسفة قرب الأقسام الداخلية على القناة، وأعتقد أنهم فجّروها الآن".. لم نسمع صوت إطلاقات نارية أو صافرات سيارات الشرطة والإسعاف عقب الانفجار، كما يحدث في كل مرة. لذا افترضنا أن الانفجار هو من النوع الذي يقول عنه الناطق العسكري بأنه مسيطر عليه. وعلى الرغم من ذلك تعكّر مزاجي بعض الشيء.

**

صرنا نلتقي مرتين في الأسبوع.. نتغدى معاً ونذهب أحياناً بسيارتي إلى أماكن بعيدة، بعضها غير آمن.. كانت تصحبني في أثناء قضائي لبعض أشغالي، أو أفعل أنا معها وهي تقضي أشغالها.. من يرانا معاً يتأكد حالاً بأن العلاقة التي تربطنا تتجاوز حدود الزمالة الجامعية. لذا تجنبت اصطحابها معي إلى كليتي في حي الطالبية حيث أقوم بإلقاء محاضراتي ليومين في الأسبوع. ولم أجرؤ على الإفصاح عن مشاعري تجاهها إلا حين طرحت عليّ سؤالها الصادم عمّا يجعلني أحب رفقتها.

حين أسررت لها عن انطباعي بخصوص أشيائها المبهرة الثلاثة، بعد شهر ونصف الشهر من أول لقاء لي معها، وبعد مدة قصيرة من اتخاذ الكلام بيننا منحىً حراً وجريئاً، إلى حد ما، حدجتني لثوان وهي نصف فاغرة فمها، وعلى شفتيها نصف ابتسامة، ويدها تستريح على ردفها، قبل أن تلكمني بنصف قوتها على كتفي وتقهقه: "مايكل أنجلو وأسمهان وصوفيا لورين، كم أنت عتيق؟". ثم، وهي تواصل لكماتها وقهقهتها: "يا ملعون، يا مكروه، يا سخيف". من غير أن تأبه للعيون الفضولية التي حاصرتنا حيث كنا نقف في مرآب السيارات في باب المعظم بانتظار أن نستقل الباص المتجه نحو الجامعة المستنصرية. وكنت أتلفّت حولي متوجِّساً، فنحن في موسم مسكون بالفوضى والريبة، يحتله المارينز والميليشيات، والمتعصِّبون، والقتلة المأجورون، وشذّاذ الآفاق.

نزعت إيشاربها عن رأسها.. مسحت بطرفه عينيها الدامعتين من فرط الضحك، قبل أن تضعه في حقيبتها. فكّت مشدّ شعرها المطّاط فانهمرت خصلاتها الكستنائية باسترسال مبهج حتى منتصف ظهرها: "هكذا أحسن، أنا في مزاج جيد ويسلّيني التفكير بأن بعضهم سينزعج، وبعضهم سيفكِّر بطريقة قذرة، ماذا تقول؟".

"لنصعد الباص".

"أنا سأقول، الآن تخيل بدل النهيق الصادر من مسجّلة المطعم الشعبي ذاك أغنية أسمهان ( ليالي الأنس في فينا ) وتعال نرقص، هنا أمامهم، وضع يدك حيث ترغب، هل تجرؤ؟ أقسم بأني لا أمانع". كنت محرجاً وقلت بصوت عصبي خافت "تبدين كسكرانة".

"هل أحرجتك؟، إذن لنصعد الباص يا خوّاف". وكانت ما تزال تضحك.

هدأتْ في الباص، وهمستْ بتهكم: "ماذا جرى لي، أنت تتحمل المسؤولية لأنك اخترت المكان الخطأ والزمن غير المناسب لإخباري بأمر خطير كهذا". قلت: "هكذا، ابقي عاقلة". كانت تفترس، في هذه الساعة، وهي جالسة إلى نافذة الباص، الشوارع والبنايات والناس بالنظرة الحادّة والواثقة والبرّية.. فكّرت؛ يا لها من امرأة جامحة، مفرطة الأنوثة، تنذرُ بإنقلابات وزلازل!.

لم أكن لمستها حتى ذلك الحين، لكن بعد جهري لها عن انطباعاتي حول ما أثارني فيها بدا وكأن مسار علاقتي معها أخذ يتغير.. ذات مرّة، ونحن في السيارة، والزحام قرب جسر الصرافية على أشدّه، تشجّعت ووضعتُ راحتي على كفّها المستريحة عند طرف مقعدها.. استمرت هذه الحركة المباغتة التي أقدمت عليها، ليس بشكل عفوي، ثوانيَ قليلة.. عشر ثوانٍ ربما، لكنها كانت كافية لأطمئن بأني تخطّيت بها حاجزاً كثيفاً ظل قائماً بيننا مذ التقينا وتحدّثنا للمرة الأولى، وأن الأمر سيكون أيسر بعد هذا، فهي لم تسحب يدها، ولم تلتفت نحوي. أبقت كفّها الدافئة وديعة تحت كفّي مثل عصفور يستسلم لقبضة رقيقة حانية. تسارع نبضي، وانتابتني رعشة في موضع ما قرب أضلعي، وصعد الدم الساخن إلى وجهي.. أخيراً عصرتُ أصابعها برفق وأعدت يدي لأمسك بمقود السيارة. بقي كلانا ينظر إلى الأمام بصمت.

كنت راضياً ومرتاحاً ولم أردها أن تتكلم حتى نفترق، غير أنها وقبل أن تودِّعني قالت: "فكّرت كثيراً بما أخبرتني به حول تلك الأشياء الثلاثة. أشعر بأنك لا تريد مني سوى جسدي. تنالني وتكتفي وينتهي كل شيء".

الطريقة التي أطلقت بها كلماتها كانت صارمة وقاسية.. قلت؛ "لا تظلميني رواء.. سأكون صريحاً تماماً معك.. يعجبني جسدك، نعم، وأعتقد أن هناك شيئاً آخر، قد لا أستطيع تحديده بسهولة الآن، لكنه موجود وفاعل. لسنا أطيافاً، بل بشراً من لحم ودم وأعصاب. نحن حاضرون بأجسادنا في العالم، لكن ما يقرّب شخصاً مثلي لشخص مثلك وبالعكس لابد من أن يكون شيئاً سامياً".

ضحكتْ. أمسكتْ بأصابعي. ضغطتْ عليها بقوّة، ونزلت من السيارة.


· من رواية قيد الطباعة


















































تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

31-كانون الأول-2021

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

22-أيار-2021

الـمُـغـفّـلــة – أنطون بافلوفتش تشيخوف‎

15-أيار-2021

قراءة نقدية في أشعار محمد الماغوط / صلاح فضل

15-أيار-2021

ماذا يحدثُ لجرّاحٍ حين يفتحُ جسد إنسانٍ وينظرُ لباطنه؟ مارتن ر. دين

01-أيار-2021

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow