Alef Logo
الغرفة 13
              

عن خليفة المسلمين الذي يُقتل إخوتَه ؟!

حمزة رستناوي

خاص ألف

2014-09-21

في القرن الخامس عشر و تحديداً في عهد السلطان محمد الفاتح , و استنادا إلى دراسة أكاديمية محكّمة و توثيق تاريخي "1" أصدر أهل الفتوى من مشايخ المسلمين فتوى في مجموعة القانونامه تنص على : " وأي شخص يتولى السلطة من أولادي ، فمن المناسب ان يقتل الاخوة من أجل نظام العالم ، وأجازه أكثر العلماء فليعملوا به " " 2" و كلمة قانونامَه في العثمانية تعني " كتاب المراسيم ".و قد سار على هذا التقليد العديد من خلفاء المسلمين ( سلاطين آل عثمان ) و بلغَ هذا الأمر ذروتُهُ مع السلطانْ محمد الثالث (1595-1603 م ) الذي قتل أخوتهُ جميعاً و عددهمْ تسعة عشر أخا. و سليمان القانوني الذي قتل ابنه البكر مصطفى و ابنه بايزيد و احفاد بايزيد بتأثير من زوجته روكسلانا " فقد وقعت في عهده احداثاً شنيعة ، اصبحت علامات سوداء في تاريخ هذا السلطان "3" ..الخ

و لكن لماذا و ما فائدة طرح هذه القضية الآن ؟!

في ذلك سأورد العديد من النقاط:

أوّلاً : تاريخ العثمانيين و من قبلهم العباسيين والفاطميين و الامويين و الراشدين , هو تاريخ بشر , و يجري عليهم ما يجري في سنّة التاريخ على البشر , من صراعات سياسية و فضائل و مخازي و انجازات و اخفاقات , و هذا أمر طبيعي , و لكن الاشكالية تكون عندما يُضْفِي تيار الاسلام السياسي الراهن , و قطاعْ عريض من الثقافة العربية الاسلامية هالةً من التقديس و التمجيد عليهم - بالتصريح أو التلميح أو بالاستخدام الانتقائي للذاكرة - أو يدعو المجتمعات الاسلامية اليوم لاستنساخ تجارب تجاوزها الزمن , تحت حجّْ و مبرراتْ من قبيلْ احياء دولة الخلافه ..و اقامة دولة الاسلامْ.

ثانياً : إن شريعة قتل الأخوة ليستْ بتقليد خاص , و حصري للسلاطين العثمانيين بل هو تقليد شائع في الامبراطوريات السابقة كالفارسية و البيزنطية , و لكن الجديد و الخطير في الأمر,هو استصدار تشريع يُرخِّصْ ذلكَ اعتمادا على آيات قرآنية !

ثالثاً : هذا يطرح تساؤلات جدّيه , حول علاقة الدين بالسياسة , و استغلال الحاكِم (خليفة المسلمين) للنصوص المقدّسة ( قرآن كريم و أحاديث نبويّه ) , و استخدامهِ لرجال الدين , لتبرير مشروعيّه السلطة و إضفاء الشرعيّه على أعمال و جرائم هدفها الاول و الاخير بقاءه في السلطة , و التخلص من الخصوم ..لكي تكون جرائم القتل و الذبح التي يقوم بها حلالْ ! و بمباركة من "خليفة الكون " طالما هو "خليفة المسلمين " و الوكيل الالهي بتسيير أمور المسلمين! بما يسيء للمعتقد الايماني بالله –سبحانه و تعالى - بحدّ ذاتهِ.

رابعاً : هذه الفتوى و مثيلاتها , تتناقض مع الفهم الحيوي للعقائد و منه العقيدة الاسلامية التي تعتبر القتل العمد من الكبائر ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ , وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ , إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ) الاسراء 33) . ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم , خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) النساء 93

خامساً : قالَ ليْ صديقي كيف تتَّهِمْ رجلا صالحا ,جاءت الأحاديث النبوية الصحيحة في الثناء عليه يا هذا ؟! اتقي الله! ألم تسمع بحديث النبي (ص) الذي رواه الامام أحمد في مسنده :( لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش ( أم أنّك لا تقرأ إلا الذي تريده !!

التعقيب:

-الحديث عن السلطان محمد الفاتح من جهة السلوك العقائدي و الاخلاقي , و ليس من جهة الحديث عن شخصية محمد الفاتح كقائد عسكري و سياسي كبير.

-تقليد قتل السلطان لأخوتهِ و أقاربهِ , و تشريع هذا القتل بمبررات قرآنية ,هو بالنهاية جريمة غرضها الحفاظ على سلطة دنيوية , و هذا التشريع جريمة بحدّ ذاتهِ تساوي جريمة القتل إن لم تكن أكبر منها , و هذا سلوكْ مُدان أخلاقيا , و من يقوم بذلك ليس من أفاضل الناس , بمقياس عموم الناس , و منهُ عموم المسلمين .

-درجة توثيق و مصداقيّة الفتوى و التشريع الذي صدر في عهد محمد الفاتح بخصوص قتل الاخوة كبيرة , فهو موجود ضمن أرشيف الوثائق الرسميه و قوانينها , و بما يقره أهل الاختصاص في التاريخ. بينما القول المنسوب الى النبي الكريم هو قول آحاد على ذمة رجل و من ثم سلسلة شفوية , و قد جرت كتابته بعد مائتي سنة على وفاة الرسول , فقد توفي أحمد ابن حنبل عام 241 للهجرة , و لا يَخفى امكانية الخطأ البشري الغير مقصود في هكذا جهد لنقص المعلومات , أو امكانية الاختلاق و التحوير ممّن عاشوا بعد الرسول خاصة أنّه وجدت عدة محاولات لغزو القسطنطينية على يد معاوية بن ابي سفيان و سليمان بن عبد الملك و غيرهم ..و هذا ما من شأنه اعطاء مشروعية دينية و قداسه للأمراء و القادة.

-الانطلاق من النصوص القرآنية و الأحاديث , و تفصيل الواقع و كتابة التاريخ على أساسها , هو قصور في فهم النصوص , و قصور في فهم الواقع و التاريخ معاً , و هو بمثابة وضع للعربة أمام الحصان , كمن يُشرعِن الاسترقاق الآن يحتجّْ على ذلكَ بآيات قرآنية و أحاديث ؟!

-في النهاية سأورد قول آخر منسوب للنبي في ذات موضوع ( فتح القسطنطينية

) و لكنّه غير مشهور و متداول كالأوّل:

فقد روى أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص , "بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً : قسطنطينية أو رومية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً ، يعني قسطنطينية . ""4"

فوفقا لهذه النبوءة سيتم فتح روما بالإضافة لفتح القسطنطينية , و الآن ينتصب المسجد الكبير في روما – و هو أكبر جامع في أوربا كلها - الى جوار الفاتيكان , و يستطيع أي مسلم أن يصلي ما يشاء ,و يقرأ القرآن جهارا , و يأخذ كتاب مسند الامام احمد ليقرأ ما يشاء من الصفحات هناك في عقر دارهم من دون غزو و لا فتح ! شريطة أن يحمل الجنسية الايطالية أو يحصل على فيزا دخول للاتحاد الاوربي , و كما يقول المثل العربي " دونها خرط القتاد ".

ربّما يكون الهروب و الحصول على هذه الفيزا المعادل الموضوعي ل ( فتح روما ) على الصعيد الفردي , في زمن هربت فيه خيرة شباب المجتمعات الاسلامية الى الغرب (الديمقراطي العلماني الكافر ), تاركين أوطانهم بعد أن استحوذتْ على عقولنا – كمسلمين - عقلية الغزو و أخلاقَ الغزاة !

*

الهوامش:
1":شريعة قتل الأخوة في نظام الحكم آل عثمان 1520-1617 م- م. د. بشرى ناصر هاشم الساعدي - الجامعة المستنصريَّة / كلية الآداب -قسم التاريخ.-مجلة مركز بابل –العدد الثاني – ك 1 - 2011 م

"2": Kanunname Halil Inalcik, the Encyclopeadia of Islam , vol: E.J.Brill, Leiden, 1975, PP.562-563.

"3": احمد عبد الرحيم مصطفى ، في أصول التاريخ العثماني ، دار الشروق ، ط1، القاهرة ، 1982، ص 148.


"4": رواه أحمد ( 2/ 176 ) والدارمي في السنن ( 503 – ط دار المغني ، و ابن أبي شيبة في المصنف ( 19088 – فضل الجهاد ، والحاكم في المستدرك – الفتن والملاحم ، وأبو عمر الداني في السنن الواردة في الفتن ( 609 ) والطبراني في الأوائل ( 61 ) وابن أبي عاصم في الأوائل ( 108 ) ، وعبد الغني المقدسي في كتاب العلم ( 2/30 / 1 ) وقال : حديث حسن الإسناد ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي
وهو كما قالا كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ( الصحيحة رقم (( 4 ))
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=56395


























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

الطائفيّة في منظور المنطق الحيوي

29-كانون الأول-2017

الطائفيّة في منظور المنطق الحيوي

23-كانون الأول-2017

تعقيبا على قول مازن أكثم سليمان .....والشعر السوري في زمن الثورة و الخراب

18-تشرين الثاني-2015

عن خليفة المسلمين الذي يُقتل إخوتَه ؟!

21-أيلول-2014

ماتت الحياة..و انتصرت كربلاء!

08-حزيران-2014

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow