Alef Logo
المرصد الصحفي
              

المُنقَلبات والمُشابهات / بول شاوول

2016-04-18

كأن العالم يصغر عندما نظنه يكبر وينقطع عندما نظنه يتواصل، ويتراجع عندما نظنه يتقدم. ويكسد عندما نظنه يزدهر. انها المُنقلبات التي تتحكم بثوابته، أو بشؤونه. المنقلبات البطيئة ، أو المفاجئة، الجوفية أو الظاهرة حتى باتت تلتبس فيه الأزمنة والأمكنة. لا تعرف إذا كنت تعيش في نعمة السلم والبحبوحة والاتصال والديموقراطية والانفتاح والتطور... أو كنت تعيش في الزمن الذي ملأك بالأمل، أم الزمن الذي يعصف به الناس وتسأل كيف يمكن ان تتم «المنقلبات بين عقد وضحاه. بين سنة وأخرى: فلا الزمن جامد في مراوحته ولا هو في صيرورته. منزلة بين عدة منزلات وتاريخ في عدة تواريخ.

ولو راجعنا خرائط الأفكار والقيم الديموقراطية والسلمية والحرية والليبرالية ما بين الثمانينات من القرن الماضي واليوم: أي نحو ربع قرن تجد كأن الأمور انزاحت عن سُبُلها وتنكرت لإنجازاتها وتكاد تمحو ما خطته: كل شيء في العالم انقلب رأساً على عقب أو عقباً على رأس.

قبل 25 عاماً، احتفل العالم بسقوط جدار برلين وهزيمة الأيديولوجية الشمولية. عال! وكذلك بخروج نلسن منديلا من السجن وقيادته بلاده إلى مرحلة التوحيد والسلم، وبإزاحة الدكتاتور أوغستو بينوشيه عن عرشه الدموي في التشيلي وتدحرج الاستبداد في بولندا...

فخلنا، أن عصراً جديداً قد انفتح وان صفحات كثرى من الاستبداد والقمع والأوتوقراطية. وما زاد «ايهامنا» (المسرحي) هذه الثورة التكنولوجية الكبيرة التي املنا ان تنقل العالم كله إلى زمن آخر، حافل بالوعود والاحلام وبالاجتراحات التقنية والعلمية وبخصب وسائل التواصل في فتح الحدود كلها على بعضها.

لا عنصرية. لا قوقعة. لا عنف. لا قمع. ولا سجون سرية، ولا مستبدون مما يجعل اللقاء مشرعاً بين الشعوب وبين الشمال والجنوب. كأن «حركة التاريخ» الواحدية عند الشمولويين السابقة حلّت محلها حركة تاريخ أخرى تجمع كل هذه الانجازات التكنولوجية والفكرية والاجتماعية والثقافية في مسار مندمج ومتواكب ومتصاهر ومتفاعل.

لكن ماذا حدث؟ هذا هو السؤال! فمعظم التحققات التي تمت في تلك المرحلة بدأت تخفت ثم تشحب ثم تبتعد تم تتلاشى ثم ينقلب حتى أصحابها عليها: فالانتخابات الحرة وفصل السلطات وحرية الصحافة والقضاء أي كل الأدوات المكونة للديموقراطية قد تراجعت. لم تعش تلك التحولات الليبرالية (بعد أحلام ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية المجهضة) أكثر من عقدين أي أقل من عمر كل نظام دكتاتوري شرقاً وغرباً. كأن تلك القيم صارت بلا أعمار. او بأرماق الهشاشة أو بخفة العبور! وقد اوردت مؤسسة «فريدام هاوس» التي تراقب مسار ممارسات الديموقراطية في 195 بلداً «ان عام 2015 سجل انطلاقاً من السنوات العشر الأخيرة تراجعاً كبيراً للديموقراطية: أي 105 دول تراجعت فيها الحرية و43 بلداً تقدمت فيها.

وجاء هذا في التقرير الذي «لا يستثني الولايات المتحدة ولا أوروبا»: فالحركات والشخصيات والأحزاب الديماغوجية هناك طغت على السطح، مقابل الاعتدال، والاحتجاج والفكر النقدي والوعي السياسي.

ففي أميركا اليوم ظاهرة غريبة اسمها دونالد ترامب، الشعبوي والتافه والملياردير. الذي ضرب الأرقام القياسية في رجعيته وعنفه وعنصريته: فقد طالب في حملته الرئاسية نحو البيت الأبيض بإعادة تشريع ممارسة التعذيب على المعتقلين والسجناء، وبإنشاء قوة بوليسية ضاربة «بربرية» مخيفة لطرد 11 مليوناً من العمال غير الشرعيين في أميركا، وبمحاصرة واضطهاد الأقليات، وبطرد كل المسلمين وعدم السماح لهم بدخول بلاده! وعندنا في فرنسا ما يقابل ترامب: مارين لوبان، ترفع شعار «معاداة المسلمين بعد كان شعارها معاداة السامية«. وهناك فكتور اوربان في بودابست والمثال الأعلى لهؤلاء هو فلاديمير بوتين الذي صار يجسد الاحتجاجيين اليمينيين في أوروبا والعالم وخصوصاً «الجبهة الوطنية في فرنسا وترامب في أميركا، وبشار الأسد وخامنئي في سوريا وإيران. «أي جامع» المجدين: الاحتجاجين على الوحدة مع أوروبا وعلى الديموقراطية وكذلك مع مجرمي الحرب والدكتاتوريين والقتلة والغزاة.

[ الانتكاسة

كل هؤلاء يمثّلون الانتكاسة العميقة لإرث التنوير والنهضة والثورة الفرنسية، والأميركية. لكن بتنا لا نعجب اذا فقدت هذه المركزيات الديموقراطية أسُسها وتميزها وهوت بكل ثقلها نحو منزلقات قد تهدد العالم برمته. فما بالك اذا كانت خضعت «لوباء» البنى الشمولية والدينية المتطرفة- لتصبح قرينتها، قرينة الضد أو الـ«مع». فبين ديموقراطيات عمرها ألوف السنين وبين أنظمة دكتاتورية أو حركات جهادية أو تكفيرية، أو أصولية، أو شمولية حديثة، التقت السبل وتمازجت الظواهر وتماهت الأحوال، وتقاطعت المسالك والأفكار كأن العالم فقد توازنه وميزانه الذي صار كفة واحدة يحط عليها الجميع: من اليسار الاشتراكي إلى الليبرالي، إلى اليميني الجمهوري، فإلى العلماني والغيبي: شيء مخيف! بل كأن العالم الذي سد أبوابه دون المهجرين والنازحين، انغلق في غيتوات عنصرية على نفسه ليشبه تماماً الذين يعلن «محاربتهم» : تطرف انفعالي وغياب عقلاني، أسس ديمقراطية مهتزة، تطرف، عنف. فها هو يرد على سلاح أعدائه بسلاحهم، وعلى منطقهم بمنطقهم وعلى جنونهم بجنونهم. كأن بشار الأسد انزرع في معظم العقول «الديموقراطية» وداعش تماهى بهما (عن قصور وجهل) وازدهر في كل من يرفض «ايديولوجيته» أو مقولاته: فرنسا اعلنت قانون الطوارئ، والمطارات بعد هجمة بروكسل باتت كالأسلاك الشائكة والحدود الدولية تنتظرها الأسوار وجدران الفولاذ والنار... والموت والبحار غصّت بغرقاها من المهاجرين هرباً من وحشية آل الأسد وإيران وروسيا...

[ الخطاب الواحد

فهل بات خطاب الجهاديين انفسهم هو خطاب من يواجههم؟ وهل بات «النفَس» الإرهابي يهب على العقول؟ وهل باتت النعرة الدينية الموصوفة عند الأصوليين بتفاسيرهم الأحادية والنصية والتيولوجية للعالم والنص الديني تلتقي بقوة مع قراءاتهم عند المفكرين والفلاسفة والعقلانيين والاجتماعيين وعند أصحاب «التحولات» والتغيرات؟ انها العدوى! اقرأ مثلاً ما يقوله هؤلاء الأوروبيون في كتبهم، ولقاءاتهم المتلفزة وفي مقالاتهم أو حواراتهم، عن الاسلام لتكتشف انهم «تبنوا» على غير علم، أو قصد، التفاسير الداعشية والجهادية: ان النص جوهر غير قابل لا للتغيير ولا للتعديل. خارج الزمان والمكان. بمعنى أن هؤلاء المفكرين الليبراليين وحتى الماركسيين يحصرون الاسلام على الرغم من التحولات وتغير الأحوال والأزمنة والإنجازات. أي ينتزعون من النص تاريخيته ويتعامون عن التعدديات الكثرى في تفاسيره بل ربطه المطلق كتيولوجيا ثابتة، بكل المسلمين في العالم: وكأن هناك اسلاماً واحداً ذا قراءة واحدة وممارسة اجتماعية وطقوسية واحدة. انهم ينفون انفسهم عن علاقتهم بالمسلمين باعتبار التناكر الفقهي واللاهوتي بينهم وليس اللقاء الحضاري والتغييري الذي عرفه العالمان العربي والإسلامي في بعض فتراته وهذا يعني، في المقابل، انهم يتجاهلون مثلاً تحولات المسيحية ليكتفوا بالمعاني المطلقة فيه: حرب ثيولوجيات مجردة من تواريخها: لتصبح مواجهة «نظرية» تجريدية بين المسلمين والمسيحيين وكل العالم. وهذا ما نجح الجهاديون في فعله: تحويل العالم شبيههم! وشبيه عقولهم المتحجرة، وهكذا تتصارع القرائن والمشابهات. وهنا يصبح «التاريخ» لا تاريخاً، والفرد ملغى وقطيعياً، والأحزاب والمجموعات والأفكار على هوامش كل ذلك. بمعنى آخر وكما يحاول «الجهاديون» مدعومين من بعض الأنظمة: مثل آل الأسد في سوريا وآل «خامنئي» في ايران وآل «بوتين» في روسيا«، اعادة كل عقرب من عقارب الزمن إلى «ذواتهم» إلى هوياتهم القاتلة، ليس في الغرب فقط، بل في العالمين العربي والاسلامي شرقاً وشمالاً... وجنوباً مجرداً من كل قيمه العلمية والتاريخية والسياسية والنهضوية والتنويرية.

[ القيم الغربية

المعركة واحدة والعدو الواحد، لكن عندما «تنتزع من القيم «كينوناتها» وتجسيداتها تصبح الحروب معلنة. فالغرب في حربه على الجهاديين يتخلّى عن قيمه الثورية والديموقراطية ليحارب هؤلاء بسلاحهم. كأن تحارب النازية بالنازية والعنصرية بمثلها، والستالينية بأدهى منها، والتطرف الديني بالديني والانعزالية بالانعزالية ومقاربات النص «المقدس» بأقدس منه والمذهبية بالمذهبية وكأن يصبح المليار مسلم سني داعشياً، أو يصبح داعش «رمز» هؤلاء، أو يصبح كل الأميركيين دونالد ترامب، وكل الفرنسيين مارين لوبان، وكل الشيعة ولاية الفقيه بلا مرجعيات أخرى تاريخية أو علمية أو سياسية؛ وهكذا ينفي الكثير من المفكرين والصحافيين الفرنسيين ما حققه الاسلام والعرب في امبراطوريتهم من عمارة وفكر وفلسفة وعلم. اختزال الكل بالجزء والتاريخ بالنص والحياة بالوصايا الأبدية والأبدية بمرحلة زمنية محددة، بل انتاجه وفي هذه الحالة الأوروبية الغربية المتردية ان نخبهم لا تميز بين الربيع العربي ومن يحاولون اجهاضه وبين منطلقاته السلمية وبين تحويله صراعاً عسكرياً بين ديموقراطيته وبين الدكتاتوريين القتلة... فيخلطون كل شيء بكل شيء تماماً كما «انخلط» عندهم كل شيء بكل شيء: اليسار باليمين واليمين بالتطرف والعنصرية بالتسامح... باتوا يرون العالم كله من خلال هذه المساحات التي تراجعت فيها قيمهم وثوراتهم وجمهورياتهم. من هنا بالذات هذه التأرجحات والارتدادات وسوء التقدير وخطأ التقويم. وعلى هذا الاساس راح كثيرهم يصف «الربيع» العربي بالجحيم من دون أن يعودوا الى الذين نقلوه من حالته الشعبية السلمية الوطنية العلمانية إلى أحواله وحروبه المدمرة ومذهبيته... ونظن ان الغرب عندما اندلع الربيع العربي في شهوره الأولى وقابله الطغاة كما في سوريا بالحديد والنار والمذابح والاعتقالات وكانت المعارضة العلمانية على وشك اسقاط الأسد، (أي قبل مجيء داعش) دعم بعضهم هذا النظام بتردده وأشكال تواطئه، كما فعل اوباما الذي لم يمتنع فقط عن مساعدة الجيش الحر بل منع كل مساعدة له، وهذا ما اطال عمر الحرب وسمح لإيران وحزبها اللبناني العميل بالتدخل... من دون ان نسمع لا من اسرائيل ولا من أميركا اي تحذير أو انتقاد.. وهنا بالذات كان لـ«داعش» ان يفبرك... ويكبر ويمتد مستهدفاً الجيش الحر، مبتعداً عن النظام وحزب الله! ثم شرّف بوتين مستفيداً من ترددات اوباما وعجز أوروبا... ليخطف من ايران ورقة سوريا ويضعها في جيوبه الدموية.

[ قراءة العالم بالانحطاط

نشير إلى هذه المسألة، لأنها مرتبطة بالانحطاط السياسي والانساني لاوروبا والغرب... في التعاطي مع الأمور. وكأن مواقفها من الربيع العربي في مستهلاته يعكس حالاتها الداخلية، التي ان لم تؤثر في مجريات الأحداث في سوريا مثلاً، فانها تأثرت بها، عندما انتقل الارهاب ودق أبوابها في «شارلي إبدو» وفي باريس... وصولاً إلى بروكسل. ونظن ان ردود هؤلاء على هذا الارهاب تنم عن تضعضعهم الاجتماعي والسياسي وقصر نظرهم وتبلبلهم. وها هم يردون على «داعش» بما هاجمهم به ليمنحوه «أحقية صوابه»، وتحقق هدفه: فداعش يمارس الاسلام بعقل (جيولوجي) ماضوي وتفسير محدد وديماغوجية دينية بحيث يوحي ان ما يفعله هذا التنظيم هو الاسلام في ذاته هو الإسلام الأصيل، النقي، المكتمل. وعلى هذا الاساس راح «مثقفو» النخبة الغربية يتبنون نظرية داعش وهم يتوهمون أنهم يناقضونها، ويؤكدون ان اسلام داعش هو الاسلام. واشتغلت ماكينتهم السياسية والصحافية وحتى الفلسفية على اعتبار ان الاسلام هو مسؤول عن كل ذلك؛ بنصه وبآياته وبسوره أي ان الاسلام يحمل بذور الارهاب الذي يمارسه داعش... وصولاً إلى المسلمين.

انه الانهيار واهتزاز الوعي الديموقراطي والارث التاريخي: فعندما ينفون المسار التاريخي وتحولاته عن الاسلام.. ينفون ايضاً كل انجازاتهم والثورة الفرنسية... ليذكرونا بأن هذه الأخيرة لم تعرف سوى روبسبيير...,.

بول شاوول
عن جريدة المسستقبل
تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الوسواس الخناس

20-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

يتساءل كثيرون من قراء ألف عن سبب الأصرار على نشر الأدب الإيروتيكي، وما غايتنا منه.. أقول لهؤلاء تعالوا نتفق على أن الفجوة كبيرة جدا بين المؤمنين بالعلمانية والمؤمنين بالتحرر، التحرر...

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow