Alef Logo
ابداعات
              

رماد المنديل

بشير عمري

خاص ألف

2017-10-28


كأن آلة موسيقية توقفت منفصلة فجأة عن المجموعة فتشوهت السيمفونية في أذني، هكذا أحسست حين توقفت بمنتصف الرصيف عن المشي، والماضون من ورائي وخلفي يعزفون لحن يوم جديد بالشارع الكبير، ضحكت من غير صوت ثم أسقطت ناظري على حذائي البني الجديد، فخِلتُ الفكرة في الأول سخيفة حقا، لكن مع ذلك بدا لي أنه ليس منها بد، فالنهار مشمس ويستعد لإلقاء حمولته اللاهبة مع انبساط الزوال في نهاية مارس على شوارع المدينة الضاجة بمسير المارة في عطلة نهاية الأسبوع، فصلت عشرة دنانير من ميزانية اليوم، لم يكن صعبا علي تذكر لون التراب الذي طالما تعفرت به قدماي الحافيتان مذ غادرت الحبو، وأنا وسط ذلك المحل الراقي ذي العتمة اللذيذة التي تخترقها الإنارة الاحتفالية الراقصة بألوان الغرائز، كان عاطرا بعبق الحاضر وروائح النساء النفاثة، لأتذكر لون التراب، فاقتنيت منديلا بذلك اللون الذي كرهته طيلة حياتي، وحين طويته بشكل هرمي لأبرز زاوية قمته من خارج جيب السترة السوداء، قال لي صاحب البشرة المتوردة الناصعة، والشفتين الحمراوين القريبتين شبها من شفاه النساء وهو يطرح عينات العطور على ظهر يده :

كان يجدر بك أن تقتنيه بلون أبيض !

صحيح أني لا أفهم قط في نظام الأولون وأخر شيء عشت أفكر فيه أن أراعي نسق الألوان وتركيبها علي، أصلا كل ألوان التي لبستها كانت قسرا وليس قصدا، حتى في الأعياد كنت اهتم بجديد الأقمشة وليس لألوانها، لكن ما شأن هذا الوسيم بنظام لباسي وما يحتاجه من اندماج لوني؟ لكن ما حيرني هو كيف أنه لم ير في بدلتي التي تغطي كل قامتي الفارعة سوى تلك الزاوية صغيرة من جيب سترتي أين يطل منها رأس المنديل ؟

هؤلاء يفتشون في الهوامش القصية من الجسد والأشياء العالقة به، هناك تكمن فلربما نقاط الاكتمال وكمال الأشكال، ثقافة عالية لا يمكن أن أحصل عليها هكذا بضربة واحدة في مدرسة الرصيف،

لكني نفسي ظلت بقيت بجوار اليقين أن هذا الناعم ذي الأصابع الرخوة، يتقصد لون بشرتي المائل إلى السُمرة، يراه عيبا وأراه فخرا، وعلي أن ألزمه حده بالوداعة المهينة ذاتها التي وخزني بها في صمت !

حاولت التظاهر أنا أيضا بثقافة العازف على الألوان، أرجأت مغادرة المحل إلى أن يستدير فأعاود رؤية شيء من نظام لباسه، ولمّا لم يفعل قررت المغادرة، خصوصا وأن نظرات صاحب المحل تغيرت حيالي، كأنه يقول دنانير منديلك العشرة زادت عن قيمتها، الباريسية

الطائرة بعيّيناتها من جسد النساء والرجال وما بينهما والتي لم تزر يوما خيشومي، وظل المحل المنعش بأضوائه المتراقصة على موسيقى الجاز الخافتة، وحدها تقتضي دفعا لدنانير جديدة في حساب صاحب المحل، هذا من دون ذكر جمال تلك النسوة اللائي لا يعرفن موقع سوق الخضار سوى في نشارات الأخبار !

لا شيء كان قادرا على مساعدتي على الخلاص من قذائف نظرات صاحب المحل الحارقة أو تغيير تقاطيع وجهه وهو ينضح بالاشمئزاز من وطول وقوفي المجاني في عقر مله، في جيبي شيء من بقيا موازنة اليوم، المنديل كان زكاة الشهر، قنينة عطر واحدة ستجعلني أودع الباصات لأسبوعين إن تجرأت وأكرمت بشرائها من صاحب المحل، وأنا غير مستعد أن أخرج إلى العمل في خامسة كل صباح لأصل مشيا على الأقدام مكتبي الثامنة، شعرت بارتجاج قامتي كأني شربت قنينة العطر الأقل سعرا في الواجهة الزجاجية الداخلية للمحل، صارت صورة المتعاطين للعطور والمناديل وألبسة النساء الداخلية تتبدى لي مشوهة كما لو أني أنظر في الماء، فلذت بالخروج من المحل.

لكني أصررت على أن أدقق في ملابس صاحبي وأهدي له عيبا خفيا من عيوبه لم ينتبه إليه، وأدون ذلك في مفكرة ذاكرتي، حتى لو أنني اعترف بأني لا أجيد اصطياد العيوب، قطعت الطريق حيث الضفة المقابلة من الشارع، وألصقت بظهره عيني وهو يمشي مستقيما على الرصيف، بعد أن خرج بعدي بقليل من المحل، أحسست بحذائي الجديد وقد شرع يضيق على قدمي وهذا الوسيم الذي اقتحم يومي بمحل العطور والمناديل لا يري فائدة أن يمشي الهوينة كعادة الشبان والوسام، الذين لا أجندات لديهم في طيات النهار سوى الاستمتاع بقرع الكعوب المدببة لأحذية الفتيات على بلاطات الأرصفة، توقفت للحظة من شدة المعاناة، سحبت بقايا الدنانير عددتها دينارا دينارا، قبل أن أجلس بالمقهي وبعد أول رشفة لفنجان القهوة، نزعت عني جزمة القدم اليسرى لحذائي ففاحت منها رائحة نفاثة كالتي تنبعث من أول يوم للحذاء الجديد، بالكاد استرددت نفسي من المعاناة وقف أمامي النادل بصحبة صاحب المقهى:

ـ ما قلة اللياقة والأدب هاته التي أظهرتها أنت، هيا أقفل نتانتك وادفع فاتورتك ثم انسحب من هذا المقهى الذي لا يليق به مستواك !

المقهى؟ ولكنني على طاولة بالرصيف !

الرصيف ملحق بالمقهي ولست هنا لأجادلك بهذا الخصوص أكثر..

وضع الفاتورة أمامي على صحن الطاولة، فكاد قلبي أن يقفز خارجا من قفص صدري من ثقل رقمها، لجأت إلى كل جيوبي ولم تف دنانيرها بقيمة فنجان القهوة اللعين، لحظتها عاد وتماثل أمامي بقامته الطويلة، الرخوة الرقيقة، متطوعا لدفع بقية فنجان القهوة عني، نظرت

إليه بشيء من الاضطراب، شكرته ثم أطرقت، وتظاهرت بعدم الاكتراث، سحبت المنديل من جيب سترتي مسحت به جلد الحذاء وحين أردت أن أعيده موضعه أمسك بيدي:

لا ليس هكذا، مناديل الجيوب الفوقية هي للزينة ولكن خاصة لدموع النساء، لذا نضعها بيضاء على موضع القلب بجيوب السترات، أما مناديل مسح الأحذية فعادة ما نضعها في الجيب الخلفي للسروال أي على الأرداف !

لم أذكر أني مسحت يوما دموع امرأة بمناديلي، بل أني أرهقت الذاكرة بالسؤال عن يوم حملت فيها منديلا لدموع النساء فلم تجبني قط،، جيوبي سروالي الخلفية كانتا عادة بزُريهما الأسودين بلا جدوى كالعينين المنحوتتين على وجه حجرتين للزينة لا تريان شيئا، حتى دموعي التي جفت من من زمان، كانت خشونة كفي هي من تكفل بها في صُمُتات الظلام.

وقبل أن ينسحب من أمامي سلمني منديلا أبيضا مثلما نصحني به بمحل العطور الباريسية، كان مخضبا بسائل عطري غريب عن ذاكرة أنفي، بقيت واجما وحين تذكرت أني كنت احتاج أن أراه بكامل ظل قده الوارف قبالتي لأهديه عيبا من عيوبه بالمجان أيضا، كان قد بدأ يتصاغر في ناظري على الرصيف بين الأجساد ماشيا لا يلوي على شيء، أما أنا فمضيت كالفريسة التي فلتت بجراحها من فخ حديدي بأطراف الغابة، وكم تصاعد ألم يعتصر قدمي إلى قلبي، حين أجابتني رسالة هاتفي المحمول بأن رصيدي للاتصال غير كاف بعد أن شكلت رقم هاتف صديقي عسى أن يلحقني ليحملني على دراجته النارية، تجاوزت محطة الباص بألم ورعب المسافة الطويلة التي علي أن أقطعها عائد إلى البيت تحت معانات جزمة الحذاء اليسرى الضيقة، استشرفت المدى ولم يظهر لي منتهاه، ولا حتى شبيها صاحب لون المناديل، فلعنت كل الأحذية الجديدة ورواتب رأس الشهر، نسيت أنه معفر بغبار الحذاء حين تلمست جيب سروالي الخلفي وسحبت المنديل الرمادي، فمسحت عرق شمس الزوال عن جبيني ثم تدحرجت من الجهة الخلفية للمرتفع الفاصل بيني ضفتي المدينة بعدما كنت قد تركت نصف روحي في جهته الأمامية وأنا أتسلقها، فأدركت أني تواريت عن الأنظار.

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

رماد المنديل

28-أيلول-2019

شرف الحذاء

10-آب-2019

وشوم المدينة

23-آذار-2019

قسر النـذر

16-شباط-2019

قسر النـذر

22-كانون الأول-2018

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow