Alef Logo
مقالات ألف
              

هؤلاء الفرس الظرفاء

خيري الذهبي

خاص ألف

2017-11-11

يقدر كثير من الباحثين أن على السوريين للعشرين سنة القادمة العمل الدؤوب, والتقشف المريع, فقط لإعادة ترميم ما خربه التحالف الإيراني مع السوري النظامي للعامين الماضيين, والله أعلم إلى كم من السنوات القادمة !
هذا التدميرالذي حطم المساكن, والمطارات, والطرقات, والمعامل, والمحلات التجارية, وأماكن ووسائل ارتزاق الناس العاديين من الذين لا يعملون في البورصة, ولا في تجارة الأوراق المالية, مهنة المحظوظين الذين يغتنون ولا يعرقون, والتي نشطت خلال الخمسين عاماً المنصرمة, وهي سنوات حكم تحالف البعث, والمخابرات, والمجموعة الحاكمة, وهي سنوات العمل الجاد, والشاق للحصول على ما يسد الرمق لإثراء رجال مقربين من خط الفولتاج العالي "السلطة", سنوات اغتنى فيها أناس بين يوم وليلة لا لشيء إلا لأنهم مقربون من السلطة بطريقة ليس أهمها كتابة التقارير الأمنية بزملائهم وأصدقائهم, وتسهيل بعض الأمور التي لا تليق بالمواطن الذي اضطروه إلى هذا الدرك ............ "وفي تلك الأيام الملعونة اخترعوا مثلا يقول: اللي بيعير مرته للسلطان ماحدا بيتجرأ يسميه عرصة" ! وفي تلك الأيام أصبح عمل الإنسان الشاطر هو أن يشتغل بأموال المتنفذين التي كوموها من الرشوات, والأتاوات, واستغلال النفوذ, وكأن قدر الإنسان السوري هو إثراء أولئك المتسلطين فقط.
وكان من المتوقع والمرتجى من هؤلاء الذين انتقلوا من الفقر المريع إلى الثراء المريع, وأعني متنفذي رجالات السلطة أن يعمدوا إلى مكافأة هؤلاء الذين أجهدوا أنفسهم, وأولادهم, في العمل لإثرائهم, فيحسنون شروط عملهم وحياتهم كما يفعل الهولنديون والدنماركيون في العناية بأبقارهم لتدر المزيد, وتكتسب المزيد من اللحم, لا أن يتعاملوا مع هؤلاء الذين كدوا لإثرائهم كتعامل أميي الريفيين مع أبقارهم العكشية "الداشرة", والتي يتركونها ترعى "هي وحظها" في تلال الله ووديانه حتى إذا ماكان المساء حلبوا منها ما تيسر, وهو خير وبركة فهم لم ينفقوا عليها قرشاً واحداً, ولم يعلموها شيئاً إلا الطاعة والطاعة فقط, أما الصحة فصحتها برية, والحمد لله, وإذا ما مرضت أو ماتت, أو أكلها ذئب "فهو نصيبها".
والغريب أن تدمير سورية هذا التدمير المنظم, والذي كان يقوم به الحريق عادة, حريق الأسواق, والمعابد, والبيوت, وجعل المدينة تلاً من ركام... وعلى قادمي السكان أن يعانوا الكثير في إزالة الأنقاض حتى إعادة الإعمارالذي سيستهلك منهم سنوات طويلة يكونون فيها منشغلين عمن يحكمهم, وعمن يحتلبهم, فالأهم هو العيش, واستعادة النسل والحياة, وقد شهدت هذه البلاد المنكوبة بموقعها الجغرافي عدة تدميرات كاملة ولكل المدن منذ الغزوة الفارسية الأولى, القرن السادس قبل الميلاد, وكانت الدولة تدعى بالإخمينية, والتي تسلط فيها الإخمينيون على سورية, والعراق "بابل" فدمروا كل شيء, العمارة, والمعابد, والأسواق, والأسوار, وكل ما بناه الانسان في ذلك العهد, و..... حين طرد الإسكندر الفرس من العالم القديم سياسياً تقريباً وجد السوريين ما يزالون منشغلين بإعادة الإعمار لايفكرون بسياسة, ولا برياسة, فالهم الوحيد هو العيش, والعيش فقط.
ربما كانت الفترة السلوقية " الفترة التي تلت وفاة الإسكندر "واحدة من الفترات الزاهية في تاريخ سورية, ففي تلك الفترة لم يكن لدى السوريين ما يقتتلون عليه, فلا اختلاف في الأديان أو المذاهب, فالكل يعبد مظاهر الطبيعة "ولتسمها ما شئت" فهي هي سميتها: شمس, أو شيمش, أو زيوس , أو جوبيتير, فستظل ذلك الكائن المعلق بالسماء, والباعث للحياة, وهكذا امتزجت الحضارتان والثقافتان في تساو, فكانت الهيلينستية أزهى فترات العصور الكلاسيكية, والتي لن تتكرر إلا في الأندلس بعد عدة مئات من السنين,....... ترك السلوقيون من خلفهم مدناً ما تزال حية حتى يومنا هذا, تركوا اللاذقية, وتركوا أفاميا, وتركوا الإسكندرونة وأنطاكية, ولم يتركوا الحرائق والخراب كمن سبقوهم..... ثم جاء الرومان اللاتين, وكانوا جنداً ريفيين أفظاظاً, ولكنهم لم يدمروا المدن, ولم يحرقوها, بل بنوا الملاعب والمسارح والمعابد العظيمة, وقد يعترض معترض, وأنا لا أخالفه كثيراً, بأن مدينتي اللاذقية وأفامية قد بنيتا بأيدي بنائين سوريين, وربما كان على حق, فهم لن يستقدموا بنائين ومهندسين من اليونان أو روما ليعمروا مدناً في سورية, وسورية بلد البنائين والمهندسين! ولكن المدن تسمى على اسم بناتها, واسم اللاذقية , وأفاميا اسمان لسيدتين سلوقيتين....... ثم يأتي الاعتراض على الاعتراض ليقول: لم كان كل ما نقرأ في كتب التاريخ أن مدمري المدن في سورية كانوا دائماً إما من الفرس, أو من المغول كهولاكوالوثني, وقازان وتيمور لنك المسلمين, ولمَ لم توجد مدينة واحدة في سورية كلها تحمل اسماً فارسياً, أومغوليا,أو أمر ببنائها فارسي,أومغولي بينما نشهد بأم أعيننا اليوم كيف يدمر الفرس وأعوانهم سورية مدينة مدينة, وبتصميم مسبق, وإرادة واعية, فسلاح إركاع السوريين, وإشغالهم بإعادة الإعمار إلى أن يتمكن الغازي في البلد سلاح مجرب, وقد أبدى نجاعته فيما مضى.
احتل الرومان اللاتين سورية, ولكنهم أدخلوا إلى سورية الملاعب, والمجالد التي كان العبيد يتجالدون فيها حتى الموت مع الوحوش, وفيما بعد وضعوا مكان العبيد "المسيحيين" الرافضين لعبادة الامبراطور. وبنى الرومان أقنية الري, وبنوا الطريق العظيم "الستراتوم" طريق العربات المبلط الواصل ما بين بصرى في جبل حوران وبين روما في إيطاليا المعاصرة,........ وغابت روما لترثها بيزنطه, وغابت بارثيا "فارس" لترثها ساسان, ولترث مع ميراثها شهوتها لاستكمال امبراطوريتها, وما استكمال الامبراطورية إلا في احتلال سورية, والوصول إلى البحر المتوسط !!!
احتل الفرس سورية العام "614"م, وعن هذا الاحتلال الذي سيشمت فيه جاهليو مكة بالرسول الكريم, فتنزل الآية الكريمة "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين", وتصدق نبوءة النبي الكريم لأن الروم سيعودون إلى سورية, ويطردون الفرس في العام "625"م, ولكنهم لن يطيلوا المقام ففي العام "636"م سيصل العرب المسلمون, ويطردون الروم, وتدخل سورية في عهد جديد, إنه العصر الأموي, إنه العصر الذي ستتصالح فيه سورية مع نفسها حين يقيم معاوية صلحاً وحلفاً مع القبائل العربية المسيحية في سورية, القبائل المقيمة في الجزيرة,السورية من بكر وتغلب, القبيلتان المسيحيتان والتي ينتمي الأخطل إلى تغلب منهما, والجزيرة كانت مسرح السيرة الشهيرة "الزير سالم", وأقام حلفاً مع القبائل المقيمة في بادية الشام من تحالف غطفان, وسيتزوج واحدة من بناتها "ميسون بنت بحدل الكلبية" التي سينجب منها ابنه يزيد, ومن تحالف غسان, ومن هذه الأحلاف ستنطلق الجيوش لتفتح الشرق الآسيوي حتى الصين زمن الحجاج, ومن هذه الأحلاف ستنطلق الجيوش الأموية لتصل في أوروبة حتى بواتييه, وسيذوب الكثير من هذه القبائل المسيحية في الجسم الإسلامي كما توقع عمر بن الخطاب حين كرمهم عن دفع الجزية, فالعرب لا يدفعون الجزية.
الثمرة الأولى للاندفاعة العربية خارج الجزيرة العربية كانت تمزق الدولة الساسانية ومقتل يزدجرد كسراها, وهرو ب ابنه فيروز إلى الصين الحليف القديم طالباً العون والنجدة, ولن يخيب الامبراطور الصيني أمله, فبعد بضع سنين سيعود فيروز ومعه جيش صيني لطرد العرب, واستعادة الحكم الساساني, ولكن لا الصين ولا فيروز استطاع عبور سجستان إلى الجسم الفارسي نفسه, وعاد فيروز إلى الصين حسب نصيحة الصينيين, وانتهت أسطورة الأسرة الساسانية كما انتهت قبلها أسطورة الأخمينيين والبارثيين, ولكن هل انتهت الحكاية السورية الإيرانية.
أسلم الفرس, واهتدوا, وحسن إسلامهم , وخرج منهم الأعلام في الفقه, والحديث, والنحو, والأدب, ولكن هل تخلوا عن حلم انتقامهم لسقوط الامبراطورية الساسانية, فهاهم ينضمون إلى الناقمين على الدولة الأموية, وينضمون إلى الثائرين عليها تحت اسم الساعين إلى "الرضا من أهل البيت", وفجأة يقفز إلى المقدمة أبو مسلم الخراساني وهو على أحد الآراء حفيد لآخر الأكاسرة يزدجرد ممن كان محتقناً بالرغبة في الانتقام, واستعادة المملكة الفارسية, و..... يتعرف على أبوالعباس السفاح, ويلتقي الراغبان في الانتقام, ويتم الغدر بالأموي مروان بن محمد الذي كان يحارب الخزرعند باب الأبواب" الدربند", فيضطر إلى الانسحاب حتى أنشاص في مصر ليقتل هناك, وكان قائد الجيوش العباسية أبو مسلم الخراساني الذي دخل دمشق يحمل الرايات التي تصرخ "يا لثارات القادسية".
انتقم الفرس لإسقاط امبراطوريتهم, وأسقطوا الدولة الأموية وليتهم اكتفوا بذلك, فلقد دمروا المدينة, ونبشوا قبور الخلفاء الأمويين, وأخرجوا الرمم من قبورها, وقاموا بجلدها وإحراقها, وكان انتقامهم نموذجياً ذكر الدمشقيين بجرائم سابقة لهم في تدمير المدن, وترك بصمتهم التي لاينافسون عليها, التدمير المنظم, انتقامهم الأخير من المدن.
حين قامت الدولة البويهية "وكانت شيعية" لم تسقط الدولة العباسية, وكان ذلك بإمكانها, ولكنها لم تفعل, فلو فعلت لصارت تابعة لمصر الفاطمية, وكانت الدولة البويهية شبه مستقلة, فالخليفة العباسي حسب النظرية الشيعية غاصب ولا طاعة له, أما الخليفة الفاطمي فواجب الطاعة, وهكذا غلّبوا الانتهازية السياسية على المذهبية الدينية, ثم.... وصلت طوران, الخصم التاريخي في آسيا لإيران, وما عماد "الشاه نامة" الملحمة الفارسية الشهيرة كلها إلا على الحرب على الزعامة في آسيا بين إيران وطوران.
وصلت طوران تحت اسم السلاجقة, فطردوا البويهيين, وأعادوا الدولة سنية, ولكن الأهم هو أنهم لم يدمروا المدن السورية, وبعد مئتين أو يزيد من السنين سيصل المغول.
كان المغول وهم فرع من طوران يضم المغول, والتتار, والجغتائيين, فأما المغول, فكان منهم جنكيز خان الذي امتدت امبراطوريته من كوريا وحتى بولنده, وكان حفيده هولاكو وهو أمير لم يصل أبداً إلى منصب الخاقان , أو الامبراطور. كان المغول بدواً من الرعاة الذين لا كلفة في غزواتهم وأسفارهم مهما طالت, فغذاؤهم قطعة لحم مجففة "قديد" تدس تحت سرج الحصان, فإذا ما استهلكها عمد إلى حصانه, ففصده, وامتص بعضاً من دمه.
بهذا التقشف غزوا خوارزم, وإيران, والشرق الإسلامي, ودمروا كل من قاومهم, ونهبوا ما غلا ثمنه, أما الباقي فأحرقوه, وكانت هذه طريقتهم في التدمير. هل اكتسبوا هذه العادة الذميمة من الفرس, أم أنها خصلة آسيوية أصيلة, وعلى أية حال, فالمغول سيسلمون بعد هولاكو الوثني, ولكن إسلامهم لن يهذب من وحشيتهم شيئا, فقازان المسلم سيدمر ويخرب الشام كلما عبر الفرات, وقد فعلها أكثر من مرة, أما تيمورلنك المسلم, فسيدمر معظم آسيا المسلمة, ويحرق مدنها وهو يحاجج بالإسلام, ومحاججته لعلماء دمشق ومشايخها وفيهم ابن خلدون كانت في سؤالهم: من من الرجلين, علي ومعاوية كان على حق؟ ولنا أن نتصور نوع الجواب, ونوع الجزاء!......ولم يفد الشرق الإسلامي من إسلامه إلا الخراب والحريق!! و......وجد الغزاة الحل: السوريون مجتمع بناة, ولكن لبيوتهم الخاصة, ومدنهم الخاصة. حسن.. دمروا لهم ما بنوه, وسيضيعون السنين الطويلة في إعادة الإعمار, وسينسون في هذه السنين من يحكمهم, ومن يحتلبهم, ومن يطغى عليهم منتظرين فرجاً لا يصنعونه, بل يسقط عليهم من السماء استجابة لدعواتهم .
والآن ومهدي طائب يعلن بوقاحة غير مفهومة أن سورية هي المحافظة "35" في الدولة الإيرانية, ويضمر ما لم يعلنه في سؤاله: أإيران "الولي الفقيه "هي وارثة الإخمينية والساسانية؟ أم أنها دولة الثورة الاسلامية؟ ويلح السؤال: أكان هذا الإعلان حلم يقظة, أم تسرعاً في قراءة الحلم, وجهلاً في قراءة خارطة الإمبراطوريات المعاصرة, ومدى رغبتها في انضمام امبراطورية صغيرة جديدة إلى المنظومة, أم أنه السعي وراء وعد أضاع العرب في السعي وراءه قرناً كانت فيه دول أخرى كاليابان وماليزيا يبنيان الحاضر دون تفكير في ماض امبراطوري لا أمل منه, أما العرب ففكروا, وأضاعوا قرنا كانوا في أمس الحاجة إليه.

تعليق



وائل باهر شعبو

2017-11-12

كس أختا لأيران هههههههه ياريت كان قبضايات العثمانيين و الخليج التقدميين (السُّنة ) هنن اللي انتصروا على الشيعة الفرس الروافض المجوس تبع زواج المتعة .....ألخ ،كانت عقد ة النقص اللي بتدل على ضعف فكري وقوة طائفية ما فاشت عند المثقفين اللي ما بيقبضوا من الوهابية الديمقراطية أو الأخونجية التنويرية، وكان هؤلاء التنويريين الخليجين قدموا نموذج في الحرية والإبداع وأول شي عملوه بالتأكيد كانوا وضعوا دستور علماني حرر الشعب السوري من أمراضه التاريخية المزمنة .المعارضة غير الوطنية "يعني اللي بتشغل لحساب حدا " مو أكلت خازوق ثلاثي مجوسي سلافي أسدي مبشم من أعدائها بس ، لكن قبلها كان الخازوق عثماني خليجي دولي يعني خازوق سداسي، ورغم هيك هي بتتحمل خوازيق الله ومحمد منشان حرية الشعب السوري من إيران وروسيا والأسد بانتظار ملائكة العريفي والقرضاوي وأوغلو و ترامب .تكبييييييييير

رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

ولكن لماذا الحسين الآن؟

25-تشرين الثاني-2017

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow