Alef Logo
دراسات
              

العمارة الإسلامية في الأندلس / زينب محمود ناصر الكنعاني

خاص ألف

2017-12-02

تميزت الدولة الإسلامية في الأندلس بنشاط تجاري وثقافي وعمراني ملحوظ فقامت بتشييد الكثير من روائع العمارة الإسلامية في الأندلس، وقد نالت الحضارة العمرانية اهتماما كبيرا من الولاة وغيرهم من سراة الأمة، وهي نتيجة للإزدهار الحضاري الذي شمل جوانب الحياة وخاصة الإقتصادية. وآثارها الباقية إلى الآن تنطق بمدى ما وصلت إليه قوتهم العمرانية.
وعلى الرغم من مرور نحو ألف عام على سقوط الخلافة الأموية من الأندلس إلا أنه ما زالت هناك العديد من الآثار الخالدة التي تشهد على عظمة فن العمارة الأندلسية. ويمكن تصنيف فن العمارة في الأندلس إلى عمارة مدنية وعمارة دينية. فقد قاموا بإنشاء المدن لتعزيز مركزهم وتكوين قاعدة لهم .
إنشاء المدن
أنشا المسلمون في الأندلس عدة مدن لتكون مركزا للمسلمين وقاعدة لهم ومنها:
أ- مدينة الزهراء
أنشأها أبو المظفر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب بالناصر وهي من عجائب أبنية الدنيا وابتدأ في بنائها أول يوم من محرم سنة 523 هـ . بالقرب من قرطبة وكانت المسافة فيما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع. وكان بها أربعة الآف وثلاثمائة سارية وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب.
وفيها العمارات المشيدة وتمثل نموذجا في الإتقان والحسن، حيث استعمل فيها الكثير من قطع المرمر والعمد ،وجرت فيها المياه أو حاطتها البساتين وفيها يقول الشاعر السميسر:
وقفت بالزهراء مستعبرا
معتبرا أندب أشتاتا
فقلت: يازهرا ألا فارجعي
قالت: وهل يرجع من ماتا؟
فلم أزل أبكي وأبكي بها
هيهات يفني الدمع هيهاتا
كأنما آثار من قد مضى
نوادب يندبن أمواتا
أما الخدم والعمال الذين كانوا يقومون بالخدمة فبلغ عددهم عشرة آلاف رجل ما عدا الدواب التي بلغ عددها ألف وخمسمائة دابة. وكانت الأجور تختلف أيضا، فهناك من له درهم ونصف ومن يأخذ درهمين أو ثلاثة.
وجلب الناصر للعمارة الرخام الأبيض من المرية والوردي والأخضر من أفريقيه والحوض المنقوش المذهب من الشام. وبلغ عدد السواري التي من أفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية.
وذكر المقري نقلا عن ابن حيان مبالغ أنفقها عبد الرحمن الناصر في بناءالمدينة، وبلغ عددها ستة الآف صخرة من الصخر المنحوت المنجور سوى الصخر الذي يستخدم في التبليط الذي لم يدخل في العدد المذكور. لذلك كان يستعمل في البناء كل يوم ألف وأربعمائة بغل منها أربعمائة زوامل ملكيتها للناصر لدين الله، ومن الدواب الراتبة للخدمة ألف بغل، لكل بغل منها ثلاثة مثاقيل أجر في الشهر. وكان ما يرد للزهراء كل ثلاثة أيام من مواد البناء من الجص والجير بمعدل مائة وألف حمل، وكان بها حمامان واحد للقصر، وآخر للعامة.
وذكر المقري سبب بناء وتسمية مدينة الزهراء فقال ذكر الشيخ محيي الدين بن عربي في المسامرات أن الناصر ماتت له إحدى الجواري المحظيات وخلفت أموالا طائلة فنوى أن يحرر بها أسرى المسلمين عند بلاد الافرنج ولما لم يجد أي أسير، اقترحت علية جارية أخرى اسمها الزهراء التي كان يحبها حبا عظيما وأراد أن يخلدها في مدينة تحمل اسمها فبنى الزهراء تحت جبل العروس.
ب- مدينة الزاهرة
أنشأها المنصور بن أبي عامر سنة ثمان وستين وثلاثمئة على نهر قرطبة الأعظم، وجلب إليها الآلات الجليلة. فكان هناك توسع في خطتها وانتشارها وانبساطها ومبالغة في ارتفاع أسوارها. وعمل على تسوية أراضيها المرتفعة والمنخفضة الأنجاد والأغوار، و نتيجة لذلك اتسعت تلك المدينة في وقت قياسي حيث تم بناؤها في عامين. وانتقل اليها المنصور سنة ثلاثمائة وسبعين ونزلها بخاصته وعامته، وجعل فيها أسلحته وأمتعته وأمواله، واتخذ منها مقرا للدواوين، وحافظ على تهوية بيوتها ونصب في ساحاتها الطواحين.
وينقل الينا الشعر وصفا لتلك المدينة يدل على ازدهارها :
انظر الى النهر فيها ينساب كالثعبان
والطير يخطب شكرا على ذرا الاغصان
والقضب تلتف سكرا بميس القضبان
والروض يفتر زهوا عن مبسم الاقحوان
والنرجس الغض يرنو بوجنة النعمان
و راحه الريح تمتار نفخة الريحان
فدم مدى الدهر فيها في غبطه وامان
وكان سبب بنائها عندما أستفحل أمر المنصور، واتقد جمره وظهر استبداده، أراد المباهاة والتعبير عما وصل إليه من سلطان لا يقل عن سلطان الخلفاء الكبار أمثال الناصر فابتنى الزاهرة مقابل الزهراء. كما أراد أن تكون الزاهرة حصنا له يحميه إذ خاف على نفسه بعد أن كثر حساده وتحالف عليه أضداده.
وقال أحد الشعراء عن مباني الزاهرة:
كأنما الوحي يأتيه بأرسمها من الجنان فلا يعدو الذي أمره
كأنما عمد الإبهاد اذ برزت سوق تبدت من أنوار منحسره
كأنما طرر القباء ماثلة غيد لوى الحسن في لباتها طرره
وقد بلغ ملك محمد بن أبي عامر ذروته منذ نزل قصر الزاهرة، فتوسع بمرور الأيام بناؤها حتى اكتملت، وازدهرت، وبلغت ذروة الجمال وحسن البناء والسعة. وقد زاد في رونقها اعتدال هوائها طقسها.
وفيها يقول صاعد اللغوي:
يا أيها الملك المنصور من يمن والمبتني نسبا غير الذي انتسبا
بغروة في قلوب الشرك رائعة بين المنايا تناغي السمر والقضبا
أما ترى العين تجري فوق مرمرها هوى فتجري على أحفافها الطربا
أجربتها فطما الزاهي بجريتها كما طموت فسدت العجم والعربا
تخال فيه جنود الماء رافلة مستلئمات تربك الدرع واليلبا
تحفها من فنون اليك زاهرة قد أورقت فضة إذا أورقت ذهبا
بديعة الملك ماينفك ناظرها يتلو على السمع منها آية عجبا
لا يحسن الدهر أن ينشي لها مثلا ولو تعنت فيها نفسه طلبا

العمارة الدينية

أ- مسجد قرطبة
تعرف قرطبة بقاعدة الأندلس فتميزت بذلك عن غيرها من المدن بعمرانها ومن أهم المباني التي احتوتها قرطبة مسجدها المعروف بالمسجد الجامع ووصف المقري المسجد بقوله ))ليس في بلاد الإسلام اعظم منه ولا أعجب بناء واتقن صنعه وكلما اجتمعت منه اربع سواري كان رأسها واحدا ثم صف رخاء منقوش بالذهب واللازورد في أعلاه وأسفله)).
وكان عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل هو الذي بدأ بناء المسجد الجامع في قرطبة وقد دامت مدة بنائه 12 شهرا ولم يكمل الداخل بناءه في زمانه وأنفق عليه ثمانين ألف دينار. وكان في مسجد قرطبة ثلاثمائة وستون طابقا، أي على عدد أيام السنة تقريبا. وكانت الشمس تدخل كل يوم من طابق إلى أن يتم الدور ثم تعود. وكان في جامع قرطبة تنور من نحاس أصفر يحمل ألف مصباح وفيه أشياء غريبة من الصنائع العجيبة وفيه ثلاثة اعمدة من رخام أحمر منقوش
على الواحد اسم محمد وعلى الآخر صورة عصا موسى واهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح علية الصلاة والسلام والثالثة خلقها الله تعالى ولم يصنعها صانع. وقد اختلف الغساني مع المقري في عدد السواري والأبواب فقال إنها تبلغ ألفا وثلاثمائة وستين سارية كلها من الرخام الأبيض وبين كل سارية قوس فوق قوس آخر. وعدد الأبواب أربعة عشر بابا وقد سد كثير من الأبواب. وحصل للجامع عدة زيارات اذ قام عبد الرحمن بن معاوية بتوسيعه واتقان بنائه وكانت أخته أم الأصبغ ترسل إليه غرائب الأشجار من الشام مثل الرمان العجيب وقام بإنشاء حديقة للجامع. ويقول ابن دحية بن محمد البلوي في الزيادة التي أحدثها عبدالرحمن:
وأنفق في دين الإ له ووجهه ثمانين ألفا من لجين وعسجد
وكمل بناء المسجد في عهد عبد الرحمن الداخل سنة سبعين ومائة خلال تجديده له أما الزيادة الثانية فحصلت في عهد ابنه هشام الزيادة الثالثة وحصلت في عهد عبد الرحمن الأوسط وزاد فيه بهوين جديدين من ناحية القبلة أي في الناحية الجنوبية الموازية للنهر ويقول في ذلك المثنى شاعر عبد الرحمن الأ وسط من قصيدة:
بنيت لله خير بيت يخرس عن وصفه النام
حج إليه بكل أدب كأنه المسجد الحرام
كأن محرابه إذ ماحف به الركن والمقام
وهلك قبل أن يتم الزخرفة فأتمها ولده محمد بن عبد الرحمن.
ب- مسجد أشبيلة
مدينة أشبيلية مركز حركة ثقافية عريقة ولها جامعة قديمة تحتوي على كليات الآداب والحقوق وكلية للعلوم وللطب وتدرس العربية قليلا بكلية الآداب. وبها الجامع وهو عجيب البنيان وصومعته بديعة الصناعة وأركانها الأربعة عمود فوق عمود الى أعلاها في كل ركن ثلاثة أعمدة ويحتوي على منارة بناها يعقوب المنصور ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها. وغرس في صحنه أشجار النارنج والبرتقال وتتوسطه قطعة من الرخام تنبثق منها
نافورة على شكل محارة.
ج- مسجد أقليش
يعد هذا المسجد من عجائب الأندلس خاصة البلاط الأوسط منه اذ بلغ طول كل دعامة مائة واحد عشر شبرا وكانت تلك الدعائم منحوتة مستوية الأطراف.
د- مسجد مالقة
مدينة مالقة مدينة حسنة عامرة كثيرة الدياربها مسجد كبير الساحة ))شهير البركة وصحنه لانظير له في الحسن وفيه اشجار النارنج البديعة(( وحسب وصف الحميري فإ ن جامع مدينة مالقة يتألف من خمس بلاطات.
ه- مسجد الزهراء
في الوقت الذي بنى فيه عبد الرحمن الناصر مدينة الزهراء بنى مسجدها أيضا فعمل فيها الف نسمة من العمال والصناع الماهرين والبنائين كل يوم وكانوا يتوزعون حسب مهاراتهم وأهميتهم فهناك ثلاثمائة بناء ووجد مائة نجار وخمسمائة من سائر الصنائع والعمال فتم بناء ذلك المسجد في مدة ثمانية وأربعين يوما فجاء في اتقان حسن بخمسة أبهاء عجيبة الأحكام, أما طوله مكان القبلة الى الوسط ماعدا المقصورة فقد كان ثلاثة عشر ذراعا وعرض كل بهو من الأبهاء الأربعة اثنى عشر ذراعا وطول الصحن ثلاثة وأربعون ذراعا والعرض واحد وأربعون ذراعا وقد فرش بالرخام الخمري وفي وسطه فوارة يجري فيها الماء والذي يميز هذا الجامع طوله البالغ ماعدا المحراب سبعة وتسعون ذراعا وعرضه تسعة وخمسون ذراعا وارتفاع صومعته أربعون ذراعا اما عرضها فقد كان عشرة أذرع وكانت شبيهة بالمئذنة الأولى لجامع قرطبة التي أقامها الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل. وأما الناصر لدين الله أمر بصنع منبر بديع لهذا المسجد فتم عمله في غاية الجودة وكانت تحيط به مقصورة عجيبة الصنع فتم وضع هذا المنبر بعد إكماله في موضعه يوم الخميس لسبع بقين من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
العمارة المدنية
أ- القصور
لم يقتصر اهتمام الخلفاء على العمارة الدينية وانما قاموا ببناء القصور الضخمة من أجل رفاهيتهم ومن أهم هذه القصور:
قصر قرطبة
وفق رأي المقري الذي نقله عن ابن بشكوال أن قصر قرطبة قصر تداولته الأمم من عهد موسى النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم حيث امتاز بالآثار العجيبة لأمم تعاقبت عليه كاليونانيين والروم والغوط وسالف الامم وقد أبدع في هذا القصر خلفاء بني أمية منذ افتتاح الأندلس وزادوا في حدائقه ورياضه فجلبوا إليه الماء العذب من جبال قرطبة من مسافات بعيدة وزودوا القصر بالموائد التي أوصلوها اليه وكانت في القصر قنوات مصنوعة من الرصاص تعملها مصانع خاصة تصنع للقصر صورا مختلفة من الذهب الخالص والفضة والنحاس تمتد تلك الصور الى البحيرات الكبيرة والبرك والصهاريج في أحواض الرخام المزخرفة. ولهذا القصر عدة أبواب منها باب فتح لنصرة المظلومين وعلى هذا الباب حلقان ثبتت في قواعدهما صورة إنسان مفتوح الفم وتلك الحلقات جلبت من مدينة بأرونة التي كانت واقعة في بلاد الأفرنج ثم افتتحها الأمير محمد فجلب حلقها الى هذا الباب وللقصر باب قبلي يعرف بباب الجنان وله باب ثالث يعرف بباب الوادي وهناك باب يوجد في شمال القصر يعرف بباب قورية وباب رابع يدعى بباب الجامع وهو باب قديم اعتاد أن يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة وهم في طريقهم الى المسجد الجامع وكان لهذا القصر أبواب أخرى طمست بسبب فتنة المهدي بن عبد الجبار. ويحتوي هذا القصر على القصاب العالية. وكانت دور قصر قرطبة أربعمائة دار ونيفا وثلاثين وعدد دور الرعايا والعامة الواجب على أهلها المبيت داخل السور مائة ألف دار وثلاثة عشر الف دار ما عدا دور الوزراء وكبار الناس. ابتنى هذا القصر الناصر وجعله في منتهى الجلالة والفخامة ولم يتبين مثله في الإسلام البتة. وجلب اليه الماء من الجبل واستدعى المهندسين والبنائين من كل قطر فقدموا إليه من بغداد

قصور بني ذي النون
هو قصر بناة المأمون بن ذي النون ملك طليطلة فصرف عليه المال الطائل وقد عمل في وسطه بحيرة في وسطها قبة من الزجاج المنقوش بالذهب وقام بجلب الماء إلى أعلى القبة بتخطيط المهندسين الأكفاء حيث صار الماء يهبط من أعلى القبة على جوانبها فيحيط بها ويتصل بعضه ببعض فكان المأمون يجلس في القبة والماء الجاري الذي لا ينقطع ووصف أبو محمد المصري قصر طليطلة بقوله :
قصر بقصر مداه الفرقد عذبت مصاد ره وطاب المورد
نشر الصباح عليه ثوب مكارم فعليه الوية السعادة تعقد
وكأنما المأمون في أرجائه بدر تمام قابلته أسعد
وكأنما القداح في راحاته در جماد ذاب فيه العسجد
ووصف أيضا البركة والقبة عليها :
شمسية النساب بدرية يحار في تشبيهها الخاطر
كأنما المأمون بدر الدجى وهي عليه الفلك الدائر
ومن ذلك يتبن لنا أن الأمويين اهتموا ببناء القصور وبرعوا فيها وانفقوا عليها الأموال الطائلة والدليل على ذلك انهم جلبوا اليها المهندسين والبنائين من مختلف البلاد .

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow