Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 12 المؤلف : الخطيب القزويني

ألف

خاص ألف

2017-12-16


الفن الثالث في علم البديع

وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة وهذه الوجوه ضربان ضرب يرجع إلى المعنى وضرب يرجع إلى اللفظ أما المعنوي فمنه المطابقة وتسمى الطباق والتضاد أيضا وهي الجمع بين المتضادين أي معنيين متقابلين في الجملة ويكون ذلك إما بلفظين من نوع واحد اسمين كقوله تعالى { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } أو فعلين كقوله تعالى { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء } وقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) وقول أبي صخر الهذلي
( أما والذي أبكى وأضحك والذي ** أمات وأحيا والذي أمره الأمر )
وقول بشار
( إذا أيقظتك حروب العدى ** فنبه لها عمرا ثم نم )


أو حرفين كقوله تعالى { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } وقول الشاعر
( على أنني راض بأن أحمل الهوى ** وأخلص منه لا علي ولا ليا )
وإما بلفظين من نوعين كقوله تعالى { أو من كان ميتا فأحييناه } أي ضالا فهديناه وقول طفيل
( بساهم الوجه لم تقطع أباجله ** يصان وهو ليوم الروع مبذول ) ومن لطيف الطباق قول ابن رشيق
( وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ** نجوم العوالي في سماء عجاج ) وكذا قول القاضي الأرجاني
( ولقد نزلت من الملوك بماجد ** فقر الرجال إليه مفتاح الغنى ) وكذا قول الفرزدق
( لعن الإله بني كليب إنهم ** لا يغدرون ولا يفون لجار )
( يستيقظون إلى نهيق حمارهم ** وتنام أعينهم عن الأوتار )
وفي البيت الأول تكميل حسن إذ لو اقتصر على قوله لا يغدرون لاحتمل الكلام ضربا من المدح إذ تجنب الغدر قد يكون عن عفة فقال ولا يفون ليفيد أنه للعجز كما أن ترك الوفاء للؤم وحصل مع ذلك إيغال حسن لأنه لو اقتصر على قوله لا يغدرون ولا يفون تم المعنى الذي قصده ولكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدا حيث قال لجار لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من ترك الوفاء لغيره والطباق قد يكون ظاهرا كما ذكرنا وقد يكون خفيا نوع خفاء كقوله تعالى { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا }
طابق بين أغرقوا وأدخلوا نارا
وقول أبي تمام
( مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ** قنا الخط إلا أن تلك ذوابل )
طابق بين هاتا وتلك والطباق ينقسم إلى طباق الإيجاب كما تقدم وإلى طباق السلب وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي أو أمر ونهي كقوله تعالى { ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } وقوله { فلا تخشوا الناس واخشون } وقول الشاعر
( وننكر إن شئنا على الناس قولهم ** ولا ينكرون القول حين نقول ) وقول البحتري
( يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ** ويسري إلى الشوق من حيث أعلم )
وقول أبي الطيب
( ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ** ولقد جهلت وما جهلت خمولا )

وقول الآخر
( خلقوا وما خلقوا لمكرمة ** فكأنهم خلقوا وما خلقوا )
( رزقوا وما رزقوا سماح يد ** فكأنهم رزقوا وما رزقوا )
قيل ومنه قوله تعالى { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } أي لا يعصون الله في الحال ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل وفيه نظر لأن العصيان يضاد فعل المأمور به فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضادا ومن الطباق قول أبي تمام
( تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ** لها الليل إلا وهي في سندس خضر ) وقول أبي حيوس
( طالما قلت للمسائل عنكم ** واعتمادي هداية الضلال )
( إن ترد علم حالهم عن يقين ** فألقهم يوم نائل أو نزال )
( تلق بيض الوجوه سود مثار النقع ** خضر الأكناف حمر النصال )
وقول الحريري فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر اسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر
ومن الناس من سمى نحو ما ذكرناه تدبيجا وفسره بأن يذكر في معنى من المدح أو غيره ألوان بقصد الكناية أو التورية أما تدبيج الكناية فكبيت أبي تمام وبيتي ابن حيوس وأما تدبيج التورية فكلفظ الأصفر في قول الحريري ويلحق بالطباق شيئان أحدهما نحو قوله تعالى { أشداء على الكفار رحماء بينهم }

) فإن الرحمة مسببة عن اللين الذي هو ضد الشدة وعليه قوله تعالى { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل لأن الحركة ضربان حركة لمصلحة وحركة لمفسدة والمراد الأولى لا الثانية ومن فاسد هذا الضرب قول أبي الطيب
( لمن تطلب الدنيا إذا لمن ترد بها ** سرور محب أو إساءة مجرم )
فإن ضد المحب هو المبغض والمجرم قد لا يكون مبغضا وله وجه بعيد والثاني ما يسمى إيهام التضاد كقول دعبل
( لا تعجبي يا سلم من رجل ** ضحك المشيب برأسه فبكى ) وقول أبي تمام
( ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ** إلا بحيث ترى المنايا سودا )
وقوله أيضا في الشيب
( له منظر في العين أبيض ناصع ** ولكنه في القلب أسود أسفع ) وقوله
( وتنظري خبب الركاب ينصها ** محيي القريض إلى مميت المال )

المقابلة

ودخل في المطابقة ما يخص باسم المقابلة وهو أن يؤتى

بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب والمراد بالتوافق خلاف التقابل وقد تتركب المقابلة من طباق وملحق به مثال مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )
وقول الذبياني
( فتى ثم فيه ما يسر صديقه ** على أن فيه ما يسوء الأعاديا ) وقول الآخر
( فوا عجبا كيف اتفقنا فناصح ** وفي ومطوي على الغل غادر )
فإن الغل ضد النصح والغدر ضد الوفاء
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة قول أبي دلامة
( ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ) وقول أبي الطيب
( فلا الجود يفني المال والجد مقبل ** ولا البخل يبقي المال والجد مدبر )
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } فإن المراد باستغنى أنه زهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتق أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يتق قيل وفي قول أبي الطيب
( أزورهم وسواد الليل يشفع لي ** وأنثني وبياض الصبح يغري بي )
مقابلة خمسة بخمسة على أن المقابلة الخامسة بين لي وبي وفيه نظر لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين فهما من تمامهما وقد رجح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة مع سهولة النظم وبأن قافية هذا ممكنة وقافية ذاك مستدعاة فإن ما ذكره غير مختص بالرجال وبيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح
ومن لطيف المقابلة ما حكي عن محمد بن عمران الطلحي إذ قال له المنصور بلغني أنك بخيل فقال يا أمير المؤمنين ما أجمد في حق ولا أذوب في باطل
وقال السكاكي المقابلة أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما ثم إذا شرطت هنا شرطا شرطت هناك ضده كقوله تعالى { فأما من أعطى } الآيتين لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك وهي المنع والاستغناء والتكذيب

مراعاة النظير

ومنه مراعاة النظير وتسمى التناسب والائتلاف والتوفيق أيضا وهي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد كقوله تعالى { الشمس والقمر بحسبان } وقول بعضهم للمهلبي الوزير أنت أيها الوزير إسماعيلي الوعد شعيبي التوفيق يوسفي العفو محمدي

الخلق
وقول أسيد بن عنقاء الفزاري
( كأن الثريا علقت في جبينه ** وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر )
وقول الآخر في فرس
( من جلنار ناضر خده ** وأذنه من ورق الآس ) وقول البحتري في صفة الإبل الأنضاء
( كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار ** ) وقول ابن رشيق
( أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ** من الخبر المأثور منذ قديم )
( أحاديث ترويها السيول عن الحيا ** عن البحر عن كف الأمير تميم )
فإنه ناسب فيه بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والأحاديث والرواية ثم بين السيل والحيا والبحر وكيف تميم مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث فإن السيول أصلها المطر والمطر أصله البحر على ما يقال ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة
ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى كقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر والخبرة تناسب من يدرك شيئا فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به وقوله تعالى { له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد } قال الغني الحميد لينبه على أن ماله ليس لحاجة بل هو غني عنه جواد به فإذا جاد به حمده المنعم عليه ومن خفي هذا الضرب قوله تعالى { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فإن قوله { وإن تغفر لهم } يوهم أن الفاضلة الغفور الرحيم ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن تكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لأن العزيز في صفات الله هو الغالب من قولهم عزه يعزه عزا إذا غلبه ومنه المثل من عزيز أي من غلب سلب ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشيء في محله والله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفي وجه الحكمة في بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن أي وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك والحكمة فيما فعلته ومما يلحق بالتناسب نحو قوله تعالى { الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان } ويسمى إيهام التناسب وأما ما يسميه بعض الناس التفويف هو أن يؤتى في الكلام بمعان متلائمة في جمل مستوية المقادير أو متقاربتها كقول من يصف سحابا


( تسربل وشيا من خزوز تطرزت ** مطارفها طرزا من البرق كالتبر )
( فوشي بلا رقم ونقش بلا يد ** ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر ) وكقول عنترة
( أن يلحقوا أكرر وإن يستلحقوا ** أشدد وإن نزلوا بضنك أنزل )
وكقول ابن زيدون
( ته أحتمل واحتكم أصبر وعز أهن ** ودل أخضع وقل أسمع ومر أطع )
وكقول ديك الجن
( أحل وامرر وضر وانفع ولن واخشن ** ورش وابر وانتدب للمعالي )
فبعضه من مراعاة النظير وبعضه من المطابقة

الإرصاد

ومنه الإرصاد ويسمى التسهيم أيضا وهو أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو البيت ما يدل على العجز إذا عرف الروي كقوله تعالى { وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } وقوله { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } وقول زهير
( سئمت تكاليف الحياة ومن يعيش ** ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ) وقول الآخر
( إذا لم تستطع شيئا فدعه ** وجاوزه إلى ما تستطيع )

وقول البحتري
( أبكيكما دمعا ولوأني على ** قدر الجوى أبكي بكيتكما دما ) وقوله
( أحلت دمي من غير جرم وحرمت ** بلا سبب يوم اللقاء كلامي )
( فليس الذي حللته بمحلل ** وليس الذي حرمته بحرام )

المشاكلة

ومنه المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا أما الأول فكقوله
( قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ** قلت اطبخوا لي جبة وقميصا )
كأنه قال خيطوا لي وعليه قوله تعالى { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } وقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ومنه قول أبي تمام
( من مبلغ أفناء يعرب كلها ** أني بنيت الجار قبل المنزل )
وشهد رجل عند شريح فقال إنك لسبط الشهادة فقال الرجل إنها لم تجعد عني
فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها.
ومنه قول بعض العراقيين في قاض شهد عنده برؤية هلال الفطر فلم يقبل شهادته
( أترى القاضي أعمى ** أم تراه يتعامى )


( سرق العيد كأن العيد ** أموال اليتامى )
وأما الثاني فكقوله تعالى { صبغة الله } وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله { آمنا بالله } والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم { قولوا آمنا بالله } وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا أو يقول المسلمون صبغنا الله بالإيمان صبغة ولم يصبغ صبغتكم وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ لأن قرينة الحال التي هي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر دلت على ذلك كما تقول لمن يغرس الأشجار أغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام
ومنه الاستطراد وهو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به لم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني كقول الحماسي
( وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ** إذا ما رأته عامر وسلول ) وقول الآخر
( إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ** فليس به بأس وإن كان من جرم ) وعليه قوله تعالى { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون }

) قال الزمخشري هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر السوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى هذا أصله وقد يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كقول أبي إسحاق الصابي
( إن كنت خنتك في المودة ساعة ** فذممت سيف الدولة المحمودا )
( وزعمت أن له شريكا في العلى ** وجحدته في فضله التوحيدا )
( قسما لو أني حالف بغموسها ** لغريم دين ما أراد مزيدا )
ولا بأس أن يسمى هذا إيهام الاستطراد
ومنه المزاوجة وهي أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء كقول البحتري
( إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ** أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر )
وقوله أيضا
( إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ** تذكرت القربى ففاضت دموعها )

العكس والتبديل

ومنه العكس والتبديل وهو أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر ويقع على وجوه منها أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليها كقول بعضهم عادات السادات سادات العادات ومنها أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين كقوله تعالى { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي }

) وكقول الحماسي
( فرد شعورهن السود بيضا ** ورد وجوههن البيض سودا )
ومنها أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين كقوله تعالى { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } وقوله { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } وقوله { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } وقول الحسن البصري إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن أمنك حتى تلقى الخوف
وقول أبي الطيب
( فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ** ولا مال في الدنيا لمن قل مجده ) وقول الآخر
( إن الليالي للأنام مناهل ** تطوى وتنشر دونها الأعمار )
( فقصارهن مع الهموم طويلة ** وطوالهن مع السرور قصار )

الرجوع

ومنه الرجوع وهو العود على الكلام السابق بالنقص لنكتة كقول زهير
( قف بالديار التي لم يعفها القدم ** بلى وغيرها الأرواح والديم )
قيل لما وقف على الديار تسلطت عليه كآبة أذهلته فأخبر بما لم

يتحقق فقال لم يعفها القدم ثم ثاب إليه عقله فتدارك كلامه فقال بلى وغيرها الأرواح والديم وعلى هذا بيت الحماسة
( أليس قليلا نظرة إن نظرتها ** إليك وكلا ليس منك قليل ) ونحوه
( فأف لهذا الدهر لا بل لأهله ** )

التورية

ومنه التورية وتسمى الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد منهما وهي ضربان مجردة ومرشحة أما المجردة فهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المورى به أعني المعنى القريب كقوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } وأما المرشحة فهي التي قرن بها ما يلائم المورى به إما قبلها كقوله تعالى { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } قيل ومنه قول الحماسي
( فلما نأت العشيرة كلها ** أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر )
( فما أسلمتنا عند يوم كريهة ** ولا نحن أغضينا الجفون على وتر )
فإن الإغضاء مما يلائم جفن العين لا جفن السيف وإن كان المراد به إغماد السيوف لأن السيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه وإذا جرد انفتح للخلاء الذي بين الدفتين وإما بعدها كلفظ الغزالة في قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة
( كأن كانون أهدى من ملابسه ** لشهر تموز أنواعا من الحلل )
( أو الغزالة من طول المدى خرفت ** فما تفرق بين الجدي والحمل )
واعلم أن التوهم ضربان ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا كما في قوله
( حملناهم طرا على الدهم بعدما ** خلعنا عليهم بالطعان ملابسا ) وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ ولكنه شيء يجري في الخاطر وأنت تعرف حاله كما في قول ابن الربيع
( لولا التطير بالخلاف وأنهم ** قالوا مريض لا يعود مريضا )
( لقضيت نحبي في فنائك خدمة ** لأكون مندوبا قضى مفروضا )
ولا بد من اعتبار هذا الأصل في كل شيء بني على التوهم فاعلم
وقال السكاكي أكثر متشابهات القرآن من التورية

الاستخدام

ومنه الاستخدام وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم بضميره معناه الآخر أو يراد بأحد ضميريه أحدهما وبالآخر الأخر فالأول كقوله
( إذانزل السماء بأرض قوم ** رعيناه وإن كانوا غضابا ) أراد بالسماء الغيث وبضميرها النبت
والثاني كقول البحتري
( فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ** شبوه بين جوانح وضلوع )
أراد بضمير الغضا في قوله والساكنيه المكان وفي قوله شبوه الشجر ومنه اللف والنشر وهو ذكر متعدد على جهة التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه فالأول ضربان لأن النشر إما على ترتيب اللف كقوله تعالى { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } وقول ابن حيوس
( فعل المدام ولونها ومذاقها ** في مقلتيه ووجنتيه وريقه ) وقول ابن الرومي
( آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ** في الحادثات إذا دجون نجوم )
( فيها معالم للهدى ومصابح ** تجلو الدجى والأخريات رجوم )
وإما على غير ترتيبه كقول ابن حيوس
( كيف أسلو وأنت حقف وغصن ** وغزال لحظا وقدا وردفا ) وقول الفرزدق
( لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ** طريد دم أو حاملا ثقل مغرم )
( لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ** وراءك شزرا بالوشيج المقوم )
والثاني كقوله تعالى { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } فإن الضمير في قالوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من

التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه.



الجمع

ومنه الجمع وهو أن يجمع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد كقوله تعالى { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } وقول الشاعر
( إن الشباب والفراغ والجده ** مفسدة للمرء أي مفسده )
ومنه قول محمد بن وهيب
( ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ** شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر )
ومنه التفريق وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره كقوله
( ما نوال الغمام وقت ربيع ** كنوال الأمير يوم سخاء )
( فنوال الأمير بدرة عين ** ونوال الغمام قطرة ماء ) ونحوه قوله
( من قاس جدواك بالغمام فما ** أنصف في الحكم بين شكلين )
( أنت إذا جدت ضاحك أبدا ** وهو إذا جاد دامع العين )

التقسيم

ومنه التقسيم وهو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين كقول أبي تمام
( فما هو إلا الوحي أو حد مرهف ** تميل ظباه أخدعي كل ماثل )
( فهذا دواء الداء من كل عالم ** وهذا دواء الداء من كل جاهل )

وقول الآخر
( ولا يقيم على ضيم يراد به ** إلا الأذلان عير الحي والوتد )
( هذا على الخسف مربوط برمته ** وذا يشج فلا يرثي له أحد )
وقال السكاكي هو أن تذكر شيئا ذا جزءين أو أكثر ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك كقوله
( أديبان في بلخ لا يأكلان ** إذا صحبا المرء غير الكبد )
( فهذا طويل كظل القناة ** وهذا قصير كظل الوتد )
وهذا يقتضي أن يكون التقسيم أعم من اللف والنشر

الجمع مع التفريق

ومنه الجمع مع التفريق وهو أن يدخل شيئان في معنى واحد ويفرق بين جهتي الإدخال كقوله
( فوجهك كالنار في ضوئها ** وقلبي كالنار في حرها )
شبه وجه الحبيب وقلب نفسه بالنار وفرق بين وجهي المشابهة
ومنه قوله تعالى { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة }

الجمع مع التقسيم

ومنه الجمع مع التقسيم وهو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه أو تقسيمه ثم جمعه
فالأول كقول أبي الطيب
( حتى أقام على أرباض خرشنة ** تشقى به الروم والصلبان والبيع )


( للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ** والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا )
جمع في البيت الأول شقاء الروم بالممدوح على سبيل الإجمال حيث قال تشقى به الروم ثم قسم في الثاني وفصله
والثاني كقول حسان
( قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ** أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا )
( سجية تلك منهم غير محدثة ** إن الخلائق فاعلم شرها البدع )
قسم في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء ونفع الأولياء ثم جمعها في البيت الثاني حيث قال سجية تلك
ومن لطيف هذا الضرب قول الآخر
( لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ** ظننت ما أنا فيه دائما أبدا )
( لكن رأيت الليالي غير تاركة ** ما سر من حادث أو ساء مطردا )
( فقد سكنت إلى أني وأنكم ** سنستجد خلاف الحالتين غدا )
فقوله خلاف الحالتين جمع لما قسم لطيف وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه من قوله
( فقد سكنت إلى أني وأنكم ** )

الجمع مع التفريق والتقسيم

ومنه الجمع مع التفريق والتقسيم كقوله تعالى { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ }

) أما الجمع ففي قوله { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } فإن قوله نفس متعدد معنى لأن النكرة في سياق النفي نعم وأما التفريق ففي قوله { فمنهم شقي وسعيد } وأما التقسيم ففي قوله { فأما الذين شقوا } إلى آخر الآية الثانية
وقول ابن شرف القيرواني
( لمختلفي الحاجات جمع ببابه ** فهذا له فن وهذا له فن )
( فللخامل العليا وللمعدم الغنى ** وللمذنب العتبى وللخائف الأمن )
وقد يطلق التقسيم على أمرين أحدهما أن يذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل حال ما يليق بها كقول أبي الطيب
( سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ** كأنهم من طول ما التثموا مرد )
( ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ** كثير إذا شدوا قليل إذ عدوا ) وقوله أيضا
( وبدت قمرا ومالت خوط بان ** وفاحت عنبرا ورنت غزالا ) ونحوه قول الآخر
( سفرن بدورا وانتقبن أهلة ** ومسسن غصونا والتفتن جآذرا )
والثاني استيفاء أقسام الشيء بالذكر كقوله تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله }

) وقوله { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما } ومنه ما حكي عن أعرابي وقف على حلقة الحسن فقال رحم الله من تصدق من فضل أو آسى من كفاف أو آثر من قوت فقال الحسن ما ترك لأحد عذرا
ومثاله من الشعر قول زهير
( وأعلم علم اليوم والأمس قبله ** ولكنني عن علم ما في غد عم )
وقول طريح
( إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ** شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا )
وقول أبي تمام في الإفشين لما أحرق
( صلى لها حيا وكان وقودها ** ميتا ويدخلها مع الفجار ) وقول نصيب
( فقال فريق القوم لا وفريقهم ** نعم وفريق لا يمن الله ما ندري )
فإنه ليس في أقسام الإجابة غير ما ذكر وقول الآخر
( فهبها كشيء لم يكن أو كنازح ** به الدار أو من غيبته المقابر )

التجريد

ومنه التجريد وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمرا آخرا مثله في تلك الصفة مبالغة في كمالها فيه وهو أقسام منها نحو قولهم لي من فلان صديق حميم أي بلغ من الصداقة مبلغا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر ومنها نحو قوله لئن سألت فلان لتسألن به البحر ومنها نحو قول الشاعر
( وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ** بمستلم مثل الفنيق المرحل )
أي تعدو بي ومعي من نفسي لكمال استعدادها للحرب مستلئم أي لابس لأمة ومنها نحو قوله تعالى { لهم فيها دار الخلد } فإن جهنم أعاذنا الله منها هي دار الخلد لكن انتزع منها مثلها وجعل معدا فيها للكفار تهويلا لأمرها ومنها نحو قول الحماسي
( فلئن بقيت لأرحلن بغزوة ** تحوي الغنائم أو يموت كريم ) وعليه قراءة من قرأ { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } بالرفع بمعنى فحصلت سماء وردة وقيل تقدير الأول أو يموت مني كريم والثاني فكانت منه وردة كالدهان وفيه نظر ومنها نحو قوله
( يا خير من يركب المطي ولا ** يشرب كأسا بكف من بخلا )
ونحوه قول الآخر
( إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ** تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد )


ومنها مخاطبة الإنسان نفسه كقول الأعشى
( ودع هريرة إن الركب مرتحل ** وهل تطيق وداعا أيها الرجل ) وقول أبي الطيب
( لا خيل عندك تهديها ولا مال ** فليسعد النطق إن لم يسعد الحال )
ومنه المبالغة المقبولة والمبالغة أن يدعي لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا لئلا يظن أنه غير متناه في الشدة أو الضعف وتنحصر في التبليغ والإغراق والغلو لأن المدعي للوصف من الشدة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه أو لا الثاني الغلو والأول إما أن يكون ممكنا في العادة أيضا أو لا الأول التبليغ والثاني الإغراق أما التبليغ فكقول امرىء القيس
( فعادى عداء بين ثور ونعجة ** دراكا فلم ينضح بماء فيغسل )
وصف هذا الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق وذلك غير ممتنع عقلا ولا عادة ومثله قول أبي الطيب
( وأصرع أي الوحش قفيته به ** وأنزل عنه مثله حين أركب )
وأما الإغراق فكقول الآخر
( ونكرم جارنا ما دام فينا ** ونتبعه الكرامة حيث مالا )
فإنه ادعى أن جاره لا يميل عنه إلى جهة إلا وهو يتبعه الكرامة

وهذا ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلا وهما مقبولان وأما الغلو فكقول أبي نواس
( وأخفت أهل الشرك حتى إنه ** لتخافك النطف التي لم تخلق )
والمقبول منه أصناف أحدها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظة يكاد في قوله تعالى { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } وفي قول الشاعر يصف فرسا
( ويكاد يخرج سرعة عن ظله ** لو كان يرغب في فراق رفيق )
والثاني ما تضمن نوعا حسنا من التخييل كقول أبي الطيب
( عقدت سنابكها عليها عثيرا ** لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا ) 0 وقد جمع القاضي الأرجاني بينهما في قوله يصف الليل بالطول
( يخيل لي أن سمر الشهب في الدجى ** وشدت بأهدابي إليهن أجفاني )
والثالث ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول الآخر
( أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب ** عدا إن ذا من العجب )


نهاية الجزء الثاني عشر

ألف / خاص ألف

يتبع..

























































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

غرابة موقف واشنطن من الحدث الإيراني - حازم الأمين

06-كانون الثاني-2018

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ــ الجزء الأخير المؤلف : الخطيب القزويني

06-كانون الثاني-2018

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ــ الجزء 14 المؤلف : الخطيب القزويني

29-كانون الأول-2017

سأخون وطني- محمد الماغوط

23-كانون الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ــ الجزء 13 المؤلف : الخطيب القزويني

23-كانون الأول-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow