Alef Logo
الآن هنا
              

عشّاق سوتشي

بدر الدين عرودكي

2018-02-03

لا يهدف هذا المقال، كما قد يوحي عنوانه، إلى الحديث عن مؤتمر سوتشي المنعقد مؤخرًا. فقد قيل في التنديد به أو في تبجيله أو في استنكاره ما يملأ مئات إن لم يكن ألوف الصفحات. ولا يقصد كذلك الحديث عن نتائجه، ما دامت هذه الأخيرة ستطوى في غياهب النسيان، مثلما انطوت نتائج عشرات قرارات المؤتمرات التي كانت تدور حول هذه القضية العربية أو تلك. إذ يُقال إن العرب اليوم، والسوريون عنوانهم، ليسوا أبطال المرحلة إلا بوصفهم كرة تتقاذفها الأمم في مباراة لا شأن لهم بها، الأمم القوية بالطبع، الإقليمية منها أو الدولية.

وإنما الهدف هو التأملُ في هؤلاء الذين آمنوا بأن سوتشي ستحمل لهم الأمن والاستمرار، وعلى رأسهم زعيم القتلة، “رئيس الحكومة الشرعية” كما يروج الروس والإيرانيون الذين احتلوا سورية بناءً على طلب رسمي منه، أو “الرئيس المنتخب” كما قال صراحة كبير مثقفي النظام الأسدي، أدونيس، ومن ثمَّ الانتقال إلى فهم دوافع هذا العشق لسوتشي.

لن ندخل في نقاش حول شرعية رئيس النظام الأسدي التي يعتمدها أدونيس أو روسيا بوتين، أو كل من تجاهلوا طبيعة هذا النظام والطريقة التي أمكن له بها أن ينشأ ويستمر في سورية، ممن يقفزون على الحقائق التي يبدو أنها تعمي بعض البصائر والأبصار، بل كل من صمتوا عن استمرار قبول تمثيل هذا النظام في منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها (وهو وضع فشل من تصدوا لتمثيل الشعب السوري الثائر على هذا النظام، في العمل على تغييره أو أنهم لم يفعلوا شيئًا تعبيرًا عن رفض تمثيله للشعب الذي يُقتل بناء على أوامره). ذلك أن معظم هؤلاء سعيدون بما ينبئ عنه سوتشي مادام الذين دعوا إليه (روسيا خصوصًا) أوضحوا منذ البداية سقف المؤتمر: إعادة تأهيل النظام الأسدي (وكان عدد من المسؤولين الروس قد أعلنوا صراحة هذا السقف، بوصفه خطًا أحمر قبل توجيه الدعوات لحضوره) وإخراجه في صيغ أخرى تضفي على مظهره بعض الألوان الزاهية، لكنها لا تغير شيئًا في مضمونه.

بنظرة سريعة على الطريقة التي واجه بها النظام الأسدي من ثاروا عليه، ثم على الوسيلة التي اعتمدها في التعامل مع مستجدات الحدث السوري، حين اضطر إلى مواجهة الحلول التي حاولتها الجامعة العربية ثم منظمة الأمم المتحدة من خلال مبعوثيها الثلاثة؛ ندرك، من دون حاجة إلى أية تفاصيل أعلن النظام منذ البداية أنه سيغرق الجميع بها، أنه سار على نهج واحد، لم يحِد عنه قيد أنملة حتى اليوم، أيّا كان وضعه العسكري ميدانيّا، وأيًّا كانت فداحة الثمن الضروري دفعه، من أجل الوصول إلى هذه النتيجة: استحالة زحزحته أو تغييره أو استبداله.

لم يكن من العسير إدراك هذا الموقف منذ الأشهر الأولى للثورة، أي منذ أن ضرب النظام عرض الحائط بنتائج شديدة التواضع، كان قد خرج بها مؤتمر الحوار الوطني الذي نُظِّمَ في دمشق بموافقته، وبرئاسة فاروق الشرع، نائب رئيس الجمهورية، يومي 10 و11 تموز 2011. كما لم يكن من العسير متابعة إصرار النظام الأسدي على فرض شروطه التي استخدم في سبيلها كل ضروب الأسلحة، واستدعى لنجدته حليفَيه: الإيرانيين والروس، اللذين انتهيا إلى احتلال سورية أرضًا وجوًا، وإلى فرض شروط الحل السياسي الذي يستجيب لمصالحهما في تسويق فاضح من أجل إعادة تأهيل نظام مجرم، وفي تغييب كلي لشعب سورية، وتجاهل أدنى تطلعاته التي دفع -وما يزال يدفع- الثمن الباهظ من أجل تحقيقها.

على هذا النحو، سلك وفد النظام في مؤتمرات جنيف وفيينا المتتالية. لم يقتصر الدعم الروسي لهذا السلوك على نقض أي قرار يمس هذا النظام من قريب أو بعيد في مجلس الأمن، بل انتقل إلى تأويل قرارات جنيف تأويلًا أراد الروس منذ البداية أن يصلوا به إلى صوغ حلٍّ سياسي يستجيب بناء عليه لمصالحهم. وهو الحلّ نفسه الذي رضي به النظام الأسدي مادام يبقيه على حاله، برأسه أو برأس آخر يكون بمثابة ورقة التوت التي تغطي سوأة الحلِّ المفروض تحت عنوان التراضي بين الطرفين وبموافقة الدول الضامنة!

هكذا شهدنا انتقال مركز الثقل من جنيف إلى أستانا، ومن الأمم المتحدة إلى روسيا وحليفيها الضامنين. كما لو أن القرار 2254 لم يصدر عن مجلس الأمن إلا لإعادة صوغ مقررات جنيف الأول الذي يستند إليه، من جهة، والذي يستهدف فتح الطريق أمام روسيا، كي تضع الحل السياسي بلغتها من أجل تنفيذه بضمانتها.

وعلى هذا، بدلًا من التمسك بالحل الأممي بضمانة المنظمة الدولية التي أصدرته، قبلت فصائل المعارضة العسكرية بمباركة من المعارضة السياسية ومنصاتها المختلفة (القاهرة وموسكو وأستانا) الذهاب إلى أستانا بحجة التوافق على تخفيض التصعيد العسكري في مختلف مناطق القتال. كما لو أن الجميع لم يروا في هذه المحاولة الفخ المنصوب لهم، من أجل دفعهم إلى الاعتراف بالنظام بما أنهم يتفاوضون ويوقعون معه بنود الاتفاقات. كانت روسيا ترسم وتحدد وتقود هذه الاتفاقات المحلية التي كان النظام يوافق عليها، بما أنها كانت تؤدي في الوقت نفسه إلى توسيع مناطق سيطرته التي فقدها خلال السنوات السابقة، وصولًا إلى جعله يعلن انتصارًا لم يكن له يدٌ في تحقيقه.

هكذا بدت اجتماعات جنيف مسرحًا يستعرض وفد النظام على خشبته فجوره، ويستخدم مختلف التفاصيل التي وعد وزير خارجيته بإغراق خصومه فيها خلال المفاوضات، في الوقت الذي كان يتخلى عنها، ويستكين لمقترحات حليفه وحاميه الروسي خلال تلك التي كانت تجري في أستانا. كان الهدف الروسي أن يقنع الجميع بجدوى أستانا والخطوات الروسية وبعبثية جنيف والإجراءات الأممية. وكان من الواضح، والحالة هذه، أن مركز الثقل ينتقل من حلٍّ تشرف على صوغه الأمم المتحدة إلى حلٍّ ينفرد الروس بتحديد عناصره وسقفه بموافقة أو تواطؤ القوى الكبرى في مجلس الأمن. فمن قرار أممي ينص على مرحلة تقودها هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية، إلى قرار روسي يتناساها كليًا داعيًا إلى “إصلاح دستوري” وإلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، يحق فيها لرأس النظام الحالي ترشيح نفسه بإشراف الأمم المتحدة مع المحافظة على “الدولة” وعلى “مؤسساتها”!

ومن أستانا، أرادت روسيا اقتياد الجميع، نظامًا ومعارضةً، إلى سوتشي لحضور مهرجان يضم ألفًا وستمئة مشارك اقتيدوا ليمهروا بحضورهم ما كان الروس قد أعدوه من بيانات ومراسم ومجريات بالتعاون الوثيق خصوصًا مع منصتي أستانا وموسكو، وبعض المعجبين بالروس بوصفهم ورثة “الاتحاد السوفيتي الصديق”، القابلين سلفًا بإصلاحات شكلية كان يمكن القيام بها قبل سبع سنوات دون أن يسفك دم سوري واحد، لكنها صارت اليوم أقرب إلى السمّ يُرغم الشعب السوري بأسره على تناوله دون اعتراض. ومن الطريف أن سوتشي الذي فشل عقده في المرة الأولى، وكاد يؤجل عقده في المرة الثانية، كان قد استبق بمؤتمر فيينا الذي أدى فيه وفد النظام الأسدي دوره التقليدي، معلنًا صراحة أن المؤتمر الحقيقي والناجع سيجري بسوتشي، مطمئنًا إلى أنه سيجد هناك جوهر ما يريد: بقاءه واستمراره.

وقف العديد من المنظمات الأهلية السورية، داخل سورية وخارجها، ضد الذهاب إلى سوتشي، تعبيرًا عن رفض أي مرجعية أخرى غير مرجعية جنيف. وحسنًا فعلت الهيئة العليا للمفاوضات، إذ رفضت الذهاب إلى هذا المؤتمر/ المهرجان والمشاركة فيه، أيًا كانت دوافعها إلى ذلك. لكن هذا الموقف يأتي متأخرًا جدًا، وربما تتمكن روسيا وحلفاؤها من تجاوزه، إذا لم يتم حشد القوى السورية على اختلافها حول موقف واحد، يرفض أي حل تنفرد به هذه القوة أو تلك بديلًا عن الحل الأممي، ولا سيّما إذا كانت هذه القوى تحتل البلد وتقصف السكان المدنيين وتدمّر المدن، بحجة ملاحقة الإرهاب الذي لم يكن من صنع كتائبه سوى النظام الأسدي نفسه.

تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

عشّاق سوتشي

03-شباط-2018

ليس دفاعا عن عبد الناصر

20-كانون الثاني-2018

الاحتلال الإيراني

18-تشرين الثاني-2017

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow