Alef Logo
ابداعات
              

رواية / الرحيل إلى المجهول ـ1-

آرام كربيت

2007-03-11

خاص ألف

كانت السماء ملبدة بالغيوم... الضباب الاسود المزرق.. يطوف فوق مروج السماوات والارض.. منذراً بموجة طويلة من العواصف..
تقترب الالوان من بعضها لتتوحد في لون واحد مختلس.. مسكون بالغم والحسرة.. وظلمة المجهول..
توقفت السيارة عند مبنى المحافظة.. في مدينة الحسكة.. ترجل المساعد أبو عزيزمختالاً كالطاوؤس.. ممتلئ الاهداج كالديك الرومي المنفوش الريش.. وبقينا.. أنا ومحمد مكبلين بالاصفاد منغمسين برائحة الرمم التي تحوم حولنا.. كرائحة الطرائد الميتة.. رائحة.. القتل.
تكومنا على بعضنا كجريحين مطاردين.. نحتمي ببعضنا من رائحتهم الواخزة.. من نظراتهم الشرسة المليئة بالكره والغضب. كانت الذئاب.. عناصر الامن السياسي تغوص في جوفنا.. جوف حياتنا.. وتلفنا من كل الجوانب. في تلك اللحظات الأليمة.. كان نظري يجوب حول المكان.. كنا على الناصية اليمنى
من الشارع الرئيسي.. ننظر إلى الوجوه القادمة والغادية.. كوكبة من البشر.. الناس تمر.. تسير.. بالقرب منا.. لامبالية.. يغوصون في أحاديث جانبية.. في شؤونهم الخاصة.. غير عابيثين بنا.. لا ينظرون إلينا.. كأننا من كوكب أخر.. قسمات الناس في تلك الظروف.. في تلك اللحظات الآسرة من عمر الزمن.. غريبة.. شاردة متعبة.. تمشي على غير هدى.. عندما يقتربون من مقدمة السيارة يلفون.. يديرون وجوههم إلى موضع أخر. كنت اتساءل في سري.. كان السؤال يقفزإلى ذهني بشكل غريب.. لماذا لم أرَ من قبل هذه الملامح المسكونة بالهم والشرود.. وجوه ضاربة في البحث عن شيء غير معلوم.. وجوههم مسددة نحو الاسفل.. كنت أتامل لأرى وجهاً مرحاً أو يشي بشيء له لون الفرح.. لم أر وجه طفل بريء أو عصفور يغرد على شجرة.. كأن الحيوية والنشاط لم تكن في أجساد هذه الكتل المتحركة.. كنت أقول لنفسي.. هل كنت مثلهم من قبل؟ قبل أن أكبل بالأصفاد.. وألتف برائحة الخوف والرحلة المغلقة الابعاد.. أرصد الوجوه بعمق.. مشاهد خالية من أي أثر.. لم يترك أي أثر حقيقي في النفس.. لدرجة أحسست إنني لم أعش في هذه المدينة.. وبين هؤلاء البشر المتحركة كالاصنام الجامدة.. أسئلة تتوارد على هذه الذاكرة المتعبة.. المستباحة بلون الدم والدمع.
أردت جاداً.. رحت أرصد.. أبحث عن شيء أخر.. أخبار العالم الخارجي.. وجه صديقي ضياء.. وجه حبيبتي الابيض النقي.. كبياض الشمس في يوم ربيعي مزدهر.. كنت أريد أن أرى وجههم للمرة الاخير.. كنت متأكداً إنني لن أعود إلى هذه المدينة مرة أخرى.. وإذا عدت.. فإن الزمن سيحرث سكته في وجهي وذاكرتي.. سيفعل فعله في أرضي وقامتي المكسرة.. ويدفع وجهي ويحملني إلى مسافات بعيدة.. أراقب المارة.. أغطس في الوشوشات القادمة من بعيد.. فاضطرب وينتابي شعور عميق باليأس والألم.. تدفعني الدهشة والاستغراب لطرح تساؤلات كثيرة وكبيرة.. أسئلة مندفعة بقوة على وجه ذاكرتي كعاصفة ثقيلة.. أقاسي آلام اللحظات المتعبة.. الخروج من الزنزانة الضيقة.. التحقيق والتعذيب النفسي والجسدي.. آثاره مرسومة على ركن مني.. وجهي معفربالمحن وجسدي لم يغتسل منذ مدة طويلة.. لحيتي كثة وطويلة.. وانقطاع سديمي طويل عن العالم الخارجي.. قدمي متورمة ومحتقنة بالدم الحكلي المزرق.
في تلك اللحظات كانت تنتابني مشاعرمتناقضة.. مشاعرأقرب إلى الخوف والحزن العميق.. مشاعراللقاء والوداع.. لقاء مدينتي الجميلة.. المدينة التي احتضنت قامتي منذ نعومة أظفاري.. ولحظات المغادرة.. ربما تكون إلى غير رجعة.. لدي احساس كبيربالفقد والغياب الطويل.. أن أستعيد الوجوه التي ألفتها وعشت معها فترات طويلة من عمري.. أشم رائحة الارض والشجرورذاذ الماء المتبقي.. رذاذ المطرالذي لفض ما تبقى من أنفاسه.. كنت مضطرباً خائفاً.. نظراتي هائمة أقرب إلى الهذيان الليلي الساخر.. تفاصيل كثيرة مكورة في جوف ذاكرتي.. لا تخرج بسهولة.. غابت في لحظات الانتقال من موضع لأخر.. لحظات انعدام الوزن التي تنتاب وجودي.. وجود كل من يحس بأن وجوده سيقتلع في هذه اللحظات المتبقية من دقات الزمن والوقت.. تتقافزأمامي صور الذين أعرفهم والذين دخلوا في سراديب حياتي العميقة.. صور الأحبة والخلان.. الأهل والاصدقاء.. صورة أبنة أختي الصغيرة رشا.. ذات الاعوام الثلاثة.. وجهها البريء والطفولي.. مشيتها الجميلة وهي تقطع الشارع.. عند الانتقال من الطرف الاخر من المكان.. ألى صوب بيتنا.. رشاقتها ودفء الروح في ملامح عينيها الغريرتين.. صورة الطفلة وهي تلفظ الكلمات بحذروحياء.. كيف تتكسر الكلمات بين أسنانها اللبنية الغضة.. يحملني العطش ورياح الخوف من الايام الثقيلة القادمة إلى الماضي.. إلى الشوارع التي عانقت ذاكرتي وسطرت على الارض مراسيم اللقاءات والمشاويرالطويلة..
توقفت حدقة عيني على أغصان شجرة عارية من الاوراق.. عراءها يعانق الضباب المبدد ويطلق أنينها ووجعها للسحب الراحلة إلى البعيد.. اتبضع من الزمن المآسوربضعة لحظات.. أغرف من المكان.. زوادة من الذكريات لكي تحميني من القدرالقادم.. الصعب.
علمتني الايام أن احترم القدروقدراته على أختزان التناقضات المتداخلة في جوفه.. ما بين حدين عميقين.. مآسي وفرح.. ضحك وبكاء..
هذا الافتراش لروحي على بساط المكان ترك لدي انطباعات غريبة لا أعرف كنهها إلى اليوم كما لا أعرف كيف أعبرعنها.. بأختصار.. كنت أريد للزمن أن يتوقف لابقى في مكاني.. لم أكن أرغب في مغادرته على الاطلاق..
حمل المساعد أبو عزيز المصنف الاخضر بيده اليمنى ونزل متجهاً صوب الحاكم العرفي للمحافظة.. بثقة ورشاقة.. بها أسماءنا ليوقعها.. المحافظ في ذلك الوقت كان محمد ميرو.. وذلك في يوم السبت /7/11/ 1987.
كان المساعد متانقاً كعادة كل الجلادين في العالم.. تفوح من ثيابه رائحة عطر مستورد غالي الثمن.. مزهواً بنفسه.. ينقل خطواته برشاقة وتأن.. تقرأ في بؤبؤة عينيه ملامح ذئب ضار.. كاسر.. لئم جاحد.. وجه متعكروصوت أنفاسه يغمر المكان بالصوت العالي.. لم يتكلم أبداً.. خوفاً على هيبته الفارغة.. لكن جسده كان مكتنز اللحم.. جسد يشهق باللحم الاسود الثقيل والمر..
كنت أقول في سري.. صناعة الموت والخوف تحتاج إلى السرية المطلقة.. لهذا يتبادل هؤلاء الحثالة امورهم بالاشارات السرية.. يتعلمون ذلك في دهاليزهم السرية والمظلمة.. في الاقبية الليلية والأماكن البعيدة عن الأعين والوجوه البريئة..
كان الصمت مخيماً على كل شيء كصمت الأموات.. بأستثاء وقع أقدام المارة وهي تدق الطريق الاسفلتي المبلل ببقايا مطر هارب.. للناس اللذين يخرجون من مبنى مديرية التربية والتعليم واغلبهم من المعلمين والمدرسين والطلاب.. وفي مكان قريب من المباني الحكومية التي تكثر فيها الحركة وخاصة في بداية الاسبوع.. اقصد يوم السبت من كل اسبوع..
أخذت المشاهد الجميلة بالابتعاد والتبدد مع انطلاق السيارة في السير نحوالطريق الرئيسي.. كنت أريد أن أمسك كل ركن.. كل زاوية وشجرة.. أقول: لن أرى هذا الشارع.. هذه البناية.. المدرسة.. الثانوية.. الفتيات الجميلات بعمر الورد والرياحين.. وجوههن النضرة وقامتهن الوارفة كأشجار السرو والحور.. اتنهد من أجل أن يمتلئ صدري بقدر كبير من الهواء.. اتحسر في سري لانعدام العلاقة ما بيني وبين بلدي لمدة طويلة..
بدأت أفقد الامل في رؤية من كنت أريد أن أراهم.. سارت السيارة متجهة نحو الجسر المائل.. لعبور نهر الخابور.. كنت اتمنى في سري.. أن يقود السائق سيارته متمهلاً.. من أجل أن أكحل عيني بمشهد أخر.. لا يقل جمال وبهاء من البشر.. الكائن الجميل.. الكائن الذي احتضن كل ذرة من وجودي في الحياة.. تعود بي الذكريات إلى البعيد.. إلى الخابور.. رائحته لم تكن تفراق أنفي.. لقد التصقت بي منذ أول خطوة لي في الحياة.. رائحة أسماكه.. أشنياته.
الخابور نجم متلألئ.. شعاع لا ينكسر.. وبوح يدخل مساماتي ويعيد تشكيل ذاكرتي .
هو الصلصال اوالمدماك الذي سورت عليه بقايا ما انا عليه. الواحد منا يحتاج الى نهرعملاق بمقام الخابور حتى يتوازن . لولاه.. ما كان لهذه الذاكرة ورودها المتفتحة على مدار السحب الهاطلة فوق الافق.. ورحت ارتل تسابيحي..صلاتي وتحسري .
الخابور..
قدروعشق.
أنا مغموس به حتى الثمالة .
لا أستطيع الأنفكاك منه مهما حاولت. منه.. استمد الأشياء الجميلة والحلوة.. هو الذاكرة والألق , منعطفات الروح.. اغوص في عمقه وارحل مع لونه.. هو زواتي المفروشة في الحياة.. الماء والتراب والشجر.. الشهب والبشر.
منذ كنت صغيرا.. عند بدء تشكلي.. على ضفاف قرية تل كيف.. المناجير.. المكان الذي كان والدي يعمل هناك.. كعامل على محركات الديزل العملاقة.. لاستجرار المياه من النهرمن أجل سقاية المزروعات.
هناك.. في تلك الاصداء..
كنت أصنع سفن من ورق الأشجار.. أربطها بحبال مجدولة من الأغصان.. أرميها في الماء وأجلس أنظر إليها.. أتامل ذهابها وأيابها تبعا لحركة المد والجزر.. عند الأماكن الضحلة من الخابور.. ثم تطورت هذه الهواية لدي الى صناعة طوافة من جدوع الأشجار.. مصنوعة مرة أخرى من الأغصان.. انتقل بها من ضفة الى أخرى.. اتنقل عليها كنوع من التسلية لتزجية الوقت.. أجدف بعصا كبيرة بكلتا يدي.. من الأطراف الى الوسط.. الى الضفة الأخرى.. أذهب الى الحقول واقطف البطيخ الاصفروالاحمر.. الخيار والبندورة.. والشمامات ذوات الرائحة العطرة.. أرميهم في الماء ليتولى التيار بأخذهم الى الأمام.. بعدها أرمي بنفسي وأعوم فوق ماءه الرقراق.. لاصل الى الطوافة لألحق بالخضار وأضعهم عليها.. أسترخي على سطحها وامارس لعبتي الجميلة.
أحيانا كثيرة اترك اقدامي تتدلى عند أطراف الطوافة.. احرك الماء وانثره في الهواء.. أرى الأسماك الصغيرة وهي تسير معي.. تنقررؤوس اصابع قدمي.. اشاهد الكبيرة.. كيف ترتفع في الهواء.. ثم تقذف نفسها فيه مرة ثانية بعد ان تضرب شلوت قوي للماء والفضاء كنوع من انواع التمرد.. كأنها تقول إننا في قتال.. نتقاتل كفرسان مدججين بالسلاح والعتاد.
وكنت.. أحب صيد الطيوروخاصة العصافيروالدرج.. الدرغل والحجل.. ثم..
مدارات من الأسئلة تأرقني.
تتنقل في أفاق ذاكرتي.. تهزني من الأعماق وترتقي بي الى أستفسارات وجدانية.. تلعب في كياني كله احتاج الى البوح به.. وفضاء يلتقط مسأماتي.
احتاج الى من يسمع نبض احاسيسي وما يجول في داخلي من مساحات حزن وقهر.. مداميك كبيرة وواسعة.. فراغات كبيرة تحتاج الى ترميم.
وسواس وكابوس يؤرق ليلي ونهاري.. يشد ويشتد علي ويشل تفكيري وقدراتي.. بالاضافة الى شد اعصابي .
غيرأن السؤال الاكثرايلاما .
الى متى سأبقى متأرجحاً بين هذا الشوق الدفين والحزن الذي ينخر عظامي ؟.
اريد..
أن استجمع قواي.. في مواجهة الرقصات الحبلى بالأسى والجنون.. أتعلم.. اتقن العزف على نسيان.. انغام اكبالهم وكرومهم المملوءة بالعنب المخمر بالدم المسود.
زمن الحزب القائد.. عصيب وجاف.. متسلط ومتجبر.. اناني ونفعي.. لا يعرف الرحمة والشفقة الا بقوة موازية له. شيء يستعصي على الاستسقاء والمعرفة . دائما يدعوك لتضع نفس الأسئلة الباهتة دون جواب يشفي الغليل . كجبل أجرد لا ماء فيه ولا مطر .
كنت اردد في سري داخل السيارة التي تنقلنا إلى جهة مجهولة..
علينا أن نرعى آيائل أرواحنا حتى نبقى على أقدامنا ونتماسك.. وإلا أخذنا الطوفان الى بيته.. جبه العميق وينهي كل شيء .
كلما كنا نقترب من الجسر.. كنت ازدد حسرة وألم وخوف.. ويزداد الشوق والخوف من الفراق..
كما..
لا أستطيع..
أن انسى ذلك المرج الأخضر المتحرك.. صورته امامي.. لا تبارح خيالي.. يسبح في خلاياي.. قبراته وعصافيره.. سنونوات وسمنه.. عرافاته وقمصان لياليه المنسوجة من زفرات الفرح.
كنت أحاول الهروب من الخوف الأحمق .
اسافر الى تلك اللحظات التي اسكر فيها عند الضيع المسترخية على وسائده.
أواه كم كنت موجوعا.. مفجوعاً.. تطاردني ألوان الخابور.. مدنه الجميلة.. مراسيه الأمنة.. اعلن بوحي للسماء والآلهة.. للفضاء الواسع والخلاء المفتوح المسامات..لأوكار الحيوانات الراحلة.. اسخر.. لهذا الجريان الأحمق للزمن والبشر.. لهروبهم الدائم.. إلى مراسي غامضة وفارغة وغير أمنة.. التي تسترخي وتستمتع تحت قبةالاقتتال الاحمق..
اسرح..هناك.. أذهب الى الخابوروأبوح له عن أسئلتي واختمارت أعشابي وتشوش روحي .
كان حواراً صامتاً بيني وبين نفسي اليتيمة..
حوارمترنح.. يتمدد تحت عجلات السيارة الهاربة إلى الامام.. يخرج من بين شفاهي كالصقيع المكثف في الليالي التشرينية الباردة.
كانت استراحة مع القدر.. استراحة أو غفوة قصيرة.. تنفس عميق.
التقط بعض الطيورالمهاجرة.
الجريحة والمتعبة .
في رحلة سمتية غامضة في الفضاء.
رحت أدفئها وأطعم جسدها الضعيف من أجل مواصلة الرحلة الغامضة والطويلة.
فسحة من أجل التنفس ضرورية.. من أجل الهرب.. من القلق والموت ولحظات الجنون .
لولا الخابور والماء والشجر.. لما كان للزمن معنى وللحياة اهمية تذكر.
أريد العودة الى البدء.. لاكيف هذا الرأس والدماغ المتعب.. في استعادة اللحظات الأكثر بساطة وبدائية.. إلى ما قبل الوعي والتشكل.. إلى طفولتي الاولى.. عندما كنت اتغذى على الحليب الطازج واللبن والجبن البلدي المصنوع بيد أمي..
كنت أريد أن احفرالارض بيدي واقتلع الأشواك والاشراك من على سطحها وقشرتها.. لأنظف البقايا العالقة.. من أجل أن أحرثها.. لإعادة زراعتها من جديد.. الرواسب المجرثمة وصلت الى مسامات الصخور والحجر.
كانت السيارة تسيربرتابة.. عناصر الأمن السياسي.. يدخنون لفافاتهم بحرية.. لكن.. بنرفزة وتوتر.. لم يتبادلوا الاحاديث إطلاقاً.. وكنا أنا ومحمد خيرمدثرين بالاصفاد الاسبانية الرشيقة.. المصنوعة من الستنلس الملمع.. عيوننا مصوبة للأمام.. وصوت أنفاسنا يمتزج مع صوت المحرك الدائر..
رحت أكمل هروبي.. العصي على الهروب..
لا بد من الغوص.. للمعرفة والأطمئنان.. لمعرفة أنواع الجراثيم وأشكالها.. دورات تكاثرها وبقاءها.. طول المدة.. وكيفية عيشها ثم موتها داخل حلقة..
الزمن الدائري.
وأتذكر ..
عندما كنت صغيراً.. غضاً.. طرياً..
كان لدي هوس في تعلم السباحة والمخاطرة.. كنت انجح بالرغم من تنبيه أبي الذي كان يقول:
ــ احذرمن المغامرة.. جسدك الصغير والضعيف.. لا يقوى السيطرة على التيارات المائية الجارفة.. والسرعات الهائلة.. عند المنعطفات والمنحدرات وحتى في لحظات أسترخاء الماء.. أسرار كثيرة يكتنف الخابور.. بواليع هائلة في داخله تريد أن تشدك الى الأسفل.. جهز نفسك جيداً.. أملك الأدوات التي تعينك على التحمل ومقارعة الشدائد..
كنت احاول.. امرن نفسي على تحمل المشاق والمصاعب.. وكنت انجح الى حد بعيد.. لأنني.. املك التصميم في اللاوعي أوفي أعماق داخلي.. التصميم للوصول الى الهدف ضروري من أجل معرفة ما أريد.. والى أين اسير.
لهذا نجحت .
وكان لدي أرادة ورغبة .
كنت اتحدى الزمن المرسوم والمدروس بالحسابات الملوثة والمتكررة .
السباحة لم تكن تخيفني وأنما الأشياء الغيرمرئية.. الغامضة والبعيدة عن ساحة العين والنظر.. الغموض القادم من النجهول..
في هذا المدار كانت الذاكرة تقرع جدار جمجمتي.. كالنقر على القلب .
كنذير .
كعاصفة اختمرت تحت موجة من أنشطارات ملتفة على بعضها .
حفرت نقوشها على الصخور الصلبة .
حاولت.. إعادة تشكيل العلاقة الاهليلجية الجديدة في مكونات المكان المفكك.. اتحسس الارض وهي تميد وتتحرك تحت قدمي. أعمل على تجميع ذراتها في مدى لا محدود من الوهميات اللامرئية.
كنت متكئا على قيدي.. اسمع الى صوت الهواء وهو يجول في السماء بلا رقابة.. قطرات المطرتصطدم بذرات الهواء والحرية فتزيح هالات الحزن والأسترخاء..
وتبعد حالات الصمت المطلق..
انفاس السائق تعلو وتهبط في رتابة متكررة .
القافلة مجموعة مقيدين..
أراقب.. القيود والانفاس.
مر الوقت.. لم ننطق بكلمة.. وأي كلام افصح في التعبيرغيرهذا المكان..
كان بيتنا قريباً من الطريق العام.. لكن.. يحجبه كومة من المباني العالية.. لهذا فقدت الأمل أن أرى أو أشاهد ما أريد مشاهدته..
لكن.. الخابور.. لاح من بعيد.. متعرجاً..
وعدت مرة أخرى..
كان الخابور غيمة مفروشة على وسائد الزمن.. وكان فيضا من الفرح والماء الدافق.
الفيضان جاء من كل مكان .
من السماء والأرض والهواء .
مشى في الشوارع والحارات.. غمر الأشجاروالبيوت.. غنى ورقص.. التحم مع الجغجغ.. المجرجع والزركان.. الأنهرالمتدفقة من ربوع محافظة الحسكة.. شركائه في تغذية شرايين الارض والحياة.. عانقهم وقبل خدودهم.. واعنقاهم.. ضمهم الى صدره.. كأم حنونة.. بكى على الفراق الطويل والحرمان.
سار في الأحياء والحواري.. الاسواق والدكاكين , المتاجر والمدارس , الملاعب وصالات السينما والمسرح.
كان عزفا على الموسيقا تحت دفق الوجع والفرح للمطر المدرارالمنهمر. اغدق وأعطى الحانه الجميلة ونغماته ذات الدقة العالية.
تمدمد على نفسه.. على الارض.. مشى مئات الكيلومترات دون رقيب يوقف مده.. تحول الى بحيرة متحركة..
بحر بلا حدود.
كل شيء في حالة حراك .
يأتي من المساءات الشتوية المحملة بالزجاجات المزخرفة بالعطور والخمور في مقاسات غير محددة . ملفوفا برداء فضفاض ومختلف .
كل شيء يحرض الذاكرة .
لونه وشكل جريانه.. ديمومته.. استمراره وبقاءه.
كل موسم ينفض عن جسده بدلته القديمة.. يعيد تجديد ذاته.. يثور ويغضب.. يتخلص من الاوساخ.. والرتابه والتكرار المجوف.. والأشياء البالية.
يخلع لباسه القديم.. يمشي ركضا وبخطا سريعة وغير ثابتة.. دون جدول زمني.. يزمجر ويلعن.. يدخل المدن.. يقتحم الروتين.. يواصل دفقه أستجابة لصوت الريح والعاصفة.
مستحيلا أن انسى.
صوته المرتفع.. يصل الى عنان السماء .
كان الآله والعبد.. القاضي والجاني , الخصم والحكم في المدى المفتوح .
كالعاشق الولهان يبحث عن مكان يضع أعترافه بين يدي حبيبته.
عن مدار واسع يتسع لأنفاسه وسعة صدره.
يعري الأزمة والأزقة الضيقة ويفضح كل الحكايات المجوفة عن استحالة درس الماضي وكنسه لإعادة تجديده . ينابيعه تتفجروتخرج مخزوناتها من دهاليزالطبقات الجوفية وتدفعها الى السطح لتتألق تحت الضوء والغيوم .
الارض تتشقق وتنهدم.. الطرق تفتح رئتيها .. الجسور والمعابر تهبط وتترك مكانها وترحل..
والامان الزائف يودع الأبواب والشبابيك.. يتسلق..
بعد الانقشاع والأنحسار .
ويبقى الخابور..
في صباحات الربيع المنعشة من كل عام.. رغم قرصة البرد الصغيرة.. كنت وأبي نعوم على الماء.. على ظهرالخابور.. فوق القارب الصغير المصنوعة من جدوع الأشجار.. ذلك الفصل المتوثب.. اليقظ.. يوقظ فيني.. الاحساس بالطبيعة المتقدة.. بانفجار الفلق من باطن الأرض.. ويتجدد الآله المرمى في قاع الجسد.. يطفح على شكل روائح وغليان داخلي ورغبة..
نداء الجنس والجسد يطفح من الرأس إلى الجلد .
يتبرعم الورد والسهل والكائنات.. ينمو ويخرج من خدره البارد.
تغني الطيوروالأشجار في حيوية ونشاط.. تصدح.. وتصدر موسيقاها لتبث الأسرار.
قال لي مرات كثيرة..
دع التياريقود القارب.. استمع الى صوت الماء عند التصاقه بالحواف.. حاول أبعاد أغصان الأشجار المتدلية بلطف.. استسلم لجريانه الطبيعي وانسى ما يحيط بك من هموم.
دعنا نمر.
انحني قليلا واقترب من الوسط.. نريد أن ناخذ من الشمس قليلا من الحرارة وقسطا من الراحة..
أرفع وجهك الى اشعتها وخليها تلامس وجهك البريء.
على أمتداد البصر الأشجار ملتصقة ببعضها.. متعرجة ومستوية.. مستقيمة ومنحنية وبعضها منكسر.. تتكئ على بعضها.. ترتفع الى الاعلى وتهبط الى الأسفل.. اغصان وراء اغصان.. هنا واغصان هناك. هذه منتصبة وتلك مسترخية وأخرى ممددة وتسبح في الفضاء كأنها تريد الوصول الى السماء واللعب مع السنين.. الأرض والزمن .
كلاهم يريدون شق طرقهم ليبقى مشدودين الى الجذور.
حيث يرقد التأريخ ويسجل ...
جدوع الاشجارالضخمة تسترخي بتكاسل في ثلالم التراب.. تقاوم.. تنتصب في وجه تعاقب الحقب.. تتواطأ مع القعر الغامض.. من أجل ان تبقى وتعانق شوق الحياة.
مددت أصبعي الغض.. البض الى الأمام.
كانت أسناني اللبنية البيضاء تعكس أشعة الشمس وتتلألأ .
قلت بفرح طفولي غامر, أنظر يا والدي :
الخابور متمدد باسترخاء عجيب.. هادئ واملس.. ناعم كالحرير.. وسهوله مفتوحة ومستوية.. يسير دون أن يخاف أو يبكي.. سوى إنه يصطدم ببعض التلال فيحاول الالتفاف عليهم برفق وحنان ثم يتابع ايقاعه الناعم.. يغني.. ألا تسمع صوته واهازيجه.. مواويله الجميلة..
اتذكر.
منذ كنت صغيرا.
منذ ولدت من الآف السنين.
تلال الخابور.. كانت مدن وبشر.. حكايات عشق وحب.. تنام تحت التراب بحنان أمومي بديع على طول الطريق. من الينابيع الى المصب.. من رأس العين.. مروراً.. بتل تمر.. الحسكة والشدادة.. إلى البصيرة ليلتحم بالفرات..
وسط هذا الانتعاش..
يسترسل تحت دفق أمواج الحنان المشبع برائحة الشمس والتراب..
عاشق وشاهد..
يضطجع قليلا ويتابع سيرانه.. يتبضع ثم يحيد بعيداً.. ينتظم في مجراه عند ملامسته الأوابد والماضي.. بعدها ينحني ويتعرج.. يتمايل ويودع الشواهد ليدخل برفق ممرات أخرى ويكمل مشواره بجانب الوهاد والوديان.. يغيرأسلوبه عند أقتحامه الغابات والأراضي البكر..
في هذه اللحظات الصعبة.. كنت ادفع لحظات الخوف إلى الأمام.. إلى زوايا المجهول.. اهرب.. لأننا.. لم نكن نعرف إلى أين يأخذونا في ذلك الصباح.. خاصة.. كنا.. أنا ومحمد خير.. قد خرجنا من غرفة التحقيق للتو.. صباح السبت حوالي الساعة التاسعة والنصف.. من الفرع القاطن في مدينة القامشلي بجانب ثانوية عربستان القديمة..
يتبع...




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

الخروج من الذاكرة

30-تموز-2010

من تاريخ ملوك السويد / الملك السويدي كوستاف الثاني أدولف

17-تموز-2010

الملك السويدي كوستاف فوسا للكاتب السويدي هانس بيترسون

02-آب-2009

إيليـــــن / للكاتب السويدي هانس بيترسون ج3 ترجمة:

21-تموز-2009

إيليـــــن / للكاتب السويدي هانس بيترسون ج2 ترجمة:

15-تموز-2009

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow