Alef Logo
كشاف الوراقين
              

فصل من رواية / كاثرين /

بهاء الطاهر

2008-05-14


و أني أحب اللمسات الرقيقة و أن يتجاوب الجسدان معا ببطء و سلاسة من متعة التقارب و التلامس إلى قمة النشوة و الامتلاء.

أعرف أن محمود سيوحشه هذا البيت الواسع. سيشتاق في صمت الصحراء إلى الحي الذي لا تهدأ فيه حركة الناس و غناء الباعة. لن يوحشه بالطبع قصر الخديوي المجاور لنا الذي لم تطأه قدمانا و إن أحببت ما يظهر من خضرة حدائقه الجميلة من وراء الأسوار. لا يتصور محمود الحياة بعيدا عن بيته الذي لم يعرف غيره أما أنا فتنقلت بين ثلاثة منازل و لا يجرفني الحنين إلى بيت بعينه . يعود المكان إلى ذهني فقط حين أذكر سكانه فأسترجع حتى روائحه المألوفة و أركانه المنسية ، تدهشني ألعاب الذاكرة.
تأخر محمود قليلا. ذهب إلى النظارة لينهي الإجراءات و قال أنه سيرجع بعدها ليساعدني في حزم الحقائب.
لم يبق الكثير ، كل شيء جاهز للسفر إلا محمود نفسه. اعتدت من زمن بعيد على تقلباته التي لا تنتهي. في البدء كان يذهلني حين يقول الشيء و عكسه أو يفعل أشياء متناقضة دون أي تمهيد. أما هذه المرة فالمسألة تختلف. حزنه يزداد عمقا.
لم يكن سعيدا حين قابلته و لا كنت أنا أيامها. لكننا استطعنا أن ننتزع السعادة و عشناها زمنا. أراه دائما كما رأيته أول مرة على جسر ( الدهبية ) التي جمعتنا عليها المصادفة في الرحلة إلى أسوان. انتبهت إليه و هو يقف بقامته الفارعة مرتديا زيه العسكري و طربوشه الذي يبرز منه شعره الأشيب يتوج وجهه الشاب. و سامته لفتت نظري على الفور لكنها لم تكن هي ما جلبتني إليه من البدء . وجدته يختلف عن الضباط الذين قابلتهم في القاهرة. يختلف في الواقع عن كل الرجال الذين عرفتهم هنا. اعتادوا أن يتحدثوا معي كأجنبية و إنجليزية في بلد يحتله الإنجليز بكل خضوع بينما تسيل من عيونهم نظرة شهوة مستجدية كدموع الشحاذين. عندما اقتربت منه بدا لي الطربوش مثل تاج فرعوني فوق رأسه. وجهه الصارم بعينيه السوداوين الواسعتين و ملامحه المتناسقة وجه ملك حقيقي انتقل من جدران معبد إلى سطح تلك الدهبية. سألته كم بقي من الوقت قبل أن نصل إلى أسوان؟ لم يتقدم نحوي محنيا رأسه كالآخرين ، بل لمحت نظرة عداء خاطفة في عينيه ، لكنه تلفت حوله و لم تكن في الأفق غير زراعات على جانبي النهر و قرى متشابهة عند أطراف الحقول. نظر في عيني و قال بإنجليزيته التي كانت ركيكة أيامها ، لا أعرف ، أنا هنا مع حرس الدهبية. كان ضمن قوة حراسة لأحد الأمراء أو الوزراء المسافرين على ما أذكر. و عندما بقيت واقفة أمامه قال بفتور يمكن أن أسأل أحد الملاحين لو أردت ، فقلت سآتي معك.
و من وقتها بقيت معه ، في ( الدهبية ) على النيل و في شارع أسوان و معابد الأقصر ، ثم في القاهرة عندما عقدنا زواجنا. ظل وقتا طويلا مترددا في الاقتراب مني و أنا التي أتكلم معظم الوقت. أظن أن الانقلاب أتى عندما عرف أني أيرلندية و أني أكره الإنجليز لأنهم يحتلون بلدي كما يحتلون بلده و أشعر بجنسيتهم التي أحملها عارا سأتخلص منه يوم تستقل أيرلندا. بعدها انهار سد بيني و بينه. انتهت مقاومته التي كنت أراها مثلما أرى الحب في عينيه. أن أني كنت واهمة ؟ هل كان حبا أم رغبة ؟ لم أهتم لذلك كثيرا في حينها و حذرني هو منذ بدء علاقتنا بأنه عاهد نفسه ألا يتزوج أبدا ، ثم لم يصمد طويلا ذلك العهد.
بدا الشيخ الذي عقد قراننا في القاهرة تعيسا و هو يرى رجلا مسلما و ضابطا محترما يتزوج امرأة أجنبية من غير دينه. كان يوجه أسئلة فيطل ارتياع متزايد من عينيه و يكرر الجواب كأنه لا يصدق نفسه. ليست بكرا؟ أرملة ؟ أكبر منه بسنتين؟ لا ينوب عنها في عقد الزواج أب أو أخ؟ تزوج نفسها بنفسها؟.
قال لي محمود إنه ليس في ذلك ما يخالف شريعتهم ، لكني رأيت المأذون ينكبّ على أوراقه يدون فيها ما سمع دون أن يرفع رأسه حتى لا نرى نظرة السخط في عينيه. غير أن الشيخ كان مهذبا جدا إذا ما قورن بوقاحة الإنجليز عندما ذهبت إلى القنصلية لأسجل زواجي – تتزوجين مصريا؟ و تتزوجينه أيضا حسب شريعتهم؟و قبل الرجوع إلينا هنا؟ هل تعرفين حقوقك التي ضاعت؟رددت بطريقتهم. قلت شريعتهم تعجبني أكثر من شريعة الإنجليز في أيرلندا. زواجي تمّ على الأقل باختياري و لم يفرضه أحد عليّ بالقوة. حين سمعوا ذلك أسرعوا في الإجراءات كثيرا لكي لا يطول بقائي في القنصلية.
توقع محمود أن يوافق مستشار النظارة الإنجليزي على سفري معه إلى الواحة. أظن أنهم وافقوا بكل سرور متمنين لي الهلاك هناك في أسرع وقت!.

في أيامنا الأولى. في شهورنا الأولى ، عرفت مع محمود سعادة لم أكن أظن أنها ممكنة في هذه الدنيا بعد تجربة مايكل التعسة. و من البدء عرفت أن محمود لا يطيق أي كلام عن الحب ، لا يقوله و لا يحب سماعه. الحب عنده هو ممارسة الحب لا أكثر و لا أقل. و هو هنا ملك أيضا. مستعد دائما لأن يعطي ، قادر دائما على إيقاظ لهفتي و خبير بتجارب كثيرة منذ صباه لم ينكرها. و تعلمت أنا بالغريزة وحدها – التي نسيتها مع مايكل – أن أجاري خبرته. و لعلي أن أكون قد علمته شيئا أيضا. أفهمته أني لا أحب العنف و الاقتحام الذي كان يتصوره دليل الرجولة ، و أني أحب اللمسات الرقيقة و أن يتجاوب الجسدان معا ببطء و سلاسة من متعة التقارب و التلامس إلى قمة النشوة و الامتلاء.





تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow