Alef Logo
كشاف الوراقين
              

(الكتابة) و(الكتابة الجديدة)

محمد علاء الدين عبدالمولى

2006-04-07


(فصل من كتاب وهمُ الحداثة – مفهومات قصيدة النثر نموذجاً) الصادر حديثاً

إذا كانت الكتابات المندرجة تحت عنوان (قصيدة النثر)، قد أصابتها الانقلابات والتحولات التي أشرنا إليها سابقا، وذلك في فترة السبعينيات، فإن هذه الكتابات، وإن أفرزت لها تسميات مناسبة لها بدءا من ذلك الجيل، لم تبق على ما هي عليه بعد ذلك.
فمع قدوم الثمانينيات، ولا نستطيع تحديد اللحظة الحاسمة في ذلك، زاد انتشار (قصيدة النثر) دون أن يواجه أصحابها فاعلية نقدية واعية تكبح من جموح ما يجري وفوضاه. وقد جرت الاستفادة من إنجازات جيل السبعينيات في ذلك الفوران الذي لا جدوى منه على الصعيد الفني. فقد بقيت الشفوية بشكل أو بآخر، مع مزيد من الاستهانة باشتراطات الشعر وجمالياته. ومع حدوث تغيرات كبرى على الصعيد العالمي والعربي، كان لا بد لهذا النوع من الكتابة أن تتأثر به. فمع غزو لبنان 1982 انفجر سيل من النثر المواكب للعمليات العسكرية، منها ما هو على شكل خواطر ارتجالية ومنها ما هو هجاء سياسي وتعبير عن الاحتقان، ومنها ما هو تسجيل وقائعي للأحداث. في هذا الوقت كان شعراء كبار يمارسون كتابة النثر، خارج هذه الارتجاليات والهجائيات والوقائعية، وربما كان أبرزهم (أدونيس - محمد عمران - نزار قباني). رافق ذلك صعود أسماء جديدة تكتب (قصيدة النثر)، ربما لم تختلف في بداية المسألة عن جيل السبعينيات، ولكن مع نهاية عقد الثمانينيات ومع سقوط الاتحاد السوفييتي اختلف الأمر. ما علاقة ذلك بالشعر؟ إن علاقة ذلك أقامها كتاب النثر أنفسهم، حين غمسوا كتابتهم بحبر التيار الماركسي العالمي، أو النفس الأممي، أكثر من اللزوم. في هذه المرحلة كان يتم التركيز على المضمون العقائدي أكثر مما يعتمد على الخطاب الفني وتقنياته. وربما كان الفن والتقنية من أعداء الأممية وعائقا في وجه القضية... لكن ما لم يتوقعه أحد سقوط مركز القرار اليساري في التاريخ المعاصر، ومعه تبدلت النظرة إلى القصيدة والأغنية واللوحة والدين والقومية... الخ كل ذلك أحدث رجة نوعية أصابت (قصيدة النثر) في هذه المرحلة، رجّة لا تعود إلى أسباب سياسية أو أيديولوجية فقط، ولكن لأسباب فنية تخص نزعة التجديد في مجال الكتابة والملل من الأساليب القديمة. وقد التقت هذه الأسباب الفنية مع التحولات الكبرى في العالم والمنطقة، فأدت إلى توقف بعض كتاب النثر، مثل غيرهم من الأدباء والمبدعين في أي صعيد، لمراجعة مصير ما يكتبون، نظرا لأنهم أساسا كانوا يوقتون عقارب تجاربهم على نبض الآخرين. فماذا يفعل هؤلاء بعد انهيار مجتمع كانوا يبشرون به ويلائمون كتابتهم مع متطلباته لانتظار تحقيقه؟
وربما كان من الأسباب الفنية، ومن أبرزها، أن نتاج النثر في السبعينيات بلغ الزبى في هبوطه، وصار من المحتم عليه وعلى الأجيال النثرية القادمة أن يبحثوا في خيارات فنية جديدة. لكن ذلك لم يتبلور في الثمانينيات بشكل أساسي. حتى يكاد المتابع يرى في الثمانينيات فترة ركود نوعي لـ (قصيدة النثر)، لم تأت فيها الأسماء السبعينية بجديد. مع أن هذه الفترة كانت فترة انتشار هذا النمط من الكتابة وذيوعه، مع فقدان الموقف العقلاني والنقدي منه ومن جملة قضايا مهمة على صعيد الإبداع الشعري. وعندما نرى في هذه الفترة ذيوع وانتشار هذا النمط، فذلك ليس حكما على النوع، بل هو توصيف لواقع الحال. فقد هجم عدد غفير من كتاب الخواطر والزوايا على ادعاء الشعر تحت اسم (قصيدة النثر)، وذلك بعد أن كرس جيل السبعينيات مغالطاته حول الموضوع وأوهم القادمين بألا مستقبل لهم إذا أرادوا أن يكونوا شعراء، إلا أن ينخرطوا في كتابة (قصيدة النثر) فهي مستقبلهم الشعري المجيد.
في هذه الفترة نتذكر صرخة محمود درويش (أنقذونا من هذا الشعر) التي أطلقها في مجلته (الكرمل) عام 1982، والتي أعلن فيها موقفا كان لابد من إعلانه من قبل أعلى ذروة شعرية معاصرة. ويمكننا تلخيص هذه الصرخة هنا بأن محمود درويش، كمؤشر على تذوق الشعر العظيم والحقيقي، وصل إلى مرحلة الضجر والضيق مما يسمى شعرا هذه الأيام، وأن الأمر يحتاج إلى جهد نقدي حقيقي يفرز هذا الركام (فهذه هي فترة النقد الذاتي. إذ كيف تسنى لهذا اللعب العدمي أن يوصل إلى إعادة النظر والتشكيك بكامل حركة الشعر العربي الحديث، ويغربها عن وجدان الناس إلى درجة تحولت فيها إلى سخرية؟إن تجريبية هذا الشعر قد اتسعت بشكل فضفاض، حتى سادت ظاهرة ما ليس شعرا على الشعر، واستولت الطفيليات على الجوهر لتعطي الظاهرة الشعرية الحديثة سمات اللعب، والركاكة، والغموض، وقتل الأحلام، والتشابه الذي يشوش رؤية الفارق بين ما هو شعر وما ليس شعرا) (1)
مع هذه الحالة أصبح الجميع خائفين من الاعتراف بأنهم لا يفهمون مما يقرؤون شيئا. وبات كل كلام ركيك غامض نثري عدمي، شعرا بكل سهولة. ليس هذا فقط، بل إن درويش يسمي ما يراه (سيلا جارفا من الصبيانية يجتاح حياتنا ولا أحد يجرؤ على التساؤل: هل هذا شعر؟) ويطرح درويش التعريف المضاد لتعريف الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى والمعبر عن أفكار ومشاعر بقوله (كلنا يأنف من هذا التعريف الضيق. ولكن، هل يعني رفضنا هذا التعريف لأن يكون عكسه هو الصحيح، لنقول: "إن الشعر هو ما ليس موزونا، مقفى، ولا يعبر عن شيء") ويرى أن ثمة عدم براءة متعمدة في الإساءة للشعر، وصار الشعار هو: على الشعر ألا يقول شيئا، أو الشعر هو ما لا قول فيه. وبحجة التحديث والتجريب يجري كل هذا التلويث والتخريب، حيث صار التجديد والحداثة معادلين للفوضى، ليغيب المعنى عن الأشياء كلها. (أهذا كل ما يقوله شعر اللاقول، الذي نجح، إلى حد ما، في خلع الشعر من صلب حياتنا اليومية، وجعل الشعر نكتة الناس الصباحية؟ لا. إنه يقول الضجر. التشابه. تحول البطولة إلى فأر. تحول القصيدة إلى لقطة إخبارية، أو لغز، أو إلكترون، إنه يقول التقنية، والإتقان أحيانا: السطر حسن التوزيع. الفجاجة مدربة. نقاط التعجب يقظة، الموسيقى الداخلية رمل. العبارة الصوفية في محلها. الفراغ شديد الإيحاء بين مقطعين ... ) ويعلن الشاعر صراحة (لا. لم نعد نطيق سماجة الشعر وتراكمه، لأن هذا الشبه بين كل شيء وشيء آخر، هذه السهولة المائعة، جعل الشعر أرخص البضائع).
إن هذه الصرخة/البيان المجابه لسيل الركام اللا إبداعي، دليل واضح على أن واقعا مزريا وصل إليه الشعر. وواضح أن (قصيدة النثر) احتلت إشارات علنية وصريحة عبر مفهوماتها وشعاراتها وأدواتها. وفي هذا البيان جرأة نحن في أشد الحاجة إليها، تصل حتى تتناول قضايا بديهية مثل: ما هو الشعر؟ لماذا لم نعد نفهم؟ ما هي الحداثة؟ هل هي هذا التجريب الفوضوي؟
إذا كرست فترة السبعينيات أداء ليس على مستوى الإبداع الحقيقي، خاليا من أبسط مقومات الخلق والابتكار، أريد به استبدال واقع الشعر بشعر الواقع، وتجربة الأصالة بعX

تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

(الكتابة) و(الكتابة الجديدة)

10-شباط-2018

قصة / عواءُ الجـمجـمـة

04-تشرين الثاني-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

يا مولاي

26-أيار-2014

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

01-أيار-2014

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow