Alef Logo
نص الأمس
              

عزمي موره لي: في لحظة اللذة المطلقة أسمع هدير العدم - حوار :

مجد مغربي

2006-04-05

صدر للشاعر السوري باللغة الفرنسية «عزمي موره لي» مجموعتان شعريتان عن دار النشر الفرنسية «أشكال ولغات Formes et langages»، الأولى بعنوان: «الساحر»، والثانية بعنوان: «الاقتراب» وقد قدم الناشر وهو شاعر أيضاً بكلمة للمجموعة الثانية جاء فيها:
الخاصية الغالبة على شعر عزمي موره لي تتجلى في التأمل المستمر لوعي منعكس على ذاته وعلى العالم، متوتر حتى الانخطاف والرعب أمام تجليه الخاص.
اللحظة الشعرية عنده تتطابق على تمثيل نظام يتعذر إدراكه ويمكن وصف هذه اللحظة، لعدم وجود كلمة أكثر ملاءمة، بأنها صوفية، ومذاك يصبح الماضي والحاضر تجريدين ولا يعودان إلا رمزين لحل لغز اللحظة».
ولهذه المناسبة التقينا مع الشاعر وكان هذا الحوار الذي يضيء جوانب مهمة في حياته وشعره، تكمله القصائد المترجمة المختارة من مجموعته الثانية.



الانتظار والشعر
* لك رؤيا خاصة، وتعيش دوماً في انتظار، ماذا تنتظر ولماذا لا يأتي ما تنتظره؟



ـ أتمنى ألا يأتي كي لا ينتهي، إنه انتظار نفسي، إنه الوعد الأكبر. وهو تجاوز الموت والولادة المفروضين علي.



* ما دور الشعر في هذا الانتظار؟



ـ الشعر نوع من النزيف الصوفي ولطالما أنه حصل فلا بد من مسبب ولكن بما أنه صوفي فالسبب والعارض واحد. وأنا وعيت هذا النزيف، أنا هو.

* هل يساعدك الشعر على تقبل الحياة أكثر أو بالعكس يقربك من الموت؟



ـ الحياة والموت واحد دون أي فاصل بينهما لأن وعيي شمل الحياة والموت وكلاهما ظاهرة طبيعية وعيتها وتجاوزتها، لذلك أعتبر شعري نزيفاً صوفياً ولكن تبقى الرؤيا الأخيرة، رؤيا الدهشة، والرعب اللانهائي.



الصراع بين الوعي والجسد
* في الزمن لا يعيش الإنسان بوعيه فقط بل بجسده أيضاً هل تشعر بالصراع بينهما؟

ـ وجود الجسد لا مفر منه، جسدانا هنا لكننا نتكلم بما يتجاوز الجسد. والمتعة الجسدية لا مفر منها لذة وعذاباً ومتطلبات الجسد المفروضة علي أقوم بها وأرفضها. الجنس كحركة حياة أتجاوزه بالوعي ولكني لا أنكره لأنه قاعدة وجودية، أعيش اللذة فيه، ولكن على قلق كبير لدرجة الرعب.



* هل لأن الجنس يقودك نحو الموت لا نحو الحياة؟

ـ الحياة في كل لحظة تحمل الموت، حتى لحظة اللذة المطلقة يكمن الموت في داخلها وهنا الرعب.



* هل يأتي الرعب من كون هذه اللحظة مفروضة عليك؟

ـ دون شك أشعر أنها مفروضة، بالنسبة لي (أنا الوعي) لو عشت بعد مليون سنة في هذه اللحظة فأنا أسمع هدير العدم.



* العدم؟ لماذا تصر على ذكره في شعرك؟

ـ ليس لهذا علاقة بالموت المعروف، إنه هنا رمز الأبدية واللانهاية. ومادمت حياً، فلا أستطيع إلا أن أتحدث عنها.



* ولكن من يقرأ شعرك يبدو له أن الموت ليس الحل الأخير..

ـ الموت ظاهرة غبية وكذلك الولادة وأنا تجاوزتها بالوعي وأريد لهذا الوعي مكاناً في الكون.



* هل استطعت تحديد مكانه؟

ـ عندما أموت وأترك جمجمتي أخبرك.



* تحدثت عن الصراع بين جسدك ووعيك.. كيف يتجلى هذا الصراع؟

ـ كل لحظة يذكرني جسدي بوجوده ويطرح علي سؤالاً: من أنت؟ ثم يردد: أنا صاحب البيت وأنت زائر هنا.



*وبماذا يجيب وعيك؟

ـ أنت كجمجمة عندك ثقبان، تنظر إلى الحياة فلا ترى شيئاً، لولاي أيها الجسد أنت لا شيء، أنا الذي أنظر وأفتش عن السر.



الشعر ـ النزيف
* كيف تعيش لحظة الخلق الفني، كتابة القصيدة؟

ـ إنه النزيف، أنا لم أكتب شيئاً، أنا نزفت وهذا واقع لم أكتب كلمة إلا كان وراءها نزيف بالمعنى الإيجابي للكلمة.



* كيف يبدأ هذا النزيف؟

ـ كنت أخرج إلى الجبال العارية، أمضي ساعات وساعات حيث أشعر أن جسمي داخل في الأرض. كان الليل يفاجئني أحياناً ومعي دفتر صغير ويأتي النزيف كالزلزال وتولد أمامي الكلمات. ثم أعود إلى بيتي وأشاهدها بعقلي بوضوح تام. أنظر في هذه المادة الخام الخارجة من أعماق الزمن وأعطيها الشكل النهائي.



* هل تشعر بموعد النزيف قبل بدايته؟

ـ قابلية النزيف موجودة دائماً. وهي موجودة حتى في هذه اللحظة من لقائنا.



* ما معالم هذا النزيف؟

ـ يسيطر عليه شيئان: حب كبير لا يوصف وعدالة ضائعة. عدالة المطلق ملحمة ليس لها حد، أنزف أمام المعذبين الذين لا أستطيع أن أحمل لهم شيئاً سوى الغضب وقليل من الموت.



* هل تستطيع اللغة أو الكلمة أن تعبر عن هذا النزيف؟

ـ نعم، طالما يوجد حاجز بين الكلمة والجسد، ولكن الكلمة لدي لا تحمل شراسة النزيف، وهي تتحطم أمام هذا التيار الكوني الذي يمر مني. أحاول تلخيص ذلك بالكلمة. أما الجسد، هذا الجهاز المحدود فإنه يعيش الجحيم.



* في شعرك غياب واضح للمرأة فما دورها في حياتك؟

ـ أشتهيها حتى القرف وهذا ما يلخص حبي لها.



* ولكنها لم تعطك شيئاً عميقاً على ما يبدو؟

ـ أعطتني أشياء كثيرة ولكنها لم تعطني الشيء الذي أريده.



* ما هو؟

ـ الشعراء جميعاً تحدثوا عن المرأة، حتى دانتي تلميذ الوجود الأبدي في جحيمه كانت بياتريس هي التي أوصلته إلى الجنة، لم يستطع أن يتخلص من المرأة. والمرأة لدي هي الأنثى والأم وأنا كرجل وجودنا معاً مفروض علينا. لقاؤنا بداية الجحيم منتظراً التفتح. خرجت من الرحم وكان هناك الدم والرطوبة والدفء، خرجت رغماً عني وابتدأت الحب الذي استمر طوال حياتي معتبراً المرأة جزءاً مني وإذا كانت لا تلعب دوراً في كلماتي فذلك لأنني أعتبر حديثي عن نفسي حديثاً عنها أيضاً بما أنها جزء مني ولكن غضبي يأتي من أن القبر يشبه الرحم.



* إذن هل عجز الشعر عن احتواء المرأة كحضور قوي مستقل؟

ـ الشعر ليس عاجزاً، المرأة هي العاجزة لأنها ليست بحجم رؤياي ولكنها عندي اشتياق لا حدود له مرتبط بالرعب الأكبر (الحياة، الموت، الرؤى الشمولية) ولكن في النهاية يبقى المتمم الأكبر للنازف هو النازفة.



* كذلك الحب فهو لا يظهر في شعرك لماذا؟

ـ الحب كلمة مستهلكة والحب الحقيقي نادر كالعبقري، كحب دانتي لبياتريس وحبها له حين أدخلته الجنة.



* أليس في حياتك بياتريس مشابهة؟

ـ لو كان عندي بياتريس وأخذتني إلى باب الجنة فسأتركها وأدخل وحدي.



* لماذا؟

ـ لأكون وجهاً لوجه أمام السر.



* ولماذا لا تدعها ترى السر معك؟

ـ لا تملك القدرة وإذا كانت تملكها فلتدخل وحدها.



* إذن المرأة العميقة ليست موجودة فيك؟

ـ أرضياً هي مني ولكنها لا تشكل الرؤيا بالنسبة لي.



الصداقة
* هل تمثل الصداقة شيئاً لديك؟

ـ الصداقة تتطلب معطيات معينة، قبل كل شيء هناك الفروسية، النبل المطلق قدرة عطاء لا حدود لها ولا تتراجع أمام انفعالات نفسية تافهة.



* والصدام بين الأصدقاء؟

ـ يحصل الصدام عندما لا يتحمل الآخرون الصداقة بعمق الفروسية وصفاء العطاء ودهشة اللقاء.



* هل تعيش الصداقة على هذه الصورة؟

ـ الصداقة عندي هي العزلة لأن الآخرين لا يتحملون أن يروا وجوههم الحقيقية من خلالي، أنا المرآة بالنسبة لهم ولهذا يهربون خوفاً من حقيقتهم العارية.



* إذن ليس في حياتك صديق حقيقي؟

ـ لا شيء في حياتي حقيقي. ولكن تبقى أجمل اللحظات كانت أسباب التراجع والخوف والكبرياء، لحظة التقاء صديقين.



العدالة
* تحدثت عن العدالة المطلقة وزوال الخطأ عن العالم، لو أتيح لك الخيار بين أن تعمل شيئاً لإنقاذ معذب من عذابه وبين أن تكتب قصيدة فماذا تختار؟

ـ العدالة بالمفهوم التقليدي لا وجود لها وما يسمى بالعدالة الاجتماعية قضية أبدية مستمرة منذ الأزل، ما أقصده هو الصراع الجدي أي مفهوم الكيف والكم على كل الأصعدة (الحسي، الفكري، النفسي) العدالة الحقيقية هي اللحظة التي يدرك فيها الإنسان الأخلاقي ماذا عليه أن يفعل لينقذ ما تبقى من الكم والكيف.



* كيف؟

- النازف لا يعيش في التاريخ فقط، التاريخ يجري أمامه ولكنه صاحب رؤى، يطل على اللحظة التي تلخص التاريخ وهو يبتسم للقبور والنجوم.



* ولكنك نتيجة عزلتك بعيد عن الظالم والمظلوم؟

ـ بعيد وقريب جداً بآن واحد.



* ماذا تعني لك دمشق؟

ـ بقعة من الكرة الأرضية يمر فيها التاريخ.



* وأنت؟

ـ أطل على التاريخ.



* وحدك دون صديق؟

ـ هناك صديق: في الليل حين أنام تصدر جمجمتي أصواتاً.

* الطبيعة؟ هل لها لديك مكانة أعمق من كونها نقيضاً للمدينة؟ أو حين تقول طبيعة ماذا تعني؟

ـ أعني الحسية، كل مخلوق حي مرتبط بالطبيعة غريزياً ولكن الطبيعة التي أقصدها ليست موجودة في كل مكان وهي ليست فقط أشجاراً وعشباً وماء. يدك التي تكتب الآن طبيعة. وبالنسبة لي أنا والطبيعة واحد، أعشقها بشكل صوفي وحين أجدها ارتمي عليها وأقبلها وأتوحد بها أشعر أن الشجرة أقرب إلي من الإنسان الغبي ولهذا لا يخاف النازف من الموت فعندما يعيش الوصال مع الطبيعة بهذا العمق والقلق والشرود يصبح الموت كالنشوة وكالوجد.



* والوطن؟ هل يعني شيئاً لديك؟

ـ الوطن هو أنني هنا وسأبقى هنا.

* هل تحب أن تموت الآن؟

ـ نعم الآن، لولا أنني أحترم وجودكم.



* ولكن الموت قد لا يكشف لك السر؟

ـ ربما كنت أحب مجي الموت أكثر من الموت.



* أرسطو عرف الإنسان بأنه حيوان ناطق، هل لديك تعريف آخر؟



ـ كلمة إنسان شاملة، لا أستطيع أن أعطي تعريفاً واحداً للإنسان ينطبق على كل البشر ولكنني أعتقد أن الإنسان هو الوعي الحقيقي.



* وهل عزلتك هي هذا الوعي؟

ـ العزلة هي المعبد الأخير للذات لأنها تحمل تفتح الرؤى.

* ما هي الكلمة التي تحب أن تقولها وأنت تموت؟

ـ هناك كلمة جميلة قالها فونتويل الشاعر القديم. سئل وهو يموت بماذا تشعر الآن؟ فأجاب: «بصعوبة أن أكون».

عتبة
بين الظل والضوء تظهرين
في أعماق عزلتي أصغي لصلاتك
تعبر العمر المأتمي كالحلم.
هي ذي آثار الماضي العتيق الحاضر أبداً..
هي ذي أنقاضه الكبيرة..
في ذاكرة الأشياء.. النسيان .. الوعد..
الانتظار، نعبر السر ينتشر.. أصغي..
أصغي...
صوت ما يسكننا
قريباً من الموت، على عتبة الولادة.



كن دليلي
الأرض تنزلق، الإعصار يدوم، لا تغب طويلاًَ، كن دليلي
أتحسس ما وراء المرعب والجميل،
كنت الغائب النقي قبل أن أكون ذاتي
لكن من هنالك؟ هذا مكان فان! هنا الفانون لا يجيئون
الشيطان يستمسك بجسدي، أغامر وأتقدم في غور الأشياء تظهر لي، الولع يناديني، علي أن ألاقيك
ولكن منذ أن أراك، تغيب، وفي النسيان تعود لتلاقيني.



فرح
يا للفرح! أسمع التنهد العظيم
الأرض تستيقظ، الخلية تبحث عن العسل
حين تعبر الملائكة الذكريات
يفتح لنا الشاعر طريق السماء
الدالية السكرى ترقب نضوج العناقيد
الشيخ المنحني ينظر إلى البعيد
وفي دفء المهد، أرى الطفل يبتسم
الآلهة تشاركنا فلنستمتع بالوليمة
مفرح أن نخسر ما أحببناه
ذلك أن كل رحيل يقربنا من الصمت
لا برهان لدي، في هذه النشوة المقدسة.
ولكي أعرف الحقيقي، أسبر الغياب.



أرى عابراً
من الصارخ؟ أهناك أحد يشهد موته؟
أسمع نحيباً! كلا، لعلها الريح ألقت جسماً
وهي تعبر العتبة
من هناك؟ لكن من يصغي إلي؟ في هذه اللحظة ذاتها أرى عابراً
قطرة ماء تنفصل عن الحجر، إنها ظل يقتلع قيوده
ها هي المادة تتفتح فجأة، تلقي أشكالها،
تجتاح مساحاتها
لا تلمس، كثيفة ولا شكل لها، تسيل كالحمم ثم تتلاشى
الزمن يمر... وكأوراق الخريف تتساقط العصور
والساعة هي هي تدق رتيبة لا تتبدل

أنتم يا من تنتظرون الولادة
أنتم يا من تنتظرون الولادة تذكروا الموتى
الزمن يشهد اقترابنا الأسمى
نحن اللاشيء، لكننا نبنى المستقبل الذي يملككم.
حين تنضم القطرة إلى القطرة تصبح نهراً،
وعي الموتى في هذه اللحظة، لا يضيف شيئاً إلى السقوط
نتابع الصراع، نحن أنفسنا بلا نهاية.
مختلفون، ومع ذلك متشابهون، ننسج القدر ذاته
حتى أننا نمزج الحي بالميت.



الأنثى
كمثل أفعى تخترقها ارتعاشات غامضة
ترقد الأنثى.
الحلم القديم يحرك جسدها، كأنما لكي
يستدعي الكارثة الأصلية.
ثمة إله يعبر الكواكب أكثر قدماً من العالم
تصور في غضبه القدر الذي لا يرد
وانبثقت الأنثى من أعماق الأرض
مندهشة، مثيرة، تنتصب ضد الذكر الذي ولدته.
يا للزائلة! غداً تنزفين وأنت تقذفين أجسامنا
كأجساد متروكة للعذاب الأبدي.



***
في أعماق جهرك المقدسة، يكمن سر الموجة.
تتموج هادراً، أيها القوة الغامضة.
يا امتداداً بلا شكل، يا ظلاماً بلا شكل،
يأخذني الدوار وأنا أتأمل أمواجك
أأنت الالوهة؟.. يا للرعب! لكنك الأبدية.



ليل
ـ ماذا تفعل في الليل حين يكون مظلماً وبارداً
حينما تعبر كظل ذكرى سعيدة في وحدة الذاكرة؟
حينما يدفعك للبكاء وجد دافئ يخرج من أعماق العصور؟
أو ابتسامة مشعة في لحظة الوداع
تتلاشى كالندى على الصخور الموحشة؟
ـ وحيداً! داخل نفسي أشرد في الظلام.



دون الوصول أبداً
نموت دون أن نبلغ أبداً، عبر الكثير من الذكريات والظلال
الأمل البعيد، السر.
النظرة القاتمة في كل مكان، حتى هنا، ذلك أن السقوط أكيد
التنفس يكاد أن ينطفئ
ما يتبقى لنا من الاحتضار والعناق
هو هذا الاندفاع النقي نحو الصمت المقدس.
المصدر: ملحق الثورة الثقافي – العدد السادس - 1976







































































































































































































تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow