Alef Logo
دراسات
              

القصيدة أم / مقاربة بنائية دلالية لقصيدة "إلى أمي" للشاعر محمود درويش

حسين حمزة

2008-10-14


السياق الخارجي

سأعرض فيما يلي للظروف الخارج نصية التي أفرزت نص القصيدة، على اعتبار أنها غلاف يحيط عملية الإبداع الشعري. تصبح القصيدة وليدًا لم يقطع حبل سرته من والدته. أعتقد أن هذه العلاقة هي التي يجب تربط النص الأدبي بخارجه، دون أن يكون الخارج مسيطرًا على القصيدة. ومن يفعل ذلك يسلّم بالضرورة بهامشية النص/ الوليد وبمركزية خارج النص الذي كان شرارة أفرزت العمل الأدبي.
يتحدث الشاعر محمود درويش عن علاقته بأمه قائلًا:" تكوّن لديّ شعور بأنّ أمي تكرهني. كان هذا عقدة أو شبه عقدة. ولم أعلم أنّه ليس صحيحًا إلا حين دخلت السجن للمرة الأولى، وأنا في السادسة عشرة من عمري. زارتني أمي في السجن وحملت لي قهوة ( التشديد من الكاتب) واحتضنتني وقبلتني. فعلمت أنّ أمي لا تكرهني. كتبت " أحنّ إلى خبز أمي" قصيدة مصالحة معها"[1].
يتبين من خلال وصف الشاعر للظروف المحيطة التي أنتجت القصيدة بأنها موجهة لأمه دون أن تحمل بعدًا رمزيًا وإن كانت قصائده تحمل هذا البعد في مواطن كثيرة:" أريد أن ينظر إليّ من دون أن أحمّل أعباء رمزية مبالغًا فيها. ولكن يشرفني أن ينظر إلى صوتي الشخصي وكأنه أكثر من صوت. أو أنّ "أناي" الشعرية لا تمثل ذاتي فقط وإنما الذات الجماعية أيضًا"[2] .

التناص الداخلي. نعني به أن تتقاطع نصوص الشاعر مع قصائده. يؤدي هذا التقاطع إلى إثراء التجربة الشعرية عنده. ومن ثَم يجعل القارىء يتمّم الرسالة التي يريد الشاعر أن يبثّها من خلال قصيدته الحاضرة. غنيّ عن الذكر أنّ حركة التناص الداخلي هي حركة بندولية تحثّ القارىء على البحث لإيجاد تقاطعات أو تحديد معان تغلّف نص الشاعر بناء على محور التراكم المفرداتي عند الشاعر.[3]
يمكن الإشارة إلى بؤرتين اثنتين تتعلقان بالسياق الخارجي الذي أنتج القصيدة. وتؤثران على علاقة الشاعر بأمه:
لفظة الخبز. يذكر الشاعر على سبيل المثال في قصيدة " تعاليم حورية"
ونسيت كيس الخبز(كان الخبز قمحيا)
ولم أصرخ لئلا أوقظ الحراس. حطتني
على كتفيك رائحة الندى يا ظبية فقدت
هناك كناسها وغزالها...[4]
فالخبز عند درويش موتيف أساسي يحمل دلالات الوجود، وعلامة فارقة في تحديد هويته وانتمائه. وتحديد اللون يتجاوز تعليق الشاعر البريء ليصبح دمغة تؤسّس لعلاقة الشاعر بأسباب الحياة. ففعل النسيان يقابله فعل التذكر المتمثل في التعليق(كان الخبز قمحيا).أي أنّ الشاعر يعرض إلى ثنائية العدم والوجود مجازًا في هجرته الأولى إلى لبنان.

القهوة. يعتبر درويش من الشعراء العرب القلائل، إن لم يكن الوحيد الذي وصف القهوة وصفًا أسطوريًا جعل منها أيقونة لوجوده كما تمثّل ذلك في "ذاكرة للنسيان". يقول درويش:" رائحة القهوة عودة إعادة إلى الشيء الأول لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول. هي رحلة بدأت من آلاف السنين وما زالت تعود. القهوة مكان. القهوة مسام تسرب الداخل إلى الخارج وانفصال يوحد ما لا يتوحد إلا فيها هي رائحة القهوة. هي ضد الفطام. ثدي يرضع الرجال بعيدًا"[5].
يسهم ما ذكرته سابقًا من ظروف محيطة بإنتاجية النص في فهم أفضل لعملية التلقي.

1.3 عتبة العنوان

يتكون عنوان القصيدة من ثلاثة عناصر بنائية: حرف الجر، لفظ الأم وضمير المتكلم. كان بإمكان الشاعر أن يحذف حرف الجر ليصبح عنوان القصيدة "أمي". لكنّ دلالة حرف الجر تؤكد مفهوم الرسالة. فكل عنوان ينقصه ما يخبر عنه أو ما يتقدم عليه. ويكون العنوان عندها رسالة إلى أمي. ولو كان العنوان "أمي" لورد في ذهن القارىء سؤال ما بها؟ أو أن يبحث عن صفة لها أو ما شابه ذلك. وحرف الجر يحمّل العنوان دلالة مغايرة ليست بالوصفية بشكل قاطع. ومن ثم يحدد ملفوظ العنوان الدلالة العامة للقصيدة. فيتحول متنها إلى رسالة. ويصبح الشاعر مرسلًا فتنتقل القصيدة من التوجه الفردي"أمي" إلى التوجه التخاطبي في ملفوظ "إلى أمي" ويصبح حرف الجر علامة دالّة لا غنى عنها في القصيدة. أما اللفظ الثاني فهو أمي. ويتكوّن من المرسل والمرسل إليه. إضافة إلى العلاقة الحميمية أو التملكية التي يشير إليها ضمير المتكلم.
تعتبر الأم أيقونة مقدسة في الشعر العربي الحديث. وهي في حدّ علمنا كذلك إذ لم يوظّف، فيما نعتقد، اللفظ ذاته بدلالات غزلية إباحية[6]
تعتبر صورة الأم من أهم الرموز التي وظّفها الشاعر في شعره:" واستطاع أن ينتزع هذه الشخصية من إطارها الواقعي إلى إطار رمزي جديد قام بابتكاره وخلقه فجردها من بعض صفاتها الآدمية وجعلها رمزًا لأرضه"[7] التي قدس كلّا منهما.

يؤكد العنوان " إلى أمي" دلالة تتناسل من مفهوم الرسالة وهي البعد. لأن الرسالة لا تكون إلا إذا افترضنا مسافة فاصلة بين المرسل والمخاطب. لذلك يتأكد معنى البعد من العنوان كما سنحاول إثباته في القصيدة من جهة، وكما دلّ عليه السياق الخارجي من جهة أخرى.

1.4 هيكلية القصيدة

تنتظم القصيدة في ثلاثة مقاطع. قد يدلّ النسق الثلاثي هذا على عنصر التقديس تجاه الأم. يمكن عنونة كل مقطع على حدة:
الأنا الفاعلة في المقطع الأول
موتيف التغطية في المقطع الثاني
التماهي في المقطع الثالث

الأنا الفاعلة- فعل الحنين
يبدأ المقطع الأول بالفعل المضارع أحنّ. والحنين فعل صوت وحركة. نقصد بالصوت معناه المعجمي الذي يدل على: " الشديد من البكاء والطرب. وقيل هو صوت الطرب كان ذلك عن حزن أو فرح... والأكثر أن الحنين بالصوت. وتحّننت الناقة على ولدها تعطفت... حنين الناقة على معنيين: حنينها صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها وحنينها نزاعها إلى ولدها من غير صوت"[8]. أما الحركة فناتجة عن الرغبة الشديدة في الالتفات إلى الغائب.
لا يكون الحنين لشيء آني بل للبعيد أو لشيء نفتقده. والحنين لا يكون لمن نراه بل لمن غاب عن أنظارنا. يؤكد ذلك البعد الفيزيائي لأنا الشاعر عن أمه والبعد المعنوي. كذلك يحيل فعل الحنين إلى دلالة المقارنة، مقارنة الآني بالماضي فينتج عن ذلك مفاضلة بينهما ترجح الماضي لأنّ الآني يمثل حالة من الضيق/السجن بينما يمثل الماضي حالة مثالية يحاول الشاعر أن يستردها أو أن يبقيها في الذاكرة. يرتبط فعل الحنين بمفهوم التذكر ومن ثم تنشأ ثنائية التذكر والمحو، تذكر الماضي ليمحو الحاضر( وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدر يوم). إنّ تضخيم الماضي المتمثل بالطفولة يهدف إلى حصر الحاضر المتضمن هروبًا منه.
إنّ الزمن اللغوي لفعل الحنين هو الحاضر المستمر وتكون دلالة هذا التوظيف حركة دائرية من الرغبة في نقل الماضي إلى الحاضر، أي تحويل الماضي إلى مركز وتهميش الحاضر وهذه آلية أخرى يوظفها الشاعر من أجل صراع البقاء.
يحنّ الشاعر إلى ثلاثة أشياء: الخبز والقهوة واللمسة. وهو بذلك يوظف أسلوب التثليث محكومًا بمبدأ التدرج من المادي إلى المعنوي:

أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي

وكأن هذه الأمور الثلاثة سلّم احتياجات الشاعر. قد لا تكون لها أهمية من حيث قيمتها لكن إضافتها إلى الأم يجعل لها مكانة خاصة.
يكثّف الشاعر شعرية الحواس في المقطع أعلاه ذلك أنّ جميع الحواس تتمركز فيه من لون ورانحة وملمس وسمع غليان القهوة. يعتبر هذا المقطع الافتتاحي نفثة شعورية يؤكد أنّ ما يذكره هو ما يفت قده، عند ذلك يصبح المعنى المورّى هو الحاضر ظِلّ النص يلازمه.
يقابل الشاعر بين الطفولة وبين الحاضر. عندما نكبر نبتعد عن طفولتنا بفعل عوامل التهيئة الاجتماعية لكنّ الشاعر يجرّ طفولته معه فتتناسب تناسبًا طرديا مع حنينه. وهي مرآة محدبة تعكس كبر الألم الذي يحياه الشاعر:

وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر يوم







تعليق



farah

2013-10-23

الأُمُّ مَـدْرَسَــةٌ إِذَا أَعْـدَدْتَـهَـا أَعْـدَدْتَ شَعْبـاً طَيِّـبَ الأَعْـرَاقِ الأُمُّ رَوْضٌ إِنْ تَـعَهَّـدَهُ الحَـيَــا بِـالـرِّيِّ أَوْرَقَ أَيَّـمَـا إِيْــرَاقِ الأُمُّ أُسْـتَـاذُ الأَسَـاتِـذَةِ الأُلَـى شَغَلَـتْ مَـآثِرُهُمْ مَـدَى الآفَـاقِ

mona achbani

2015-03-18

هادشي كثير و ما فهمت فبه شي

أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

رأس الحكمة...

07-آذار-2014

تمتمات صغيرة

03-كانون الثاني-2012

خطاب التجلّي

26-تموز-2011

عجوز

30-تشرين الأول-2009

دم الغزال

10-تشرين الأول-2009

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow