Alef Logo
كشاف الوراقين
              

' لا ' مجموعة قصصية جديدة للدكتور بشار خليف

ألف

2007-08-28

عن مركز الإنماء الحضاري بحلب، صدرت مجموعة قصصية للكاتب بشار خليف ، تحت عنوان " لا ".
و قد حوت هذه المجموعة خمس نصوص هي: القدم - نار بين ماءين - آخر الماء - دمشق – حب و ست قصص : آدم و حواء - موت السيد فاتح - الذئبة - نور قانا - أيلول 1997 - صوت .. أصابع .. و شبّاك
" جاء في كلمة الناشر :
تولد القصة هنا من رحم " الفكرة " قد تكون للوهلة الأولى مستغلقة على القارئ , و لكنها تعطيك نفسها في القراءة الثانية.
لماذا نكتب ؟
كثيراً ما يهاجمنا هذا السؤال المعرفي .. أليس هناك
في النهاية قارئ يحاول أن يأخذ مكان الكاتب , و يفكر .. !!
نجد في قصص " بشار خليف " دعوة للتفكير , و لا بد من الحرث في البنية العميقة كي تتصيد المعنى , عبر لغةٍ شفافةٍ كثيفةٍ بالصور الموحية , و الرموز , و الأساطير , و التاريخ’ حيث تحمل دلالات تشيد بروح الحياة .. و انتصار الإنسان !
لا غلو إذا قلنا أن هذه القصص تحيل إلى تجربة قصصية هامة ستقف عندها الأقلام النقدية طويلاً .
جاءت المجموعة بعد عدة اصدارات للكاتب، أدبية وفكرية تاريخية – أثرية ،
حيث صدر له : الحفيدة – قصص سرجون الشامي . قال لها – نصوص شعرية.
وفي المجال الفكري : دراسات في حضارة المشرق العربي القديم – العبرانيون في تاريخ المشرق العربي القديم – مملكة ماري وفق أحدث الكشوفات الأثرية .
وقيد الإصدار كتاب حوارات في الحضارة السورية .
مجموعة لا ،جاءت في 96 صفحة من القطع المتوسط ، والغلاف للفنان رأفت السباعي .
نقتطف من أجواء المجموعة:
دمشق :
باردٌ، كدمشق في يومها الأخير.
أرى: يبلع الرمل الماء ولا يشبع.
أرى: أركض نحو أختي، التي ماتت قبل أن تلدها أمي، كي أمنحها سرّي.
أنا ابن آخر قطرات من شتاء، كالضجيج أتصاعد... حكاية بخار منفيٍّ من إبريق جدي.
وجدي، رأس لطربوش أحمر وقمباز لسجادة صلاة تحت مئذنة.
.كان شكل جدي مئذنة.
" ألفٌ، لامٌ، ميمٌ " ويصير جدي نوناً بين ركعتين..
رأس تعلو، رأس تهوي، غريب، عميق، وحيد، مثل إصبع جدتي في جوربها المثقوب.
بارد أنتَ، أفهم أن آخر عشقك كان أول موتك،
وسط الموت أنت، ضمة ورد في كف متعبة..
أردُّك الآن عني نحو رملي، أردُّ عنك جنوني، أدع الصبح يرسم رفيف الجناح على كتفيك.
يدٌ تقبض على نقطة نبيذ قديمة، أنت.
مثلك، شَقيٌّ أنا يا جدي، نسغ بين جوريتين في يوم دمشق الأخير.
«أخيراً» كنتَ يا جدي، إفكاً، فارساً شنقته رايته، حديقة نَشَّفتْ أشجارها.
أَوْدَعْتُكَ السرّ أخيراً، أنا الآن آخر ما تَبقَّى مني.
حب
ها أنا أريد أن يأتي الصباح، متعَبٌ هو الليل، ساكنٌ مثل كوكب يصطاد النيازك.
سأعلن صحوتي الدائمة حتى لا يجيء القمر ليسألني عن نهاره الضائع، أنا رجل بلا جواب، والسؤال ليس لي، أحلم في الصباح وأدع الصبح يحلم بي، ولأنني حلم فالليل سيدي، لهذا أنا كالصحو الدائم مثل هذا النبع... نبعك... الذي لا يبللهُ المطر لأنه سيد الماء.
ها أنا أفتح عينّي كباب مغلق لئلا تأتي النجوم كي تحدثني عنك، أفتح عيني كما أغلق الباب لئلا تتناثر دموعك في وجهي،
دعيني، إني أبتكر صَخباً يفوق مخاض الليل.
نور قانا :
اختفت الشمس تماماً، راحت الأضواء والوقت غروب، أصوات الرعد تدوي.
انكمشت نور، أوشكت أن تخبر أمها عن الرعد الذي يجيء، عن زعل الشمس منها، عن خاتم المديرة.
لم تشأ إزعاج أمها التي سقطَ رأسها بين كتفيها فجأة، كفجلة، لحظةً، صارت نور تخاف العتم الذي جَثَم، وصوت الرعد الذي أضاء بَرْقَهُ على رائحة شواء تخرج من أصابع أمها وشعرها.
لحظة، خافت نور على صدريتها البيضاء من أزرارها الحمراء، أحستْ بأن الرعد هو غضب الشمس منها.
خلعتْ رداء الرأس، مضت نحو النافذة وحين لم تجدها، كادت الشمس تختفي، وإلى الأسفل وقفت نساء متشحات بالسواد يلطمن على صدورهن، بينما كان ثمة رجال يلقون الماء من الجرار على البيت المشتعل.
لم تفهم نور معنى أن تصيح النسوة يا حبالتي. وَدَّتْ أن تسأل أمها عن سر الماء الأحمر الذي يقذفه الرجال على بيتها، أن تسألها عما وراء الحشد.
صوت ..أصابع ..وشبّاك :
ولكن ما الذي تضعينه حول رقبتك؟ لا, لا يهمني السلسال بقدر ما يهمني ما يحمل, اثبتي قليلاً, لو أن المسافة قريبة لتوّضحت المعالم لكنني أستطيع أن أخمن أيضاً … أنت تضعين قرآناً مذهباً.. والله أحبكِ يا حبيبة … لحظة.. لا.. ليس قرآناً. أنت تضعين صليباً, نعم, يبدو أني أراه جيداً.. يا حبيبة.. والله أحبك.
المشكلة أن أشعة الشمس تزوّغ النظر لهذا فأنا لا أحدد جيداً. لا.. يا حبيبة.. هذا ليس صليباً.. لو ترفعي يدك قليلاً وتحركي السلسال, كأنني أرى.. هو سيف إذن.. والله أحبك يا حبيبة. ولكن السيف لا يكون ملوناً.. كأنّ ثمة ألوان, هل هي إشارة الخمسة حدود..؟!
أحبك يا حبيبة بكل ما تضعين لأن دمعك واحداً.
يا حبيبة كل شيء يضعه الناس حول رقابهم يشير إلى السمو -إلا النجمة السداسية- القرآن من الله, والصليب علّق عليه ابن الله بالروح, والسيف حمله صاحبه لإعلاء اسم الله, والإشارة هي صفات الله الأزلية.
أشطح وأقول لماذا لا نضع اسم الله, أنا لا أخشى شيئاً ولكن لا أثق بالدروب كثيراً. أنا أفرح بكل قبلة أو وردة توصلني وإياك إلى الله, ولكن رياح الشرق ليست دائماً معتدلة؛ هناك أنواء.. دموع.. أكثر من دماء!
أخشى أن يصير ما نضع في رقابنا بديلاً عن الأسمى.. عن العالي..عن الواحد والوحدة.
آخر الماء :
يا طول ما أعددتَ ملامحك لوجه يجيءْ.
يجيءُ، فيتطاير الهواءُ بين أرضك وسقفك، بين سقفك والسماء. تضيع ملامحُ ارتعاشة خَلْقِكَ الأولى. تصيرُ هذه الكرة الذهبية مرآة الغابات التي تبتكر وجوهها من وحشة الظلال والصمت.
خفيةً، لوعةً، برهةً، وتجتازكَ الشمس إلى منفاها.
ترسم، تنقش، تكتب. تفهم لغز تلك «الحصاة المتحركة التي لا ينبت عليها العشب».
وجهٌ، نبضٌ، أو ذاك الوقت، وَتَسُودُ ظلَّك الأمكنة، ويأتيك ما يأتيك – زمن كأنه ابتكرَ الفراغ ليغتال مكانك. حسنًا، لُمِّي، أيَّتها الماء، ظلالَك، طحالبَك، شواطئَك، لُمِّي ثغرك لتقضمي لذة المحلِّ بزهرة اللسان. وتسمع:
- حالك ما حالك، كأنكَ لستَ سواك، وليستْ سواها! وبطيئًا بطيئًا يعلو الماء الماء، بطيئًا وتقذفه أصابع النوء إلى السماء، بطيئًا ويعود الكل ماءْ.
وجهٌ، وليلٌ دمشقي يقتات من مئذنة الصوت إيمانك الوحيد بأصابع تعلو، تسمو، تمحو، وتعلن زيتك، ماءك، لوحتك.
يا وحيد رقصتك الأخيرة، يا نشيدك، لحظة رَقَصَ المغولُ على حبرك المنساب على شطآن دجلة... وماءْ.
تعلوك أرقامُ الشمس، منفاك بخورٌ ونار، ونَهْدٌ لمَّا يبتكر رضيعَه.
شرقٌ، ويتناثر خَفْضُ الجناح إلى عدمك – وتسأل عن حالك، ما حالك؟ رقم، والواحد إلى أعشار واحد وألف.
يا فاصلة لسطر بلاك، يا وحيد رقصتك الأخيرة، عُدَّ آتيكَ الذي جاء، وغُصْ في حكايات الخرافة، ليأتيك ما يأتيك – ليلك الشهرزادي الماجن – وبحبوحة تجري من تحتها الأنهار والماء أنتْ، فاثبتْ على وقع خطاك، لغاية الطحالب وأسنك، لطيور بلا أجنحة ومساء بلا هواء.
أجنحةٌ... وتنقطع، يا وحيد رقصتك الأخيرة، إلى ألف زغب وطيف.
تعلن أسماكك، فتلفظك موجةُ ماء الصباح. وحين تصحو ماؤك، تبتكر الصحراء لك نخلةً، لتعلنك جزيرة – ويا طول ما أرعبتْك خطاك!
شرقٌ وَجَفْ، وعلا الماء، وعاد الكل ماء... فاكتملْ عنقًا لألف رأس، صهيلاً بلا فرس وفارس، وقوقعة بلا ملح وبحر. نار بين ماءين :

ـ وأنت بماذا تحلم ؟!.
هو الصوت الذي اعتادت الليالي أن تغتال به وحدته، بالسؤال، بالحلم، بالتوقعات الممضة والاحتمالات المكفَّنة بهذا الانفراد. ومع هذا كان عليه أن يجيب مبرراً أن الصوت الداخلي لا يخون أسئلته، لهذا لن أخون الجواب:
ـ بالشطآن أحلم !.
ـ أي بحرٍ يقيك مدّك ؟.
ـ متلائماً عبرتُ ذلك المنتصف.
ـ مُضنى أنت، انفخْ في وجه بقاياك، تعاويذك، تمائمك، لقاك الأثرية من عصور ماقبل ضغائنك، دوائرك ودواليبك، مثلثاتك وزهرة لوتس، مسلاتك وهرمك يشيخ، ثم يصير لونك كصفحة هذا الماء ذي البئر الآسنة.
غاية دجلتك، جدوى نيلك، معنى دانوبك، تاريخ من عصاة، ملوك مماليك، وَهْمُ حفظةِ أوراق مقدسة، ثم يكون لونك الذي بلا شمس.
ـ يحلم.
ـ حسن، دعه يحلم بالليل قبل أن يأتيك سيد الألوان الذي انتصبَ مذ صارت جهاتك سِتْ، دعه يمحقك، يمحق بريشة المعجزات لونك الوحيد، زئبقك، ويبلل ريشتك الوحيدة لتصير هذا الظن.
ـ يحلم الظن أحياناً !.
ـ سيسقط في خيار المحار.
ـ أي محار هذا ؟.
ـ محار النار والهواء.
ـ تَهْذُرْ !.
ـ كأني أضعتُ !.
ترتعد الذاكرة، تشحب، تطفو، تخبو، تهمي، تهوي، ثم تعبرك أشباح تدمرية على خيولها الحجرية والصحراء باردة كما الروح تماماً، كما هذا الظن تماماً، كما هذا الحلم الذي هو أيضاً، تماماً.
انكمشَ، تقلصت الأصابع وعضتْ الشفاه وشالَ البرد هواجس الروح إلى بئرها، يَعْبُرُهُ الصوت ثانية:
ـ مضغة أنت حتى ولو ولدت، مضغة تبقى. هكذا يقولون والله أبقى.
تبلورتَ سريعاً في لاءاتك النافية، صرتَ مشروع العكس.
وهذا الفرح الذي يعدو أمامك، أنت تراه... ترقبه بدقة حتى يصل إلى قدميك، وعوض أن تُبعد قدميك لِيَعْبُرُك، تدهسه وتقفز ككنغر أسترالي كسيح معلناً أنك هصرت صرصاراً أسيوياً أو مكدونياً أو من هذه السلالات التي رقصتْ حتى صارت قبورها حلبات رقص أفريقي تنتظر تأبيناً يليق بطعم هذا التشفي من زمان أو مكان أو فرح.

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

31-كانون الأول-2021

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

22-أيار-2021

الـمُـغـفّـلــة – أنطون بافلوفتش تشيخوف‎

15-أيار-2021

قراءة نقدية في أشعار محمد الماغوط / صلاح فضل

15-أيار-2021

ماذا يحدثُ لجرّاحٍ حين يفتحُ جسد إنسانٍ وينظرُ لباطنه؟ مارتن ر. دين

01-أيار-2021

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow