Alef Logo
الآن هنا
              

من مداخلات مهرجان العجيلي للرواية العربي بعض من تجربتي في الكتابة

رفغت عطفة

2008-12-03



في مهرجان من مثل هذا المهرجان، الذي أُحيي القائمين عليه والمشاركين فيه، يُفكّر المرء ما الذي سيقوله ويكون جديداً فعلاً غير تفرُّد التجربة؟ التجارب مهما تشابهت، تبقى مختلفة من كاتب إلى آخر.
بدايةً أقولُ لم أكن في يومٍ من الأيّام كاتباً مُحترفاً. لم أجبر نفسي على ذلك. كنتُ أشعر دائماً أنّ عندي ما أقوله وطريقةً في قول ما سأقوله، لكنّ الوقتَ كان دائماً عدوّاً حقيقيّاً لي. فأنا كنتُ في عملي الوظيفي أشعر بأنّ شرف المهنة كان يتطلَّب منّي أن أكون على مستوى المهمّة البسيطة التي عيّنتُ فيها: رئيس مركز ثقافي في مدينة صغيرة، مساحته لا تتجاوز مساحة بيت عادي، كان هاجسي كيف أحوّل هذا المكان الصغير إلى مكان يتسع للثقافة بكلّ أشكالها وتجلّياتها.
وصادف أنّني تعرّفتُ ذات يومٍ على شخص صار صديقاً، حميماً: د محمّد كامل الحاج صالح. كان ذلك عام عودة الصديق حيدر حيدر من منفاهُ حاملاً معه روايته الرائعة وليمة لأعشاب البحر، أي وكما أذكر من أوّل قصّة كتبتُها في عام 1986. تلك كانت قصّة تُصبحون على خير.
صارت زياراتي تتكرّر إلى طرطوس، حيث كنتُ في أيّام العطل أو الإجازات لا أجد نفسي إلا وقد توجّهتُ صوب طرطوس،. كان الصباح مُلكي في وطى بصيري، فأجلسُ إلى الآلة الكاتبة، لا أعرف بماذا سأبدأ، لكن ما إن ترتسم الكلمة الأولى حتى كانت القصّة تبدأ تأخذ شكلها ومضمونها.
صرتُ في كلّ مرّة أذهب فيها إلى طرطوس أعود بقصّة أستمدّ موضوعها مما أرى وأحسّ حولي، وأحياناً من تجربتي الخاصّة، من تجارب أصدقائي ومعارفي. لقد أغنى عملي في المركز الثقافي حياتي، جمّلها بالثقافة، شعراً وقصّةً وفكراً وتشكيلاً. لم أرسم الواقع يوماً واقعياً، كنتّ ارسمه، كما يرسم الفنان لوحته، أشعر بصوفيّة في الكتابة فتتجلّى صوفيّة الواقع، بمعنى الغرق في وجد الكتابة ووجد الوجود. لذلك جاءت بعض القصص كأنّها خبب جيادٍ ظامئة للإفلات من مرابطها. هكذا كتبتُ أكثر من أربعين قصّة، نشرتُ غالبيتها في المجلات الأدبية السورية. ولسبب أو آخر لم تظهر هذه القصص في مجموعة إلا هذا العام، في إسبانيا. حيث تفرّغتُ بعد تقاعدي لجمعها والدفع بها إلى المطبعة، فجاءت مجموعة الرجل الذي لم يمت.
في عام 1990 بدأت كتابةً لم أقصد لها شكلاً، اعتمدت فيها على تجربتي في الحياة، على معارفي، على واقعي وواقعهم النفسيّ، لكنّها لم تكن أيّاً منهم، على الطبيعة، التي جاءت في هذا العمل بطلاً، بالمعنى الأدبي للكلمة ، موازياً لأحمد، الرابط الأساسي بين مجموع فصولها. كنتُ حين أنتهي من كتابة حالة، كي لا أُسمّيها فصلاً، أنتقل إلى كتابة حالة أخرى، وحين انتهيتُ منها، أو بالأحرى توقّفت عن الكتابة فيها في عام 1992، وجدتُ أنّها يمكن أن تشكّل روايةً، نوعاً من الرواية ، أجرؤ، دون ادعاءٍ، على القول بأنّه جديد. فجاءت رواية قربان تحمل بعضاً من وجداني وتعكسُ بعضاً من نظرتي للعالم الذين نعيش.
حين بدأت أنشرُ، لم أُفكّر بالرقيب، فقد كنتُ أكتب وحسب، أي أنّني لم أُفكّر بأنّني سألعب على ما أكتب فأُغير كلمة هنا وكلمة هنا، لم أكن أقصد حين كنتُ أكتبُ شخصاً بذاته، سواء كان هذا ممن تنطبق بعض مواصفات القصّة عليه، صديقاً أو غريباً أو سياسياً، إلى أن نشر لي مُلحق الثورة الثقافيّ قصّة بعنوان انفصال، كنتُ يومها في طرطوس، فهتفت لي زوجتي تطلب منّي أن أعود إلى مصياف، لأنّ المدينة قائمة قاعدة على رأسي، يومها ضحكتُ واعتبرت أنّها مبالغات، لم أعطِ الموضوع بعده الحقيقيّ، ذلك أنّ القصّة تتناول حالة زوجين تُقرّر فيها الزوجة الطلاق، وبما أنّني أُحبّ مصيافَ، فقد وَضَّعْتُ الأحداث فيها، وصادف أنّ شخصيّة المُطلق، تُشبهُ إلى حدّ ما شخصيّتي، طريقتي في الحياة، لكنّ شخصيّة بطلة القصّة أبعد ما تكون عن شخصيّة زوجتي، ليس فيها أدنى شبه بها ولا بطريقتها في الحياة، وبما أنّني جعلتُ مصياف مكاناً لأحداثها، كما أفعل في كثير من الأحيان، لمعرفتي بجماليات المكان فيها فقد استغلّ أحدهم القصّةَ، وأخرجها من سياقها وصوّرها بعد أن حذف كلمة قصّة وبقلم رفعت عطفة وكتب ما يدّل على أنّها قصّتي، بمعنى أنّني الفاعل في القصّة، وانطلق يوزّعها ويحرّض الناس عليَّ، ويقول ما قاله يومها من أنّني طلقتُ زوجتي وأنّني أهنتُ المقدّسات. لن أدخل في التفاصيل. يومها اكتشفتُ أنّنا نُعان معرب ومُسلمين، ليس من رقيبٍ واحدٍ، وإنما من مركَّب مُعقّد من الرقباء، وأنّ كلّ الرقباء في لحظة مُعيّنة يُصدرون بحقّك حكمهم بالإعدام، يصدرونه، بسهولة ودون أيّ رادع، فترى نفسك مطلوباً من كلّ الجهات وترى أنّك أنت الذي نذرتَ نفسك للناس وللثقافة قد علّق الجميع مشانقك، ترى نفسك مُحاطاً بالمشانق.
يومها حزنتُ حزنَ الجبلِ على غابتهِ المحروقة والنبعِ على مائه الذي سرقه بئر الجهل الجائر. بل بكيتُ، أردتُ أن أقيم دعوى ضدّ المُفتري، فوجد أنّ الجميع يُريد لفلفةَ الموضوع لصالح المُعتدي، رسميّاً وشعبيّاً، كان الضغط أقسى مما يمكن لعقلٍ أن يتصوّره. كم من الصعب أن ترى بعضاً ممن تعتبرهم رفاقاً، أصدقاءَ، يتشفّون منك ويُحرِّضون عليكَ، يصبّون الزيتَ على النار التي يُريدونها أن تحرقك.
كلّ الذي أردتُهُ يومَها أن يكون القانونُ صاحبَ الكلمة الأولى والأخيرة في القضيّة. فشلتُ. من يومها أعتبر أنّ من مهامّنا الحقيقية ككتّاب هو أن نجعل القانون الحكم الوحيد في أيّ خلاف، وأنا على معرفة تامّة بصعوبة ذلك، لكن لا بدّ من العمل، لأنّ العالم المُتقدِّمَ لم يتقدّم إلا حين لم يعد فيه من يُحلّل سفك دمِ أحد، حتى القانون لم يعد يعدم أحداً، فهناك أُلغِيَتْ أحكامُ الإعدام وعندنا الكلّ يُصدر بحقّك أحكاماً بالإعدام.






تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow