Alef Logo
ابداعات
              

أسطورة الجندي شيبوب

محمود يعقوب

2009-06-26


لا أبعث سلاما ً إلى الشهور التي انقضت .. الشهور الستة الأخيرة ، كانت تاريخا ً مريرا ً في حياتي ، غريبة و كئيبة ، داستني بخطواتها الثقيلة وآلمتني ومضت !..
بقناعة ٍ أكيدة ٍٍ ، توصّـلت إلى قرار ٍ ، في بداية تلك الأشهر ،بعد طول عزلة واختلاء غصـّا بالأفكار الشائكة ، المتصارعة بضراوة ، والتي خضت غمارها وحدي !..
كنت ضعيفا ً ، ولم تكن الأيام لترحم الضعيف . صمّمت ُ في آخر المطاف على التخلص من كتابة القصص واللعب على الورق !..
عزمت على التوقف عن كل أشكال الكتابة التي خلبت عقلي منذ سنين َ ، ولم يكن هذا القرار هيـّنا . وجدتني أنحدر إلى هذا الدرك مرغما ً ومحبطا ً ، بعد أن ألفيت نفسي وحيدا ً وغريبا ً وسط الميدان !..
ما من صديق ٍ أو قريب ٍ أشار إليّ بطرف بنانه ِ ، وما من لمـّاح ٍ عابر ٍ أشعرني يوما ً أنني كنت أكتب ، ولو لمرة ٍ واحدة ٍ !.. لم يلتفت نحوي كائن من الكائنات ، بل الأسوأ من ذلك كلـّه أن إحساسا ً ترسّخ في وجداني بأن ما من قارىء حقيقي كان يقرأ ما أكتب طيلة تلك السنوات !..
هل كنت أبذر في السباخ ؟.. هل كنت أجلس وأكتب في قلب الظلام يا إلهي ؟..
ما بين التشكيك وحيرة التردد ، خُيـّل إلي أن قصصي من سقط المتاع ، ولم يعد أي معنى لِما أكتب ، إن ما أقوم به كان ضربا ً من اللهو وقتلا ً تعسفيا ً ظالما للوقت ، وكم نصحتني زوجتي بإشفاق ٍ أن أبحث لي عن عمل ٍ مجد ٍٍ آخر ، لكنني لم أرعو ِ ..
كل ما فعلته خلال الأشهر الستة الماضية ، أنني نهضت ُ من فوق التراب الذي وجدت ُ نفسي مرميـّا ً فوقه ، ونفضت ملابسي وانسللت خلسة إلى بيتي والخجل ينهشني .. كنت مثل نجار ٍ سيء ٍ ألقيت كل اللوم على أدواتي !..
لو كنتم رأيتم بريد صديقي الشاعر ، لو كنتم رأيتموه مرة على الأقل !.. كيف يمتلىء بعشرات رسائل الإعجاب ، بينما لم يصلني منها حرفا ً واحدا ً طيلة حياتي !..
أن كل ما فعله هذا الصديق معي ، أنه قد ّم إلي نقدا ًً أخويا ً ناصحا ً ، حين قال ( أن كتاباتك مباشرة وسطحية ، ويتحتم معالجة الأمر بالنسبة لك قبل الشروع في الكتابة ثانية ً ) .
كاد يجن جنوني ، وأسقط صريعا ً ،وأنا أشهد النجاحات الساحقة التي تزدهي بها أيام أصحابي من الشعراء والكتاب . كنت أحسدهم حسدا ً لعينا ً . حاولت مجاراتهم في فن الكتابة ، غير أنني مُنيتُ بفشل ٍ ذريع ٍ . ولا أريد أن أخفي على أحد ٍ ما واجهته من عقبات كأداء في تقليدهم .
كانوا شياطين َ وأبالسة يقلبون الكلمات العربية قلبا ً بهلوانيا ً وكأنها تنزل من السماء ، ويلزّون الجُمل والعبارات لزّا ً صاخباً ، هادرا ً ، وعنيفا ً !..
كان أكثر ما يربكني ويستثير حيرتي أن الكاتب يكتب صفحة ً واحدة ً ، فيسارع القرّاء والنقــّاد ليكتبوا عنها عشرات الصفحات !.. ذلك ما يجعلني أتساءل ماذا لو كتب الكاتب نفسه عشرات الصفحات ، إذن لجَفــّت الأقلام ورفعت الصحف في اليوم التالي .
في مثل هذه الظروف توقفت عن الكتابة تماما ً ، ودفنت نفسي طوال الشهور المنصرمة في البيت وحيدا ً. لم أهجر خلالها الكتابة وحسب بل أقلعت عن القراءة أيضا . انكفأت على مواصلة النوم ، ولربما أشاهد بعض برامج الأطفال التلفزيونية أحيانا ً ..
الشهور الستة ، كانت موتا ً حقيقيا ً بالنسبة لي .. جد ثقيلة ٍ ، كنت أشعر بأن الساعات واللحظات ِ مثل النمل الدقيق العالق في شعر جسدي . ومما زاد َمن وحشتها وصعوبتها تلك الأخبار التي كانت تردني من هنا وهناك حول نجاحات أقراني المتوالية !..
وهكذا وجدتني عاجزا ً ، خائرَ القوى ، ً ونادما ً على السنوات الطويلة التي أضعتها على هذا الدرب الوعر ِ .
وهنا لا أخفي على أحد ٍ منكم ، كيف كانت تسوّل لي نفسي بدناءة ٍ أن أتلصص من وقت ٍ لأخر َ على الكتابة والقراءة خلسة ً من ذاتي وتسويفا ً للعهود التي قطعتها عليها .
حاولت بضعة مرات ٍ معالجة عللي . وكان صدى وصية صديقي الشاعر تهتز في أعماقي ليلَ نهار . لذلك توقفت وقفات ٍ تأملية طويلة أتناول عبرها جرعات من العلاج لمرض( المباشرة ). وأعترف هنا بأن أفضل الكتب التي وقعت بين يدي ّ وأثــّرت في أفكاري بمفعولها السحري هو كتاب ( زراعة خيار الماء المغطاة ) . شرحَ هذا الكتاب بإسهاب ٍ كيف تبذر بذور الخيار ، وكيف تورق الأوراق ، وكيف تبزغ الأوراد الصفراء ، وكيف يطلع الخيار نضرا ً يثير الدهشة والشهية تحت الأغطية البلاستيكية !..
حين استوعبت الكتاب جيدا ً ، أجريت تمرينات ٍ في الكتابة والتورية تحت تلك الأغطية ، لكنني فشلت .. وجدت الأمر َ لا ينفع مع روحي التي اعتادت أن تفضح أسرارها وتسفر عن كوامنها مباشرة هكذا كما يقولون لي ( أنك تكتب مباشرة ً منك إلى الله دون برقع ٍ ولا غطاء ) .
ومثلما حاولت معالجة المباشرة ، كنت أحاول إيجاد علاج ٍ ناجع ٍ لمشكلة ( العمق ) أيضا .
نحن جميعا ً ندرك أن أفضل الأفكار وأغناها هي التي تأتي من غور الأعماق .. من تلك الأعماق المظلمة السحيقة يأتون باللؤلؤ والمرجان .
بذلت ُ الكثير من الأموال لإيجاد حل ٍمقنع ٍ لمشكلة العمق . جمعت كل ما أملك من نقود وأرسلتها إلى قريب ٍ لي يعمل في الأردن رجوت منه أن يشتري لي جهاز غوص ٍ . وبهذا لبثت أغوص في الحيد البحري أياما تائها ً في تلك الأعماق الساكنة ، لكنني في كل مرة ٍ أغوص فيها لا أصمد طويلا ً تحت ، إذ سرعان ما أنطلق خارج الماء منبثقا ً من أعماقه في آخر نفس ٍ لي ..هناك في الأعماق وبالرغم من قنينة الهواء التي أحملها على ظهري إلاّ أن الرئتين تنكمشان وأشعر بالاختناق !..
وهكذا فشلت .. فشلت .. فشلت . ولم يتبق َ أمامي سوى الرضوخ إلى حقيقتي المرّة القاسية .
لقد ولجت هذا الميدان دون أن يعرفني أحد ٌ، وها أنذا أنسحب منه دون أن يعرفني أحد ٌ .
بعد مرور تلك الأشهر الستة ، بدأ الصيف ، الذي افتتح موسمه بموجة ٍ من الحر اللافح . كانت هذه الموجة ترغمني على تسلق سطح البيت ليلا ً وأنام في نداوة الهواء . . وليلة ٍ بعد أخرى ، تحت قبة السماء المنورة ، أخذت تعود إلى ذاكرتي قصة من قصص الحروب التي خضتها من قبل ُ . تلك هي أسطورة الجندي شيبوب ، التي كدت أنساها تحت ضغط السنين . يوما ً إثر يوم ٍ بدأت أسترد تفاصيلها ، حتى تشربت في ذاكرتي ووجداني وراحت تفعل مفعولها السحري وتعيدني كرة ً أخرى إلى القراءة والكتابة مرغما ، بل أنني عدت متحمسا ً بشكل لا يوصف لمتابعة الطريق دون توقف !..
عدت إلى الكتابة غير آبه ٍ أن يكون لدي قرّاء أو لا يكون ..كل آمالي كانت أن تجلس قرب فراشي في الليل الأرواح الهائمة المتعبة ، وتسمعني أروي لها حكاياتي !.. الأرواح التي أرعبتني في يوم ٍ ما ، وجعلتني أمزق الأستار وأنطلق هاربا ً . إنني الآن وفي سورة انسحاقي ،أحنّ إليها مطمئنا غير خائف ٍ !..
لممت بهذه القصة بعد اندحار قواتنا في حرب الكويت ، حيث عاشت الوحدات العسكرية حالة فوضى عارمة . عادت تلك الوحدات المُدَمَرة إلى مواقعها الخلفية وقدماتها الإدارية بما تبقى لديها من جنود ٍ وآليات ٍ ، وكانت بعض هذه الوحدات مجرد وحدات أشباح ٍ كما هو شأن وحدتي ..
عدنا إلى مقرنا القريب من أحدى المدن الشديدة الجفاف .. مدينة يابسة..ٌ ( عاوية ٌ ) كما يحلو لأبنائها أن يوصفوها . وكانت ثكنتنا ثكنة أشباح ٍ في صحراء . تضم بضعة قاعات متباعدة عن بعضها ، قديمة استحال لونها إلى لون ٍ طيني . لم تكن لها أبواب ، شبابيكها المخلوعة مشرعة بلا زجاج ،
وإلى الجوار منها أعداد ٌ قليلة ٌ من أشجار اليوكالبتوس الهرمة التي يكاد يـُغشى عليها من الظمأ . بالنسبة لي ، أويت مع أربعة جنود ٍ في أحدى هذه القاعات بمعزل ٍ عن الآخرين . . أوينا مثل خمسة قطط كسولة تبحث عن الظلال . كنا متساوين في الرتب على أرض الواقع ، فالهزائم تساوي بين الرتب عادة ً مثلما تفرق بينها الانتصارات . أن الشخص الذي يكبرنا سنـّا ًلم يكن جنديا ً مثلنا ، إنـّما هو وفق سلـّم الرتب كان يُعد نائب َ ضابط ، من الرتبة التي يُطلقون على حاملها وصفا ً غريبا ً بأنه حارق ، وأن الجنود البسطاء غالباً ما يكونون من بين محروقاته !..
حقيقة ً لم تكن هذه الرتبة تجتذب ود الجنود واحترامهم على الإطلاق ، غير أن صاحبنا بسكونه المهيب ، وهيكل جسده الهندوسي ، وسحنته الغجرية ، ولامبالاته العجيبة ، قد استحوذ على قلوبنا ..
كان أبيض الشعر تماما ً ، صبّ َ حبه في صدورنا منذ الأيام الأولى . كان يصرّ على القول أنه يعرفنا .. وأنه التقى بنا في مكان ما سابقا ً !.. كما يؤكد ويحلف بأغلظ الأيمان على ذلك ، فيما أصدقائي يستغرقون في الضحك .. أما أنا فقد تقبـّلت تلك الأوهام كما لو أنها حقيقة ً فعلا ً .
كان الرجل طيباً وعفوياً ، من النوع الذي لم يُخلق للحروب وإنما خُلـِق َ للأحلام فقط . لا أعتقد أنني صادفت قبله عسكريا بمثل هذه الدعة والهدوء الراسخ في الأعماق .
سرعان ما عرف اسمي . ويحب مناداتي دون الآخرين إذا ما احتاج شيئا ً ..
في صباح أحد الأيام ،وفيما كنا نحلق وجوهنا ، ناديته باسم ( شيبوب ) . توقف عن الحلاقة ورفع وجهه عن المرآة وقال ( أ ن هذا الاسم جميل ) ، ثم تساءل ( لماذا اخترته من بين جميع الأسماء ؟.. ) ، قلت له ( لأنك شائب وجميع شعرك أبيض ) . في الأيام الأولى كان يبتسم عندما نناديه باسم شيبوب ، وفيما بعد صار لا يـُعرَف بغير هذا الاسم !..
كان وجهه صغيرا ً ، ولحيته مرحة ، حين يتركها تسترسل بضعة أيام يصبح وجهه مثل وردة سوداء محاطة ببتلات رقيقة بيضاء .. في هذا الوجه المسفوع بالشموس كانت عيناه الصغيرتان تلمعان مثل العقيق اليماني .
كان جنديا ً يكره الطغيان العسكري ، ويهوى النوم الثقيل خلال النهار . أنعم َ علينا بأفضاله الجليلة السمحاء ، التي لا تـُنسى ، وهو مُوجـِه ًٌ لا يُخطىء ، لا زالت لمساته مطبوعة في حياتنا حتى اليوم . إن أجلّ فضل ٍ له أنه نجح في تسديد خطاي على درب الهروب من الجيش وعدم الرجوع إليه ثانية ً، ذلك الدرب الذي كنت في السابق أخشاه ولا أقوى على اقتحامه . إن قلبي يموج بفيوض الامتنان لمعروفه الأبوي هذا !..
لم يكن لدينا طيلة تلك الأيام أشياء حقيقية نفعلها ، سوى تبادل الإشاعات والأراجيف ، بينما يستغرق شيبوب نهاره ثاويا ً في فراشه ثواء الموتى . كان يستسلم للنوم بشكل عجيب ، ولم تكن حتى المدفعية قادرة ٍ على زحزحته وإزعاجه . خلال نومه ، نقوم أحيانا ً بتحريك أطرافه على سبيل الاختبار.. نرفع ساقه .. نؤرجح يديه ، لكنه لا يشعر بذلك على الإطلاق .
في أحد الأيام جررته من فراشه وأجلسته عنوة ً ، لغرض أن نذهب لاستلام رواتبنا . ثم سألته بشيء ٍ من الانزعاج :
ـ بربك كيف يغلبك النوم إلى هذا الحد ؟..
ردّ علي بصراحة وهو مغمض العينين :
ـ إسمع ، أنا بطل الجيش في النوم . ذات مرة ٍ كافأتني القيادة بوسام الاستحقاق العالي من أجل هذا النوم !.. وأضاف :
ـ صَدِقْ .. أنني أقول الحق .. هاك انظر ، وهنا رفع وسادتين كان ينام عليهما معا ً ، وتناول من تحتهما نوطا ً ذهبيا ً لامعا ً، وحين تفحصته تبين لي أنه وسام الاستحقاق العالي فعلا ً، وطفقت أنقل نظراتي بين وجهه وبين النوط مدهوشا ً. لكنه استرسل يسرد لي كيف علـّقوا الوسام على صدره ، فقال :
ـ ذات مرّة ٍ في جبهات القتال ، كنت أغط في النوم حين تمكن الإيرانيون من اختراق سريتنا ، قاصدين خط المدفعية التي تستتر في مواضع خلفنا ، في هجوم مباغت وسريع ، ثم ما لبثوا أن تراجعوا إثره تحت ضغط النيران . لقد قتلوا وأسروا الكثير من أفراد سريتنا ، قليلون أولئك الذين صمدوا في مواضعهم . بعد انسحاب العدو جاءت قيادتنا برتبها المخيفة الحمراء . سارع أصدقائي وجرجروني من داخل بطانيتي ورشقوا وجهي بالماء البارد وأوقفوني مع الجنود الصامدين ، وقــُلدنا أوسمة الشجاعة .. إنني ممتن لأولئك الجنود الطيبين برقبتي ، لولاهم لكانت تلك القيادة قد أطاحت بها على الفور ..
منذ ذلك اليوم وشيبوب ينام نوما ً عميقا ً مطمئنا ً ونوط الشجاعة تحت مخدتيه !..
كم من مرة ٍدافعت عنه بحماس .. حماس تعصبي .. حماس إلى حد الشجار ضد أولئك الذين يصفونه بالبلادة ، كنت أقف أمامهم وقفة تأثرية حزينة ، متوسلا ً أن يشرعوا أعينهم على مصاريعها ليروا التوهج العرفاني الذي يتألق تحت جلده الأسمر الداكن .. كنت أتساءل دائما ً كيف يمكن أن يكون بليدا ً من يمتلك تلك النظرة الساهمة ، وهذا المظهر الهندوسي ، التأملي ،الروحاني ، الأخاذ ، وهذا الأنف الناحل الطويل الذي يشبه أنوف القديسين في التصاوير المسيحية ؟..
لا يوجد أي أثر ٍ للكهرباء في القاعات التي آوينا فيها . وطيلة النهار كانت الحرارة وسموم الرياح تلفح جلودنا . أما في الليالي ، كنا ومنذ البداية قد صغرنا لنصائح شيبوب ، وأخذنا ننام فوق سطح القاعة التي نشغلها . كان يؤكد لنا أن الذئاب تجول في ذلك المكان ليلا ً . وحينما نتسلق سطح البناية يروح شيبوب يجهز بعض الملابس العسكرية القديمة ..ملابس قتلى ومفقودين ، ويصب عليها القليل من النفط ويصعد بها إلى السطح ، وهنالك يشب ّ فيها النار . كان يقول أن للملابس دخانا ً كثيفا ً وكريهاً قادراًعلى طرد البعوض بعيدا ً عنا ، ولذلك أعتدنا النوم تحت غمامة من الدخان الأشهب الذي يطفو جنبنا في الليل بروائح القتلى ..
على السطح نقوم بترتيب أفرشتنا الواحد جنب الآخر ، وكان فراشي جنب فراش شيبوب.
كل ليلة كنا نتسلق السطح بعد العشاء مباشرة ً . في حقيقة الأمر لم تكن لدينا رغبة في النوم المبكر ، بل كنا ننغمس في الأحاديث الفاتنة الجذ ّابة التي لا تنتهي أبدا ً. وبالنسبة إلى شيبوب يظل يسهر حتى طلوع الفجر، وكنا نحتسي أقداح الشاي وندخن كثيرا ..
يبدأ شيبوب السهر وهو يقص علي سيلا ً من القصص والحكايات الخيالية المدهشة ، التي كنت أذوب في أجوائها ، ولم تمض ليال ٍ على هذا الأمر حتى صار زملائي يشتركون بلهفة ٍ معنا ..
لم يكن شيبوب كاتباً قصصياً ولا من ذلك النوع الذي يُقال عنهم أنهم مثقفون .
كان راوي قصص ، يرتجل الحكايات لفوره ،ويأخذ بإلقائها على مسامعنا . كان رأسه طافحا ً بالحكايات المثيرة المدهشة . ما إن يجن الليل حتى يبدأ بروايتها دون توقف ٍ حتى انبلاج الفجر .
إن تلك القصص تولد في الليالي ، دون تهيئة مسبقة ، ومن هنا تبدأ أسرار أسطورته !..
كان الرجل يصوغ من هزائمنا وتعاساتنا وأحلامنا قصصا وحكايات لا تتوقف عند حد ٍ . يكفيه أن يلقي نظرة متفحصة سريعة على وجوهنا لتتساقط من بين شفتيه الحكايات تباعا ..
كانت ينابيع القصص تتفجر تحت قدميه ،وكانت قصصه أنخابا ًتدور في شعشعة الليل وتوقد فيه تلك الانتعاشات العذبة .. إنه يؤنسنا حقا ً ، ويحيل ليالينا العسكرية إلى ليال ٍ رخيـّة ..
حين يمتد صوته الحالم مع سجو الليل ، نمسي مثل طيور ماء ٍ نترجرج فوق سيله وهو ينساب بنا بعيدا ً .. بعيدا ً عبر الليل بين الأفلاك المُذهـّبة .. ويصير الطقس حلوا ً ونقيا ً، وتبدو وجوه أصحابي بشوشة صافية ، وحتى الثكنة بكل فوضاها تبدو جميلة هي الأخرى !..
حين يمتد صوته الحالم ، كان هَمـَيان السحر الهندوسي يندلق بلا توقف ويؤسر الألباب .. وهنالك فوق السطوح كنا ننسى حتى أولئك الذين تركوا شبابنا يمضي بإمرتهم ورهن إشارتهم كالعبيد !..
كان يبدأ جميع حكاياته قائلا ً :
ـ كان هنالك ملك ..
كلا أنما كان يقولها هكذا :
ـ كان هنالك مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــلك ..
إنه يمط حرف الميم ويتصاعد به في سمو وارتقاء وتبجيل .. يقول ذلك والأحلام تتماوج بين عينيه . وحقيقة الأمر أنه يتحدث عن ملوك لا أملاك لهم ، ملوك من أمثاله وأمثالنا .. ملوك يجاهد أن يجد لهم عروشا ً شامخة في كل قلب ، ويحيطهم بشغافه !..
كانت قصصه طافحة بسحرٍ غامض ٍ .. سحر يُخدّر أحاسيسنا ووعينا تخديرا ًناعما ً . هل هو يمارس طقسا ً من السحر ؟.. أم أنه يمارس التنويم المغناطيسي ؟.. لا أعرف بصراحة ٍ .. لا أعرف . إن زملائي ما أن يستمعون إلى سلسلة ٍ من تلك القصص حتى يتساقطون في شباك النوم تباعا .. لعل شيبوب مثل رجل يناغي أطفاله في هدأة الليل وينيمهم !..
في جيب كل واحد ٍ منـّا حبوب منوّمة ، وأخرى للهلوسة ، كنا نتعاطاها في الليالي السابقة ، أما الآن وأمام شيبوب وحكاياته الأسطورية لم نعد بحاجة إليها مطلقا ً .
بدأت علاقتي مع شيبوب باحترام وود متبادل ، تطور سريعا ً إلى نوع من التعاطف الحميم ، ولهذا السبب أطلق على جميع أبطال قصصه وحكاياته بكل ترحاب اسم ( محمود ) رغم ‘اعتراضي على ذلك ، إنني ممتن ٌ أجزل الامتنان للحب السامي الذي يغمرني به هذا الدرويش الفقير ، إلا ّ أننا لم ندرك الفخ المرعب الذي أوقعتني به بطولة تلك القصص والذي لم يكن الرجل يتعمده !..
كنت آخر من ينام وأنا أرهف السمع إليه ، بينما يظل هو بعد أن نغفو جميعا ، محدقا ً بالسماء ونجومها ، مسترسلا ً في سرد قصصه ، وكأن هناك من يستمع إليه ، حتى مطلع الفجر . كنت أغفو سعيدا ً،أحس بأن النجوم تندس وتغفو معي في الفراش ، بينما موسيقى الليل وألوانه البدرية تدثرني كالطفل !..
أحيانا ً ، أطلب منه في اليوم التالي ، أن يعيد على مسامعي سرد الحكاية التي كنت بالأمس أسمعها قبل أن يتملكني النعاس ويحرمني منها . يحاول هو ذلك ، لكنه يفشل في تذكرها .. جميع القصص التي يرويها لا تعلق في ذاكرته طويلاً ، انه مشغول ٌ باخنراع غيرها . شيبوب يدرك أننا غالبا ً ما نتشوق لسماع بعض القصص مرة ً ثانية ، ولهذا السبب كثيرا ً ما كان ينصحنا بإحضار جهاز تسجيل له بغية توثيقها دون أن نأبه لهذا الأمر ..
قال البعض أنه يبدد حكاياته بلا طائل ، لكنه رفض هذه الأقوال . كان يظل يقص قصصه بلا توقف حتى القطرة الأخيرة من كأس الليل . أحيانا ً ننتبه في نومنا فنجده لا زال مستمرا ً في الروي ، وهو في وضع ٍ غريب ٍ !.. قبضة يده اليسرى تدير وجهه نحو الأعلى ، وعيناه سابحتان في الظلام ،متوقدتان ، مذهولتان ، وتائهتان ، يسكب رواياته همسا ً في الهزيع الأخير ، وكأنه يخاطب أحدا ً ما . كنا نسأله إلى م َ يبقى يقص حكاياته ؟.. فكان يصمت وفي صمته تتلاطم الأسرار ..
ومع ذلك ، فإنه لا يروي حكاياته سدى ، إنه يروي لمن تودّه روحه وتألفه جوارحه .
ذات مساء ٍ أمسكت بخناقه ، وقلت له أنني لا يسعني تركه إذا لم يخبرني لمن يبقى يقص تلك القصص وحده ..
قال وهو يبحر عبر عيوني :
ـ اسمع .. إن لذ ّة الدنيا أخبارها . قبلك وطيلة فترة الحروب ، كنت أروي حكاياتي على مسامع عدد ٍ كبير ٍ من الجنود الذين لم يصمدوا طويلا ً لسماعي ، لقد تساقطوا في المعارك واحدا ً تلو الآخر ،
ومع ذلك بقيت أروي لإخوانهم من بعد . وقد فوجئت بعد وقت قصيربأن أرواحهم تحوم حولي في الليالي ، تريد الجلوس قربي ، وترخي السمع إلى قصصي . وأصبحت تلك الأرواح لا تفارق مجلسي ، وتسهر معي حتى الفجر !.. إنك لا تراها ولا تسمعها ، لكنني أراها وأسمع همسها، وأحكي لها بإخلاص ٍ ..
منذ ذلك اليوم الذي أخبرني فيه هذه الحقيقة عرفت الأرق .. الأرق الذي يبقيني طوال الليل محدقا ً في الظلام متوقعا ً ظهور تلك الأرواح قربي في كل لحظة ٍ !..
وهكذا مرت الليالي ساكنة ً ،أما النهارات فكانت فوضى لا تحتمل .. أناس تأتي وتروح .. جماعات تعود من الهروب ، وأخرى يتم تسريحها ، والبعض يـُنقلون من مكان ٍ إلى آخر ..
ذات يوم تهيأنا للذهاب في إجازة ، فصادف أن سألني أحد الضباط قائلا ً :
ـ ما هو صنف نائب ِ الضابط ِ الذي ينام معكم ؟..
بشيء من المزاح أجبته :
ـ روائي ..
على الفور أطلق ضحكة ً صاخبة ً في وجهي وقال :
ـ الجيوش لا تحتاج إلى روائي ، أنها تحتاج من يسمع ويرى فقط .
حين عدنا من الإجازة ، لم نجد شيبوب !.. بحثنا عنه ، وعن حقيبته وفراشه ، لم نجد له أثرا ً في كل القاعات . حينئذ ٍ سارعنا إلى مكتب السرية نستفسر عنه ، حتى عرفنا بأنه تم نقله إلى وحدة أخرى مع عدد من الجنود لأغراض التعويض ، لقد جرى ذلك الأمر الرهيب بأسرع ما يكون خلال إجازتنا المشؤومة ..
يومها تجرعنا هذا الخبر غصصا ، وخرجنا من المكتب وقد الـمّ بنا الحزن ، وأعترف أن عيوني هملت دمعها لهذا الفراق السريع . وضرب كل ٌ منـّا كفا ً بكف وانحنى يقول لصاحبه ( لقد أضعناه !.. ) . كان الأمر أشبه بالخراب العائلي . شاهت وجوهنا وغشينا الضيق ، وفقدنا الرغبة في البقاء في هذا المكان ، لذلك عدنا مرة ً أخرى إلى المكتب ، ورجونا كبيرهم أن يسدي لنا خدمة ، وأن ينقلنا إلى المكان نفسه الذي أرسلوا شيبوب إليه ، غير أن الرجل أبدى استغرابه ، وافتر ثغره عن ابتسامة ٍ ذات مغزى ، وقال بكياسة ٍ :
ـ آن لكم أن تفهموا أن صداقات الجيش كالظلال ، سريعة الزوال ..
كالريح توارى شيبوب وهبّ مبتعدا ً .. كالريح هبّ علينا ، وملأ صدورنا ، ونفش شعر رؤوسنا ، وحرّك رموشنا .. ثم ابتعد َ .. من يمسك بالريح إذا ابتعدت ؟..
ظلـّت أرواحنا تهفو إليه ، وبقيت أحاديثه وذكراه شغلنا الشاغل في قعدتنا وقومتنا .
صـَدِقوا ، أن الليالي التي توالت بعد رحيله ،كانت ليالي أخرى .. ليالي قاحلة غبراء ، كأننا حُمِلنا فيها إلى مكان ٍ موحش ٍ ناء ٍ ، وأمست تلك الليالي طويلة ً لا نهاية ً لها . تغيرت فيها الكثير من عاداتنا ، لم يعد أحد ٌ يبالي في حرق الملابس في الليل ، وكان البعض يتأخر عن تسلق السطح ، ويؤسفني أشد الأسف أن أقول أنني عدت مع زملائي إلى تناول تلك الحبوب اللعينة التي كانت تملأ جيوبنا .
ربما تكلمت عن صديقي شيبوب بشيء من المبالغة والحماس . ولكن تبقى هنالك حقيقة لا تقبل الغربلة ، أن الرجل كتب لنا في الليالي المظلمة قصصا ً لا تنمحي ، مرة ً بحس ٍ من الفكاهة والسخرية ، وبسيل ٍ من الدمع الجارف أحيانا ..إنـهّا الحياة وتلك هي قصصها !.. كنا جميعا ً شغوفين بها ، ولم يتطاول أحد ٌ عليها ، وحتى تلك الأرواح التي كانت تجلس بين يديه مبهورة ، لم تتجرأ في يوم ٍ من الأيام وقالت عنها أنها مباشرة وسطحية ..
ربما بدافع تلك الحبوب ، صرت أعيش لياليٍَ مرعبة ًٍ ، أرتعش فيها من فرط الخوف والتوجس ، وأحشر نفسي بين زملائي ، ملتفا ً بأغطيتي ، هاربا ً من رؤية الآرواح الهائمة ، والتي أسمع خفقاتها وهمسها ، بل أكاد أراها طوال الليل وهي تبحث عن شيبوب ، ولم تعد لي رغبة في النوم لا في آناء الليل ولا أطراف النهار !..
إن ما كان يرعبني ويزعزع كياني ، إن تلك الأرواح والطيوف لم تكن تبحث عن شيبوب وحده وحسب ، إنما كانت تبحث عني أيضا ً .. تبحث عن بطل تلك القصص جميعا !..
وخلال بضعة أيام ٍ ، تحولت تلك الوحدة العسكرية إلى ثكنة أطياف وأرواح هائمة ، تجيش مثل الموج إذا جنّ الليل !..
وهنا أعتقد أنكم سوف تــُقــَدِرون حق التقدير قوة الرعب وعمق الخوف الحقيقي الذي أحاق بي من كل جانب ٍ ومكان ، ودفعني مرغما ً في النهاية أن أحزم أمري ، وأهرب من الجيش هروب المذعور الذي لا يمكنه أن يعود ثانية ً ٍ !..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشطرة / 2009

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

سمنون المحب / حامل شمعة الحب

15-آذار-2011

بائع الصُوَر المقدسة

08-تشرين الثاني-2010

بائع الصُوَر المقدسة

02-تشرين الثاني-2010

قصة / أسرار النجم الغجري

18-حزيران-2010

نزلاء الفنادق

17-آذار-2010

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow