Alef Logo
كشاف الوراقين
              

البراءة في عالم متوحش "قراءة في رواية "وشوشات الودع" للكاتبة منى عارف

غريب عسقلاني

2009-06-26


عتبة الدخول
في روايتها الأولى "وشوشات الودع", تضعنا الكاتبة السكندرية الرقيقة منى عارف أمام الكثير من الأسئلة حول آفاق التجريب في الرواية الحديثة, من خلال بنية روائية مركبة متعددة المستويات, على مستوى الشكل والمضمون وتقنيات السرد, تنطلق من الواقع المعاش لتعود اليه, وقد أخذته من الواقعي شديد البساطة والوضوح, إلى العميق شديد الغموض بفعل ركام المعاناة والألم, تزهو به على اندياحات وتداعيات تجعله واقعا سحريا متداولا لاحتفاظه بمفرداته اليومية, يراوح بين الأنا السارد الذي يقدم الاعترافات بشفافية الصوفي العاشق, والأنا الراصد الذي يحاول رصد رجفة الروح وارتجاجات البدن عند لحظة المواجهة أو درء الخطر, وكذا الراوي العليم, الذي يجمع مفردات المشهد في فسيفساء فنية تحوز القبول وتسعى إلى نيل المصادقة عليه, فنراه يأخذ من غريب الأفعال ما يسحب العمل إلى الفنتازيا, ويمتطي التداعيات, فيسحب العمل إلى الحلم المتواصل بين تجليات الروح وكوابيس الفقد والانكسار, عاكسا أحوال الفقد على ترديدات انتصارات وهزائم المجموع/ المجتمع.. وكذلك يهرب إلى التهويم الصوفي الرائق الراصد لمفردات الجمال في كون الله, بلذة الانبهار بعظمة الخالق ليرتد إلى الذهول من بشاعة الشهوات والغرائز التي تحرك بني البشر, خاصة في شريحة المتنفذين الذين يقامرون بأقدار ومصائر الناس محرضهم الأساس سطوة المال الخاص والعام, ومفجر شهواتهم الجنس ولذة الإشباع من لحم الآخرين, لا يرون في الحياة غير "مارثون" الوصول إلى أهدافهم, وكل من يسقط في السباق يترك لأقداره, أو عند حسن التصرف, يطلقون عليه رصاصة الرحمة كما الخيول الهرمة أو المصابة التي تلفظها ساحات السباق..

أصل الحكاية
وأصل الحكاية أن منى عارف, منذ كتاباتها الأولى والتي تبلورت في كتابها ما قبل الأخير وروائح الزمن الجميل, هي امرأة تكتب بأصابع قلبها ومداد روحها, ترقص على إيقاعات هامسة, وتنصت طويلا إلى لهاث صدرها المؤرق بعذاب الذين فقدوا الأمس وخسروا اليوم, ويعيشون الذهول أما غد مصادر.. لذا نراها تلوذ بالحلم, تلونه مساحة للاختبار واستفتاء الرغبات غير المعلنة, تعبر عن حالها وحال من حولها بأناقة فراشة تتلفع بالحلم غلالة من سحر رهيف يحميها من موبقات عالم متوحش.. نراها تطل علينا من خلال أميرة بطلة الرواية تحملها رسائلها وشفراتها, لكن أميرة اختارت البوح على بساط آخر, وقد لملمت الخواطر الاسترجاع والبوح الذاتي ومكابدات الأشواق والإيمان الفطري العميق, والقدر التي يترصد المخلوقات, ترتكز على ثقافة وخبرة ووعي يسحبها بعيدا عن ضفاف السذاجة, ولا يلوث فيها البراءة, فأميرة هنا امرأة عصرية ممتلئة بالحياة والتجربة, ترصدها القدر واخذ توأم الروح حبيب الدراسة بعيدا إلى مسارات الطموح, ورسم لها نصيبا مع وكيل النيابة ابن المحامي الكبير, الذي ضيق زوم عدسة رؤيته في حدود مهنته ووضعه الوظيفي ومكانته الاجتماعية, ضاربا عرض الحائط بطموحاتها وأحلامها وقدراتها, ربما عن قصور في الاستيعاب, أو لغرور وصلف الشرقي القابع فيه.. ما جعل المسافة بينهما تتسع, وما جعلها تبحث عن جسر هوة الوقت بالعمل, فتسوقها الأقدار إلى عالم ظاهرة البراءة وباطنه الافتراس, لا يفارقها طيف توأم روحها, كما لا تتوقف تحذيرات زوجها وحرصه الدائم على نقاء صورته, وكأنها هي مصدر التلويث المحتمل, لتقدم لنا اعترافاتها بعد أن قررت الانسحاب في الوقت المناسب من عش الدبابير, الذي طالما حاولت عدم التلوث بخطاياه وأدرانه, وكأن أميرة /منى عارف قررت الخروج من الحلم والكتابة بحبر آخر فهل كان حبر المواجهة؟!!

زمن القص وزمن الحياة
في تداعيات المصالحة مع الذات, تخرج البطلة أميرة من ساحة الصراع إلى ساحة التأمل ليلة 16/2/2008 من ساعة آذان المغرب وحتى ما بعد شروق الشمس بحسب الساعة المرسومة عند بدايات فصول الرواية العشرة.. تستدعي الراوية الزمن الواقعي الذي يعود إلى عشرات السنين, منذ أن كانت صبية "تروم القمر" تتوحد مع توأمها, حبيبها, زميل الجامعة التي فرقتهما الأقدار أجساداً, يحمل الواحد منهما روح صاحبه, يعيشان معا, ويتوحدان في لوحة خلود سرمدي مع الكائنات ويأخذان, دورهما الذي أراده لهما الخالق في عالم الروح الخالد" وحتى خروجها من أتون المكابدة مع الباطل مبرأة من الانكسار, مخذولة بعدم تحقيق الانتصار, تبدأ من جديد برؤية جديدة..
تقنية التداعيات يعززها زمنيا المقولات المختلفة التي تشكل عتبات الفصول, والتي تشكل اللحمة بين الأزمان المرصودة في بوتقة البوح في مستوياته المختلفة..
وما يعطي الزمن تلك الصور التي تسبق الفصول, والتي خرجت من المألوف هذه المرة فأصبحت جزءاً من نسيج البنية الروائية, بعرض "كولاج" من صور الأحداث المحلية والعالمية, تعكس, بشكل أو بآخر, ما يمر من أحداث في الرواية, وكأنها كتابة بصرية تكمل الكتابة المقروءة.
هذه التقنيات تبدأ من سكون التاريخ المحدد إلى حركة داخلية تسببها الصراعات الداخلية في الرواية وكأنها أصداء لما يدور في العالم خارج المساحة الروائية..

مستويات القص داخل الرواية
يمضي السرد في الرواية على ثلاثة محاور متداخلة ومتكاملة, تساهم جميعها في بلورة بنية فنية متراكبة, تتيح استخدام أكبر قدر من تجريب تقنيات السرد, فالمحور الأساس يقدم متواليات الأحدث والأفعال من خلال تآلف أو تصادم المصالح والرغبات والشهوات, وما يتمخض عنها من انكسارات وانتصارات.. أما محور البوح فهو تنبؤات المستقبل من خلال حكايات وشوشات الودع وحكايات البصارة "ستوتة", في تأويل الأحداث, وإسقاط العالم الداخلي للراوية على ما يجري في الواقع, وهناك محور الإسقاط البصري, الذي توفره مشاهد من فيلم "همس الجياد" الذي يقوم على فكرة التراسل بين الأرواح والتوحد مع مفردات الطبيعة..

1 - مذبح المال والشهوات
في ساحة صراع الدببة, يدور الصراع في عالم رجال المال والأعمال الجدد, الطارئين مع مرحلة الانفتاح, التي شهدت, وما زالت تشهد انفلات المعايير والقيم, محرضها الأساس جمع اكبر ثروة بأقصر وقت وبأيسر السبل, وسيلتهم التمويه من خلال شركات الدعاية والإعلان وتجارة السلع الاستهلاكية التي تتداولها الطبقات الراقية, والتي تفرخ مجموعات الشركات المتضامنة التي تنهب الأراضي بأبخس الأسعار, وتغسل الأموال بتهريبها خارج مصر, جواز مرورهم إلى ذلك شهوات الجنس, ومنجزات عالم الشبق.. فنرى الرواية ترصد حياة لاعبين من نوع آخر, فنرى من الرجال:
المستشار الدكتور عبد العظيم النشرتي,الموظف السابق في وزارة المالية, الذي يعمل مستشارا لعدد من الشركات الكبرى, ذلك الستيني الأسمر ذو العينين الفاحمتين شديدتي اللمعان, وصاحب الصوت الأجش الذي لا يتناسب مع بنيته الضفدعية الصغيرة, ولكنه الماهر في كل فنون اللعب, تستهويه الكعوب العالية..
والمليونير سيف سليمان الذي تبدو عليه هيبة الأصول التركية, بأناقته التي تثير الدهشة وبعينيه الزرقاوتين اللتين تفيضان سحرا ورقة, والذي يظهر دائما محاطا بشرذممة من مشاهير المجتمع!!
وحسام الزيان, صاحب شركة المقاولات الكبرى, الذي بدأ حياته في الخليج, ورجع إلى مصر وكيلا لعدد من الشركات, وهو الطويل الوسيم بصورة لافتة, يظهر دائما محاطا بعدد من الممثلات وفتيات الإعلانات..
والمهندس صفوت الناصري الثورجي, الذي تربى على فكرة المؤامرة, نراه يدخل الحلبة, ويخرج في اللحظة المناسبة, قبل أن تأخذه اللعبة إلى الغرق, ويفوز بقلب "جميلة" الرقيقة النقية ابنة سيف سليمان
وعلى الجانب الموازي تحتل النساء مساحات الفعل بأدواتهن, فنرى, بالإضافة إلى أميرة الراوية مجموعة متنوعة المنابت والمشارب والطموحات مثل:
ليلى فكري "لوله" تلك الشقراء المتسلقة المتسلطة,المبادرة التي تجيد الحجة والإقناع, تستبد بها شهوة القيادة والتملك, ويحاصرها هاجس الفقد..
مدام ثناء, التي انفصلت عن زوجين وتعيش, مع زوج مشغول عنها خارج مصر ولا يجتمعان أكثر من شهرين في العام, وهي تستبدل الأزواج, وتخرج في كل مرة بفيلا أو يرصيد مالي أو بمجموعة من المجوهرات.. وهي المشغولة بمحاصرة الدكتور النشرتي صيدا دائما
نشوى المتعلمة, خفيفة الظل الضاحكة التي تخفي تحت جلدها عقرب سام, تداري وضاعة منيتها الاجتماعي, تجيد لعبة تحريض الأزواج, تمهيدا لسرقتهم من زوجاتهم, أو تدمير حياتهم الزوجية.
نرفانا "نانا" القروية ذات الشعر الأكرت, وصولية فاجرة, تريد الوصول الى عالم الكبار بأي ثمن..
كيف يكون الصراع في لعبة تقوم على التوجس والخديعة والافتراس والهروب في الوقت المناسب, أو التنحي, لا أحد يرحم من تقصر خطواته في السباق, الكل يعتمد على قدراته الذاتية..
الدكتور النشرتي بعلمه وخبرته السابقة, يوجه عمل الشركات المتضامنة, ويكسب الصفقات. وسيف سليمان, بسطوة ماله على أصحاب القرار, ومساعدة النخب الاجتماعية والإعلامية التي تدور في فلكه..
وحسام الزيات, بماله وأناقته, والفنانات وفتيات الإعلان, اللواتي يشبعن رغباته وشهواته.. والمهندس صفوت الذي يخرج من السباق بمصاهرة سيف سليمان, ويحدد المسافة بينه وبين العالم الموبوء..
وعلى الجانب المقابل, تدور مكائد النساء وإغراءات الجنس وإشعال الشهوات في الليالي الحمراء في الفنادق والمنتجعات والمخادع السرية, يأخذن أدوار الأميرات في عالم ساحر يفوق الخيال, أو يلعبن دور الساحرات المدمرات, يرتفعن بالعالم الروائي إلى ما بعد الخيال, في زمن الانفتاح, الذي يتجاور فيه الممكن والمتخيل, والحق والباطل, وتنحي القيم الراسخة أمام القيم الطارئة, بسلاسة تظهر مع ترديدات الراوية أميرة, التي تأخذ دور السارد الأنا تارة فتقدم شهادتها واعترافاتها في خضم التجربة, وتنفصل عن ذاتها, لتأخذ دور الراوي الراصد المتأمل في تأويل ما يحدث من حوله, ومحاولة استقصاء ما تقدمة الحياة, وما تأخذه, تتنقل بين عتبات الذهول, والبهجة, والاستنكار, والتباس الرؤية, على أميرة التي تعيش بأخلاق أميرة التي تسمو عن من حولها, ولكنهم يضيقون الخناق عليها لدرجة الافتراس, فلا تجد سبيلا غير الانسحاب بأقل الخسائر, قبل أن تصبح ضحية مهدورة, فلا جدار تلوذ به غير حبيب يطل عليها من ثنايا الذاكرة, يؤكد لها، أنه مازال في الحياة ما يستحق أن نحيا من أجله, حتى ولو كان طيف ذكرى بيضاء, فتلوذ بكتاب "وشوشات الودع", واسترجاع قراءات الأقدار كما تراها البصارة "ستوته", في مقابل عدوان المحيط, زوجها المتشفي المتشكك بسهام نساء المجموعة, اللواتي أوغرن صدره, وعززن لديه أنانيته وضيق أفقه..
هذا العالم المتصارع لا تتوقف تداعياته على اللاعبين فقط, بل تظهر بثوره دماراً يشوه جلد المجتمع, بسبب أضرار السحابة السوداء التي تغلف سماء القاهرة, وحرائق مخازن الحكومة, وعرض السندات المصرية في أسواق تل أبيب, والشراكة مع المستثمر الإسرائيلي المستتر في المشاريع السياحية والتوكيلات الأجنبية, وظهور شريحة تشكل مجتمعا خاصا يعيش على ابتزاز المجتمع الكبير, حتى لو حرمت مصر من التكنولوجيا الذرية اللازمة للتحديث, ولو سقطت عمارة شطارة على ساكنيها, ولو انهارت الكتلة الصخرية من جبل المقطم على مئات البيوت في العشوائيات.. فالنتيجة في مساحة الصراع الخفية, بعض الضحايا وفضيحة تحبك خيوطها, ويتسلى بها الإعلام, وينشغل بها الرأي العام بعض الوقت.. والفضيحة هذه المرة يسقط فيها الدكتور عبد العظيم النشرتي متهما أول, يلوذ بسيف سليمان لتهريبه خارج مصر,فيتخلى عنه, ويتركه لقدره, فينتهي مقتولا في بدروم منزله!!
من كان وراء القتل؟!
هل كان أحد الضحايا الذين كان عددهم يساوي عدد سكان مصر؟
أم سيف سليمان, الذي شوهد طليقا في شوارع لندن, يحيط به الأعوان والحواريون ؟
أم ثناء, التي وصلتها ورقة طلاقها الثالثة, على حين غرة, قبل أن تتمكن شروط صفقة ابتزاز الزوج هذه المرة؟
أم نانا, التي ضربها زوجها في مكان عام, بعد أن طُلبت للتحقيق, وأصبحت تخرج بنقاب حتى لا يتعرف عليها الناس بعد نشر صورها!!
لا أحد يخرج من ساحة الصراع سليما معافى..
أما أميرة راوية القصة والشاهد عليها, تعيش التوجس من رذاذ الشبهات, والخوف من فتح ملف القضية الكبرى التي وقعت علية بطريق الخداع.. يتصل بها زوجها فرحا لخروجها من دائرة الشبهات, ونادما على مواقفه منها, وقبل أن يتبرعم الفرح في صدرها ويتحول إلى اعتقاد أنها وجدت الجدار الذي تستند إليه, يخذلها جموده على موقفه, الذي لا يتعدى أنانيته ومركزه الوظيفي والاجتماعي, فينهار الأمل إلى غير رجعة..

2 - فضاء البراءة الأولى
كيف اجتازت أميرة الدروب وخرجت من أتون المحرقة؟ وكيف كانت تصعد على جراحها وترصد ما يتفاعل حولها منحقد وتشويه وافتراس؟ لا حل غير البحث عن مساحات بيضاء, أوجدها خالق الكون في ذاتها المجبولة على الخير والصدق والجمال.. تتعامل مع أقدارها بعمق الإيمان, وعشق التكامل مع الموجودات, وكونها مفردة جميلة في منظومة مشهد رباني بديع.. فهل كانت أميرة في حال الراوي, تتحول بسلاسة سحرية إلى الراوي الراصد منى عارف؟ والى أي مدى يعكس عالم أميرة فضاء روح منى؟.. وهل تبدى ذلك في ترنيمات ستوته, التي تستمد أصالتها من أيمان فطري عميق وهضم متوارث لموروث الإنسان المصري منذ وجد على هذه الأرض؟ أم في بوح الحكايات التي يضمها كتاب وشوشات الودع, هدية توأم روحها, البعيد القريب الذي لم يبرح وجدانها؟ وهل هو امتداد لشفافية صوفية, لظهور فراشة الفجر بعد ليل بهيم, كما تجلى في محطتها ما قبل الأخيرة في كتاب "روائح الزمن الجميل"..
فهل كانت روائح الزمن الماضي الجميل, هي ما عصمها من نتن العفن في ساحة صراع الدببة, حيث تختلط روائح الجشع الإنساني بتكنولوجيا الروائح المصنعة في زمن الانفتاح؟!!
اعتقد أن أميرة شديدة الالتصاق بشخصية الكاتبة, تبتعد عنها كلما الحت ضرورات الرصد, فهي تعرف الكثير من التفاصيل الدقيقة وغير المتاحة للكثيرين.. وتعود لها عندما تطلق عصافير عذاباتها الملونة, وتغني أناشيد الحياة.. لذلك تنسحب وهي المنتصرة, وتنتحي ركنا لتذرف دمع الأسى, وتنزع عن جلدها ما علق به من أشواك الخبائث في مارثون الصراع.. تأتي بحكايات الكتاب الأزرق, تواصلا مع حبيب بعيد ما زال ساكن فيها.. كلما ابتعد اقترب, وتأتي تنبؤات ستوتة على هدى بوصلة داخلية لا تخطيء مدارها..

3 -انعكاس الصور على مرايا القلب
تتجاور التداعيات مع وشوشات الحكايات, وتنبؤات العرافة مع مشاهد من الفيلم الرومانسي "همس الجياد", فهل للعين رسائلها أيضا؟
وكأني بالكاتبة منى عارف, قد جدلت خيوط الواقع مع خيوط الحلم صورا على مرايا العين, لتسقط حالة التراسل بين المروض والحصان, وبين الحصان الذي كسرت رجله والفتاة التي فقدت ساقها وأصيبت بالاكتئاب, وبين أم الفتاة والمروض..
تقف الأمم أمام خيار إطلاق الرصاص على الحصان لإنهاء عذاباته, ولكنها تختار الذهاب به إلى مروض الخيول, الذي يتراسل مع الخيول, والذي يشترط موافقة الفتاة على معالجته..
في المزرعة البعيدة نعرف أن زوجة المروّض عازفة الكمان قد تركته إلى المدينة تبحث عن ذاتها, فيما هو بقي للعناية بأولاد أخيه.. ترافق المرأة الرجل الصامت على حبه وعذابه في الغابة والحقول, وترهف السمع لوجيب قلبها وموسيقى الطبيعة.. في مشاهد رومانسية صوفية حالمة, نسيجها الحقيقة البيضاء.. فتغفو على صدره, وتكتشف أن هناك نغمة ضائعة من أغنية الوجود..
فهل يمكن اعتبار مشاهد الفيلم نوعا من الكتابة البصرية, ترسم على مرايا الذات ما تعلنه لغة القلب, ويعجز اللسان عن البوح به؟
ربما!!..
وربما هي إشارة إلى لغة الجسد السرية التي تعبر عن كيمياء الروح, التي تترجم الأشواق والرغبات وحتى الغرائز, التي لا تعبر عنها اللغة المنطوقة, مثل ما تبدو في رجفة البدن, ونبض الجلد, ولهاث الصدر, وتغيرات الوجه, وبريق لمعة العين, وكل ما يحط على العين المستقبلة, فيحرك فيها كيمياء التواصل, والتراسل واستقبال الإشارات, ما يؤكد أن " من لا تحبه الروح لا يحبه الجسد" حتى وإن استوعبه العقل تساوقا مع ضرورات واقع الحال..
فهل في ذلك تأكيدا للتراسل بين أميرة و حبيب بعيد قريب, وانطفاء جذوة العلاقة مع ووج قريب بعيد..؟؟

مستويات اللغة
في الرواية رغبة واضحة للتجريب, يبدو ذلك جليا في التعاطي مع اللغة أيضا, فنرى عدة مستويات في لغة السرد على امتداد الروية, كما وتبدو اللغة مهرا أصيلاً, يستجيب لرغبات الفارس/ المؤلفة, فنحن إزاء لغة رصينة عند استكشاف الحالات والعوالم الخاصة والعامة, قادرة على حمل اجتهادات العقل وما يختزنه من معرفة وثقافة لطرح رؤى الكاتبة من ناحية, ويحرك الأحداث داخل الرواية من ناحية أخرى..
كما نرى اللغة الرومانسية الحالمة التي تعكس شفافية عاشق موله, وتستجيب لفيض المشاعر في حكايات وشوشات الودع.. تنقل القاري إلى بوح عصري شفاف, يستمد ظلاله من ألف ليلة وليلة, على ديباجة معاصرة..
أما عندما تتولى البصارة الكلام, نجد البسيط المسجوع المنغم, الطافح بفطرة تُقطر تجارب الإنسان منذ الخطيئة الأولى على وجه الأرض..
وفي خضم هذا التنوع تتقافز لغة الحوار بالمحكي العامي في الزمان والمكان المناسبين, مكملة لمستويات اللغة الأخرى, فالكاتبة مشغولة باللغة كفاعل أساس في بنية الرواية..
فهل كانت اللغة في الرواية أحد مجالات التجريب أيضا؟
اعتقد ذلك, واعتقد أنها تمكنت من لغتها إلى حد يحسب لها..

وبعد
فإننا مع هذه الرواية, نقف عند حيرة السؤال حول بنية هذا النص المراوغ, القابض باقتدار على روح الرواية, والذي يجمع في ثناياه نبض الخاطرة, والمقالة التأملية, والبوح المسترسل والصورة البصرية, وروح الشعر, في ضفيرة فنية مدهشة, تأخذنا إلى عالم فيه من العفوية رقة ماء الجداول, وفيه من العبق تفتح نوار ربيع النفوس وجمال بياض السجايا, وفيه من الظلم بشاعة القتل عن سبق إصرار وترصد, وفيه من الرحمة محبة صوفي متوحد مع الكون في ملكوت خالق الكون.. وهو في جميع حالته نص يغني للحياة ويطلب مغفرة خالق الكون..
وهو على مستوى تقنيات السرد الروائي, نص مشاغب يلج الرواية من عدة بوابات, ويسعى إلى التجريب الواعي ليضع بنية نصية ربما تفتح سؤال التأمل, أو التحدي أمام نقاد الرواية..


--
* منى عارف كاتبة وصحافية مصرية تقيم في الإسكندرية, تكتب الخاطرة والقصة القصيرة, نشرت ليالي القمر 2001, أطواق الياسمين 2003, وروائح الزمن الجميل 2006
* وشوشات الودع رواية للكاتبة منى عارف, إصدار مركز الحضارة العربية- القاهرة 2009























تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

إطار لصورة رمادية

14-نيسان-2018

إطار لصورة رمادية

30-تموز-2015

مدونات دعبول السلام

13-تشرين الأول-2012

قصة قصيرة / غيمة الدموع

16-أيلول-2012

بلورة المرجان

18-نيسان-2012

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow