Alef Logo
الآن هنا
              

التحرّش الجنسي يمزّق حاجز المحظور / ذكرى بكاري

2009-12-06


بعد أن تعذر ايجاد احصائيات رسمية في خصوص التحرش الجنسي في تونس، وبعد أن استجوبنا خمسين امرأة تونسية من فئات عمرية ومستويات تعليمية ومن جهات مختلفة، وبعد طرح السؤال: "هل تعرضت للتحرش الجنسي؟ وكيف كان ذلك؟"
كانت النتيجة مقلقة ومفاجأة الى الحدّ الذي جعلنا نفتح ملف التحرش الجنسي الذي أصبح ـ والكلمة لاغلبية المستجوبات ـ احد "كوابيس" المرأة العاملة منها، والطالبة الجامعية، يحضر يوميا في حياتها وبشكل مؤذ، رغم القانون الذي يجرمه والذي تم سنه خلال السنوات القليلة الماضية لردع المتحرشين بها وحمايتها من هذا الاعتداء الذي غالبا ما يكون خفيا، إذ أن 48 امرأة صرّحن بأنهن تعرضن للتحرش الجنسي، ومنهن من كانت ضحية للتحرش في عديد المرّات، وبطرق تختلف في حدّتها وظروفها، لكن لها نفس الوقع ونفس النتائج.
ولان كان عدد قضايا التحرش الجنسي كبيرا ومفزعا، تجدر الاشارة إلى أن ما يتم الابلاغ عنه إلى السلطات المختصة لا يتجاوز نسبة ضئيلة مقارنة بالحالات الحقيقية نتيجة حالة السرية والصمت التي تحيط بهذا النوع من الاعتداء وهو ما يؤكّد أنّ الارقام والاحصائيات لا تمثل إلا جانباً بسيطاً من تلك المعاناة التي تعيشها المرأة العاملة في العالم اليوم. خوف وصدمة ولعل سبب ذلك هو حساسية الموضوع، وأن كثيرا من ضحايا التحرش يخفن من الفضيحة وتلويث السمعة، اذ أن أصابع الاتهام ستشير اليها بالدرجة الاولى، لذلك فهي تفتقد الجرأة والشجاعة في التحدث عن معاناتها، فتظل التجربة السلبية راسخة في ذهنها، تاركة ترسبات وآثارا نفسية عميقة، قد لا يحمد عقباها لخصها طبيب وأستاذ مختص في علم النفس بقوله "في حال كانت المرأة، الطالبة أو العاملة، ذات شخصية هشة غير متماسكة أو ضعيفة فسيؤثر عليها ذلك كثيرا مستقبلا، وقد يصل الامر بها الى رفض الروابط الزوجية لانها سترى في ظل الرجل صورة سلبية مماثلة لصورة الرجل الذي تحرش بها، حتى وإن استطاعت تكوين أسرة فقد لا ينفع معها تغيير المكان، أي أن تغيير الوضعية لن يؤدي بها الى تغيير فكرتها وانطباعها.
وإذا وقعت المرأة في شباك المتحرش بها، واستطاع التلاعب بها فقد يتعدى الاثر إلى المنزل، فتتغير معاملتها مع زوجها نتيجة للعلاقة الجديدة، وقد تتفاقم لتصل إلى الطلاق لتعيش مع من قوض حياتها سعياً وراء السراب!!
وترك المرأة العمل نهائيا من أبرز آثار التحرش. ويوضح الدكتور في هذا الصدد: "تفضل الكثيرات العودة الى منازلهن بعد تعرضهن للتحرش".
وهناك أثر بالغ على سير العمل وقوته، فالقبول لن يكون على أساس الكفاءة والمؤهلات، بل هناك عناصر جديدة في أولوية التوظيف، فالجمال وحسن المظهر هما أهم الصفات المطلوبة في المتقدمة عند المصاب بهذا المسلك المشين، فضلا عن المحسوبية في الاداء الوظيفي فيما بعد، مما يؤثر سلبا على سير العمل".
العارض والمتكرر
وعن القائم بالتحرش قال الدكتور: "قد يكون المتحرش من النوع السادي الذي لا يستمتع بالعلاقات الجنسية العادية، وإنما يسعده أن يأخذ ما يريده من الطرف الاخر بقدر من العنف والاجبار والقهر، وهو نموذج مرضي ومضطرب. والتحرش لا يقتصر عليه بل يمكن أن يحدث من أشخاص عاديين في ظروف تشجعهم على ذلك، وهذا ما نسميه "التحرش العرضي" أو " التحرش الموقفي"، بمعنى أنه سلوك عارض في حياة الشخص أو سلوك ارتبط بموقف معين وليس بالضرورة أن يتكرر، على عكس التحرش المرضي الذي فيه فرصة للتكرار لان وراءه دوافع متجددة تدفع الشخص للتورط فيه من حين الى آخر وهو النوع الاخطر الذي لا رادع له سوى القانون. وكون التحرش مدفوع باضطرابات مرضية لا يعفي صاحبه من المسؤولية كما قد يظن البعض أو يتخوف، وإنما ربما يفسر لنا ما يحدث وينبهنا لامكانية تكرار حدوثه، وربما فقط يخفف العقوبة في بعض الظروف الخاصة جدّا.
قلق وغضب
هناك آثار سريعة تظهر مباشرة أثناء حالة التحرش وتستمر بعدها لعدة أيام أو أسابيع وتتلخص فى حالة من الخوف والقلق وفقد الثقة بالذات وبالاخرين وشعور بالغضب من الاخرين وأحيانًا شعور بالذنب.
والشعور بالذنب هنا يأتي من كون المرأة حين تتعرض للتحرش كثيرا ما تتوجه لنفسها باللوم وأحيانا الاتهام، ولسان حالها يقول لها: "ماذا فعلت لكي يفكر هذا الشخص فى التحرش بك؟ يبدو أن فيك شيئا شجع هذا الشخص على أن يفعل ما فعل. يبدو أنك فعلا سيئة الخلق وعديمة الكرامة. لماذا طمع فيك أنت بالذات؟ إنه يظن أنك من أولئك النساء الساقطات. هل يكون قد سمع عنك ما شجعه على ذلك؟؟".
وهناك آثار تظهر على المدى الطويل وتتمثل فيما نسميه بكرب ما بعد الصدمة، خاصة إذا كان التحرش قد تم فى ظروف أحاط بها قدر كبير من الخوف والتهديد للشرف أو للكرامة أو لحياة الضحية وسلامتها، وهنا تتكون ذاكرة مرضية تستدعي الحدث في أحلام اليقظة أو في المنام، وكأنه يتكرر مرات كثيرة كما يحدث اضطرابا نفسيا وفسزيولوجيا عند مواجهة شيء يذكر الضحية بالحدث، ويتم تفادي أي شيء له علاقة بالحدث، ويؤدى ذلك إلى حالة دائمة من الخوف والانكماش والتردد وسرعة التأثر.
كما أن الضحية تفقد قدرتها على الاقتراب من رجل، وإذا تزوجت فإنها تخشى العلاقة الحميمة مع زوجها لانها تثير لديها مشاعر متناقضة ومؤلمة.
هذا ما شرحه الطبيب النفسي، وعن الحلول قال "على الضحية أن لا تلوم نفسها أو الظروف، فالتحرش الجنسي هو جذب انتباه جنسي مفروض عليها دون أدنى ذنب منها وأن تحاول إيجاد منفذ قانوني للشكوى.
الاقتصاص
وأن واصل المتحرّش أفعاله الدنيئة والتي قد تتمثل في النظرة الخبيثة أو ذات المعنى للانثى، بينما تمر أمام الشخص أو التلفظ بألفاظ ذات معنى جنسي أو تعليق صور جنسية أو تعليقات جنسية في مكان يعرف الشخص أنها سوف ترى هذه الاشياء أو لمس الجسد. يجب حينها مواجهة المتحرش والاعلان بوضوح وصراحة ودون أدنى مواربة أنها ليست سعيدة بهذه التلميحات، وأنها لم ولن يكون لها أي شغف أو رغبة في إقامة علاقة من أي نوع مع المتحرش.
والحل الاكثر جدوى كما يقول الدكتور هو أن تقتص المتحرَّش بها من المتحرِّش عن طريق القانون.
كما ظهر من النتائج أن ثلث النساء اللاتي تعرضن للتحرش لم يقمن بخطوات الحل؛ بسبب الخوف من التنكيل أو الخجل. والبقية اللاتي قررن استرداد حقوقهن المعنوية يحميهن القانون وينصفهن حتى لو تعذّر الاثبات القطعي، ذلك أن القائم بالتحرش لا يمكن أن يرتكب جريمته على مرأى من الناس.
إثبات الجريمة
التحرش الجنسي انتهاك لحرمة المرأة الجسديّة والمعنويّة ولذلك جرّمه القانون التونسي ويعرف الفصل 226 ثالثا من المجلّة الجزائية مفهوم التحرّش الجنسي بـ"الامعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال وأقوال وإشارات من شانها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغباته او رغبات غيره الجنسيّة أو ممارسة ضغوط عليه من شانها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات".
والتعريف القانوني للتحرش الجنسي واسع النطاق ولكنه في نفس الوقت يحدد معايير ضرورية لاثبات الجريمة وهي كما عددها المحامي ادريس بن حسين: "التكرار في المضايقة والتصرف بالافعال والاقوال وحتى الاشارات والغاية الجنسية لاشباع رغبة الشخص متعمّد التحرش أو رغبة الغير. ويعتبر التحرش الجنسي جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن لمدة سنة أو بخطيّة تصل إلى ثلاثة آلاف دينار".
وعن إمكانية إثبات التحرش أورد بن حسين أنه "يتم عادة الرجوع إلى وسائل الاثبات العامة في المادة الجزائية من شهادة شهود واعتراف وغيره، إلا أن هذه المسالة تطرح إشكالية على مستوى صعوبة الاثبات وذلك في صورة وقوع التحرش الجنسي بالاقوال. ففي هذه الحالات يمكن الالتجاء إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة من تصوير وتسجيل صوتي، ويبقى الامر خاضعا لاقتناع وجدان المحكمة في كل الاحوال".
إن إثبات حدوث التحرش من أصعب الامور على المرأة، فعند سؤال احدى النساء اللواتى قمنا باستجوابهن وصديقتها فيما إذا كانتا تعلمان أن القانون يمنع التحرش الجنسي ويعاقب عليه، أبديتا استغرابهما قائلتين: "هل أستطيع أن أقاضيه؟!" وبعد إخبارهما بأن القانون الجنائي يعاقب على التحرش، قالت نجاة: "لم يكن في علمي ذلك"، قبل أن تستدرك ولكن "كيف أستطيع أن اثبت أن ذلك الرجل تحرش بي؟!
أكد المحامي ادريس بن حسين في هذا الصدد أن الخوف من الفضيحة الاجتماعية والادانة المسبقة للضحية وراء الاحجام عن الابلاغ عن العديد من حوادث التحرش. في الاغلب تمر حالات المضايقة الجنسية دون شكوى من الضحية لشعورها بالحرج. وفي الاحيان الاخرى يكون السبب عدم معرفة المضايق لكونه ارتكب ما ارتكب في الزحام أو بسرعة ثم هرب من المكان".
الوجه الاخر
لا بدّ من أن للمتحرّش أسبابا اجتماعيّة لقيامه بالتحرش، هذا الفعل الذي لا مبرر له وقد لخصّها السيد فتحي جراي أستاذ مختص في علم الاجتماع بما يلي: "التبني المجتمعي لثقافة "الوصم" ما يجعل العبء ملقى بشكل دائم علي المرأة، إضافة إلي تبني ثقافة التكتم والتعتيم وغياب الوعي العام بعناصر الجسد وكيفية التعامل معها أو غياب التربية الجنسية وكذلك حالة الازدحام بما يسمح باختراق خصوصيات الاخرين، وانتشار حالات الاقتراب غير المحسوب بين الجنسين في الاماكن العامة والوجود غير المنضبط في بعض منها كالجامعات، إضافة إلى العشوائيات التي تمثل بيئة أساسية لانتشار مثل هذه الظاهرة، وضغط المثيرات الجنسية وانتشار البطالة والفقر وتدهور القيم الدينية وانتشار القنوات الاباحية والملابس الفاضحة.
الشكوى الاكثر شيوعا بين بنات حوّاء هي تحرش الرجال بهن، ولكن للتحرّش وجه آخر، فقد لا تكون صاحبة الشكوى بريئة لا حول لها ولا قوة، إذ أن هناك نساء يدفعن الرجال ويشجّعنهم على التحرّش بهن وإن لم يقصدن ذلك.
فهل يجب أن ندين الرجل دائما؟
… وأوتار الغرائز
التقينا بين أروقة أحد المركبات التجارية شابا كان يراقب حركات الروّاد في ازدراء وحذر واضحين، فقررنا أن نقطع صمته وسألناه عن مدى مشاركة المرأة في تعرضها للتحرّش الجنسي … هو السيد "رمزي" الذي قال: "وهل تكتفي المرأة بالمشاركة؟ إن مجرّد جولة بين أروقة هذا المركب تعطي إجابة شافية وكافية عن السؤال، العطر الصارخ الذي يستخدمنه يشق أرجاء المكان، الجسد المكتنز في "سروال دجين" و"البودي" الذي يظهر أكثر مما يخفي، الكعب العالي الذي يعزف على أوتار الغرائز ويجعل الحواس تختلط والافكار تتزاحم، اللّفتات، الضحكات، الوجوه الملطّخة بألوان أعرفها وأخرى لا أعرفها، كلّها حبال تقود الرجل من عنقه نحو الخطيئة فيرتكبها دون وعي منه.
كيف نتهم الرجل إذن بعد كلّ ما ذكرت؟ ومن أين لي القوة لاصمد أمام "الايحـاءات المباشرة وغير المباشرة التي قد أتلقّاها من إمرأة فأعجز عن رفضها؟"
إختار "أحمد" أن يستهل كلامه بتنهدات جياشة: "التحرّش الجنسي خرج أخيرا من دائرة المحرمات والخطوط الحمراء"، وأفاد أنه من المهم جدّا أن نعطي لكلّ ذي حق حقّه، فلا يمكن أن نحمّل الرجل المسؤولية بأكملها، ذلك أنه حين يرى الفستان يرقص بزهو ونشوة على إيقاع الخطوات المثيرة التي تدير أعناق الرجال في غفلة منهم، تتخلّى عنه ذاكرته وتأخذه خطواته نحو صاحبة الفستان، فيمطرها بكلمات الغزل ويصدّق أنه من آخر سلالة "عمر إبن أبي ربيعة". ولكن الفرق بينهما هو أن هذا الاخير إستمتع بالحب العذري والممنوع المرغوب وتمنّع المرأة .. في حين أن الرجل اليوم يجد كلّ شيء مباح، فسرعان ما يملّه وينفره ".
" نعمة أم نقمة"؟
"الله جميل ويحبّ الجمال " هذا ما نتّفق عليه جميعا، فالجمال من أهم مقومات الحياة، ولكن للانسة "رباب " (24 سنة) رأي آخر: "وهبني الله قسطا وفيرا من الجمال، ولكن أحيانا أتمنّى لو كنت دميمة أو بشعة الخلقة لانني بصراحة ضقت ذرعا بتصرّفات كل الرجال الذين ما إن ينظروا في وجهي حتّى تفرّ الكلمات منهم فتقلقني وتجعلني أشعر بالخجل والارتباك. فهل عليّ أن أصبح متعهدة التقطيب والعبوس، فأنال النفور وبالتالي الراحة المطلوبة، أم أن أتكلس في المنزل فأتخلص من التحرش الجنسي الذي أعاني منه كل يوم إمّا من خلال تصريحات مباشرة أو كلمات مشفرة أو نظرات مريبة ومخيفة؟ كيف عليّ أن أواجه كلّ هذا فلا أسير مع القطيع ولا أميل مع الهوى السائد وحسب إتجاه الريح؟ وهل تحوّل الجمال من نعمة إلى نقمة؟.
الغاية تبرر الوسيلة
يبدو أن السيدة "شيراز" (32 سنة) لا تجد أي حرج في الاعتراف بأن الوظيفة قد تكون الغاية التي تبرر الوسيلة أي الاغراء، حيث سردت حكايتها قائلة " بعد تخرّجي من معهد عال للدراسات القانونية، بدأت رحلة بحثي الشاقّة عن عمل محترم يتماشى وكفاءاتي العلميّة، زرت مؤسسات عديدة لا أستطيع عدها. وذات يوم حين دخلت احدى المؤسسات اجتاحني إحساس بأنني أخيرا وجدت ضالّتي. ولمّا سلّمت ملفّ الشهادات والمعلومات الشخصية، أخذه صاحب المؤسسة بمنتهى البرود، أما عن موعد الالتحاق بالوظيفة، فقد أجابني بصوت مفتعل بالحماس وبدون أن ينطق وجهه بأي معنى. حين تلقّيت تلك الاجابة الباردة، شعرت بقشعريرة الخيبة تنسكب على قلبي، ولكن في طريق العودة إلى المنزل، طغت على سطح مخيلتي فكرة ذكيّة، نفذتها في الغد وكانت تتلخّص في ارتداء ملابس جذابة جدّا ومغرية والسماح لشعري بأن يتحلّى على ظهري فتتناثر خصلاته في دلال مكابر، وكان أحمر الشفاه السلاح الاقوى الذي جعلني أفوز بالوظيفة على الفور".
عن جريدة الصباح التونسية 6/12/2009

تعليق



hamid

2015-12-29

allah yahdi ma 5la9

أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow