Alef Logo
دراسات
              

قراءة مكررةللتاريخ / أدونيس يراجع التاريخ عبر جسد المرأة شعرياً

حاتم الصكَر

2007-12-01

العمل الشعري الأخير لأدونيس: تاريخ يتمزق في جسد امرأة (دار الساقي2007)، يمكن أن يكون تكراراً لقراءته للتاريخ شعرياً، والتاريخ العربي خاصة، بعد أن توالت قراءات أدونيس له نثراً في (الثابت والمتحول)، وشعرياً في أجزاء عمله الضخم: (الكتاب) عن حياة المتنبي وشعره.وهي قراءة تدين مجريات الماضي المتخذ هيئة التاريخ، و القائمة سياسياً علي سنن العسف والقمع والتغييب، رغم أن أدونيس نفسه أسهم في كشف الإضاءات المتقدمة لاسيما في الشعر الموروث (مختاراته من ديوان الشعر العربي) والنثر الإشراقي (دراساته عن المتون الصوفية في الصوفية والسوريالية وتنبيهاته علي المواقف والمخاطبات وسواها) وهي إشارات تند خارج الموجة الإجترارية والمحكومة بنسق سلطوي في هذا التاريخ الدموي كما يلخصه في(الكتاب)، أو كما يصفه في إحدي قصائده بأنه تاريخ معمّي وحطام، في زمن أعمي.

الاحتكاك بالتاريخ وبناه المعرفية ومعتقداته تتم عبر محور الحرية التي ينذر أدونيس نفسه وشعره لها مبكراً، ليس في اختياره قصيدة النثر والتبشير بها فحسب، بل باصطدامه بالبني المهيمنة علي العقلية العربية، والشعر والفكر في مقدمتها، وفي اختيار الرموز والأقنعة والمرايا الثورية والمهمّشة والمنبوذة في التاريخ الرسمي أيضاً، و في الأسئلة التي يثيرها قارئاً وكاتباً حول القناعات واليقين المستقر والمُصادِر للآخر. والمرأة إحدي أبرز نقاط اصطدام أدونيس ومشروعه التحديثي بالجماعة ومألوفها الاجتراري، سواء في الملفوظ الشعري له وحضور المرأة فاعلا في الحب والحياة والرفض، أو في أطروحاته النظرية حول المجتمع والفن والحياة والثورة والتقليد والإبداع. هنا يتمحور عمل أدونيس حول المرأة من زاوية الجسد الذي تصوره الثقافة الموروثة والمحكومة بالممنوعات والتابوات، بما يمكن أن يكون احتكاما للوظائف المسندة إليها والمحددات المحيطة بها، تحديداً دونيأً لدورها كنوع إنساني لا مجرد جنس قسيم للذكر(=أنثي).
منظومة المغيبات التي تتعلق بالمرأة
والعنوان في العمل كعتبة مهمة وموجّه قراءة قوي ودالّ يوحي بذلك، فالتاريخ يتمزق في جسد امرأة، يتلاشي مِزقاً بعد أن قرأناه أمجاداً ومفاخر و عنتريات فارغة، وخذلانه وبيان زيفه يتضح عبر جسد امرأة، نبذه الضمير الجمعي وحوّله إلي مسكوت عنه ضمن منظومة المغيبات التي تتعلق بالمرأة التي يراد لهاس أن تؤدي دوراً محدوداً بالإنجاب وتلبية الغرائز من طرف واحد.
امرأة أدونيس التي يحاكم التاريخ من خلال جسدها لا تريد هذا الدور، وترفض الزعم أو التصور السائد حولها:
زعموا أنني خلقت لكي لا أكون سوي ذلك الإناء
لاحتضان المنيّ كأني مجرد حقلٍ وحرثً:
جسدي من غثاءٍ وحيض
وحياتي تجري
مرةً صرخةً، مرةً مُومأة
ولماذا إذاً يكتب الكونُ أسرارَهُ
بيدي عاشقٍ؟
ولماذا إذاً يولدُ الأنبياء
في فراش امرأة؟
وهذا السؤال الملخّص للفكرة عن إرادة حصرها في خدمة الغريزة والحفاظ الطبيعي علي النسل، يناقض كونها حاضنة للأنبياء والعشاق من رسل المحبة.
في عتبة (الاستهلال) كما سمّاها أدونيس ــ المدرك لتقنيات النص المعروض للقراءة وعَتباته وموجّهاته ــ يعرفنا عبر (صوت) بما سيقص علينا في عمله:
هذهِ سيرةُ امرأةٍ عبدةٍ وابنها
نُفيت، لا لشيءٍ سوي أنها
كسرت قيدها، ويُحكي
أنها زُوجت لنبي
وأن ابنها
صار من بعدها نبياً
لم يجيء في تعاليمه
أنها حُرّرت
إن الإعلان عن ستراتيجية العمل بأنه سيرة لِعَبدةٍ وابنها، ومجيء المرأة بصيغة التنكير ليؤكد أن أدونيس في موقف تاريخي عام لا ظرفي خاص، فهو لا يعرض حالة المرأة المشخّصة أو المتعيّنة في شعره، بل يتصدي لحالة (امرأة) بالتنكير، هي المرمّزة لجنسها والنائبة عنه عبر التاريخ كله، كما أن ابنها هو البشري الذي يحكي عنه جبران كثيرا كابن للحرية والذي مسخته العبوديات التي وجدها بعد ولادته الأرضية.
لكن امرأة أدونيس التي تمارس أيضا بعض دورها الأمومي كما أراد لها خطاب الرجل، فتحضر لا بجسدها الذي تمتلكه كرغبة، بل كأم يرافقها ولد لن يذكر في تعاليمه حين يكبر ويشرّع الدساتير والقوانين والأعراف أنها أصبحت حرة،
فظل وجودها الحياتي مرهونا بالعبودية، كما كان وجودها النصي داخل العمل كذلك في بداية الاستهلال وختامه، عبدةً للرجل ولصورتها التي رسمها لها هو وللدور الذي أسنده لها.
السيرة النسوية إذاً ستمر عبر الجسد وقبل استفاقتها الواعية وإحساسها به سيقرر الراوية في الصفحة التالية للاستهلال إلي ما يقيّد المرأة من جهتي زوجِها وابنها:
إنها امرأةً: مرة ً قيدُها طفلُها. مراراً
قيدُها زوجُها
ولكنها مع ذلك تكون ضحيتهما،ن في النهاية، فلا تستطيع العيش بأنوثتها ــ جسدها، لأنها تعاقَب بالختان(كلّ مختونةٍ جثةُ) وبقمع رغبتها(إنني كفراشةِ ليل خطايَ شمعة)، وغربتها عن زوجها (وأهفو إلي عاشق يكون صديقا)، بينما في نهاية القصيدة تهجم الجماهير علي المرأة لتقتلها رجماً بالحجارة، كما حصل لسواها من نساء التاريخ اللواتي قلن: لا، فتموت ومعها طفلها الذي لاقي مصيرها نفسه في النهاية..
تختم الجوقة القصيدة بالتعليق علي ما جري للمرأة في القصيدة ــ التاريخ:
إنها وابنها
أسيران في ظلمات، بدايتها لفظة
ونهاياتها لفظة
ورغم أن أدونيس يصرح علي لسان الراوية في القصيدة بأن (ليس ما سيقال بيانا ولا مسرحا / إنه امرأة حيّة ــ ميّتة) نجده يتجه بالقصيدة فنيا وجهة توثيقية هي جزء من سيرة المرأة في هذا الوطن المثقل.
قصيدة بأصوات متعددة
فنياً تلفت نظر القاريء ملحمية العمل، فهو قصيدة كما يقول العنوان الجانبي المثبت داخل الكتاب، أي هي عمل موحد تجمع صفحاته الثمان والعشرون والمائة رؤية واحدة وليس وجهات نظر مبثوثة في قصائد متفرقة كما في الدواوين المعتادة.ويكمل العنوان الجانبي وصف العمل بأنه (قصيدة بأصوات متعددة) وهي إشارة إلي الطابع الدرامي للقصيدة المتوزّعة علي عناوين يمثّل كل منها صوتا يتكرر للمرأة والجوقة والراوية والرجل والطفل الذي لا ينفك عن أمه في الدور المسند إليه في العمل.
وإذا كان التجريد اللغوي والصوري قد تحكم في القصيدة رغم تعدد أصواتها فإن مردّ ذلك لهيمنة الرؤية الأدونيسية للموضوع النسوي ومكانة المرأة كنوع، مما جعل النص منكشفاً من البداية ومعروف النهاية أيضاً، وذلك أضعف الحس الدرامي الذي أراده أدونيس للعمل، وهو يذكّرنا بأعمال سابقة لأدونيس في الاتجاه الدرامي متعدد الأصوات الذي وعدنا به وصفا لهذه القصيدة، ولكن دون تحقيق الصراع المناسب للتعددية الصوتية، لاسيما وأن السارد الخارجي ينتج أفكار ادونيس ذاتها رغم استبطانه أحيانا للأصوات الضدية له وللمرأة بالضرورة ولكن من جانبه هو دائما. كما ينبهنا المستوي الإيقاعي مجددا إلي استثماره تفعيلات بحور متعددة هي المتدارك والخبب والمتقارب (فاعلن ــ فعلن ــ فعولن) وقام بمزجها في سطر شعري واحد أحياناً. وهو ما أعطي للحوار خاصة سمة نثرية تناسب الذهنية المتحكمة فيه لا الحركية الدرامية المطلوبة في أعمال كهذه.
والقصيدة تعيد كذلك موضوعة احتكاك أدونيس بالثوابت التي تنبه لخطورتها وانصرف يقاومها في شتي أشكال كتابته شعرا ونثرا ونقدا.



تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow