Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

إحدى عشرة دقيقة / باولو كويلو ـ ج1

ألف

2010-04-19

فى التاسع والعشرين من أيار سنة 2002 وقبل ساعات قليلة من الفراغ من هذا الكتاب , ذهبت الى مدينة لورد فى فرنسا لأجلب القليل من مياه الينبوع العجائبية . كنت أقف فى ساحة الكنيسة عندما اتجه نحوى رجل يناهز السبعين وخاطبنى قائلا " هل تعرف أنك تشبه باولو كويليو ؟ "

أجبته بأننى أنا هو , عانقنى الرجل وقدم لى زوجته وحفيدته قال لى ان كتبى تحتل مكانة كبيرة فى حياته , ثم ختم كلامه بالقول " أنها تجعلنى أحلم " . غالبآ ما سمعت هذه الجملة وأدخلت المسرة الى قلبى لدى سماعها . لكنى , مع ذلك شعرت فى تلك اللحظة بقلق عميق . كنت أعرف أن روايتى " 11 دقيقة " تتناول موضوعآ حساسآ يحدث لدى القارئ صدمة عنيفة ومزعجة . مشيت الى الينبوع لأحصل على القليل من المياه العجائبية . ثم سألت الرجل عن مكان أقامته ( شمال فرنسا قريبآ من الحدود مع بلجيكا ) وسجلت اسمه فى مفكرتى .

موريس غرافلين هذا الكتاب مهدى اليك . لدى واجب تجاهك وتجاه زوجتك وحفيدتك وتجاه نفسى , التحدث عما يشغلنى وليس عفا يود الناس سماعه . ان بعض الكتب تجعلنا نحلم وبعضها الأخر يذكرنا بالواقع , لكن لا يمكن لاى كاتب أن يتنصل مما هو جوهرى لكتابته , الا وهو النزاهة التى يكتب بها .


* * * * *


لأننى الأولى والأخيرة
لأننى المبجلة والمحتقرة
الزوجة والعذراء
الأم والأبنة
لأننى ذراعا امى
لأننى العاقر ولأن اولادى لا يحصون
لأننى الزوجة الزوجة والعزباء
لاننى العزاء فى الأم الولادة
لأننى الزوجة والزوج
ولأنى رجلى هو الذى خلقنى
لأننى ام أبى
لأننى أخت زوجى
ولان زوجى هو ابنى الذى تخليت عنه
لأننى كل ذلك
قدموا لى الأحترام على الدوام
فأنا الفاجرة وأنا المرأةالنبيلة ...


نشيد من أيزيس , القرن الثالث الميلادى أو الرابع , اكتشف فى نجع حمادى


كان يا مكان , كانت هناك عاهرة تدعى ماريا . لحظة لو سمحتم " كان يا مكان " هذه هى العبارة المثلى للبدء بقصة خرافية لأطفال " فيما كلمة " عاهرة " كلمة تستعمل للبالغين . كيف بالأمكان اذا البدء بقصة على هذا التناقض المبين ؟ لكن بما أننا فى كل لحظة من حياتنا لدينا قدم فى قصص الجنيات الخرافية وقدم أخرى فى الهاوية , فلنحتفظ اذا بهذه البداية .

كان يا مكان , كانت هناك عاهرة تدعى ماريا . ولدت عذراء بريئة ككل العاهرات وحلمت ابان مراهقتها , بان تلتقى فتى أحلامها ( أرادته أن يكون ثريا وذكيأ وجميلا ) وأن تتزوجه ( مرتديه ثوب الزفاف ) وأن تنجب منه طفلين ( لا يلبثان أن يصبحا مشهورين فى المستقبل ) , وأن تقيم فى بيت جميل ( يشرف على البحر ) .

كان والدها وكيلا لأحدى الشركات التجارية ووالدتها خياطة . لم يكن هناك فى مدينتها نوردستا فى البرازيل الا صالة سينما واحدة وملهى ليلى ووكالة مصرفية . لذا كانت ماريا تنتظر اليوم الذى سيظهر فيه فارس أخلامها بغتة ودون سابق انذار فيمتلك قلبها وتنطلق لغزو العالم .

بما ان فارس الأحلام لم يظهر , فلم يتبق لها والحالة هذه سوى الحلم . عرفت طعم الحب لأول مرة فى الحادية عشرة من عمرها , عندما كانت تذهب الى المدرسة الأبتدائية سيرآ على القدمين . فى اليوم الأول من السنة الدراسية , أدركت أنها لم تكن وحيدة على الطريق وأن صبيآ يسكن فى الجوار يمشى على مسافة قريبة منها , ويذهب الى المدرسة فى الأوقات نفسها , ولم يكونا ليتبادلا كلمة واحدة .

لكن ماريا لاحظت أن اللحظات , التى كانت تدخل السرور الى قلبها وتشعرها بالبهجة أكثر من أى شئ أخر , هى تلك التى تقضيها على الطريق المغبزة بالرغم من العطش والتعب فى الشمس المحرقة , والصبى الذى يسرع فى مشيته , فيما هى تبذل جهودآ مضنية لتبقى فى محاذاته .

تكرز المشهد لأشهر عدة , لم يكن لدى ماريا , التى تكره الدرس , من تسلية أخرى سوى مشاهدى التلفاز . لذا أخذت تتمنى أن يمضى الوقت بسرعة , وتنتظر بلهفة أوقات الذهاب الى المدرسة , وتشعر بالضجر فى عطلة نهاية الأسبوع بخلاف الفتيا اترابها .

كانت ماريا تتعذب , لان الساعات تمر بطئية بالأولاد , أبطا منها بالكبار , وتحس بأن أيامها متناهية الطول لأنها لا تمنحها الا عشر دقائق تقضيها على الطريق بمحاذاة فتى أحلامها , فيما تقضى آلاف الدقائق والساعات فى عالم الخيال تحلم بلقائه والتحدث اليه ولو لبرهة قصرة من الوقت .

وذات صباح اقترب منها الصبى وسألها ان تعيره قلمآ . فلما تجب وتظاهرت بأن هذا التقرب المتطفل يزعجها فحثت الخطى . ثم ما لبثت أن تجمدت من شدة الذعر عندما رأته يتجه ناحيتها . خشيت ان يكتشف أنها تحبه وتنتظره , وانها تحلم بأن ياخذ بيدها متجاوزا باب المدرية فتعبر الطريق برفقته حتى النهاية , الى ان تبلغ , كما يقال , مدينة كبيرة وأشخاصا يبدون وكأنهم طالعون من الورايات وفنانين وسيارات وقاعات سينما كثيرة وكل أنواع الفرائد .

طوال النهار , كان يشق عليها ان تستجمع أفكارها فى الصف , كان تصرفها العبثى يعذبها فى ان التفكير بأن الصبى استانس بوجودها هو ايضا , وبانه استخدم القلم ذريعة للدخول فى حديث معها , لانها لاحظت فلماً فى جيبه لدى اقترابه منها . كانت تتحرق شوقآ وحزنآ لرؤيته . فى تلك الليلة وفى الليالى التى اعقبتها , أخذت كافة الأجوبة التى يمكن أن تواجهه بها , الى ان عثرت على الطريقة المثلى التى تؤهلها البدء بقصة لن تنتهى ابدآ .

لكن الصبى لم يعد يتوجه اليها بالكلام . استمر لقاؤهما على طريق المدرسة , احيانا تقدمة ماريا يضع خطوات وتمسك قلمآ بيدها اليمنى , واحيانا تتخلف عنه قليلا ليتاح لها ان تراقبه ملياً . وقد وجدت لزاما عليها ان تكتفى بحبه , وتتعذب بصمت حتى نهاية السنة الدراسية .

بدت لها العطلة لا متناهية واستفاقت ذات صباح وساقاها ملطختان بالدم . ظنت انها مائتة لا محالة . فقررت ان تكتب رسالة للصبى تعترف له فيها انه كان الحب الأول الكبير فى حياتها . ثم خطرت لها فكرة ان تغرق فى " السرتا " وتفترسها احدى البهائم المتوحشة التى تلقى الذعر فى نقوس مزارعى تلك المنطقة كالغول الذئبى او البغلة التى لا راس لها .( * )

وهكذا , أخذت تفكر بان والديها لن يبكيا لموتها لان الفقراء يتعللون بالأمل , رغم المآسى التى ترهق كواهلهم . لا بل سيعتقدان ان عائلة ثرية دون أولاد قد اختطفتها وانها سترجع يومآ مكللة بالمجد والثروة . أما الحبيب الحالى ( والأبدى ) فى حياتها , فلن يتمكن من نسيانها وسيتعذب كل صباح لانه لم يتوجه اليها بالكلام .

لم تتمكن ماريا من كتابة الرسالة لانها امها دخلت غرفتها ورأت الشراشف الملطخة ببقع الدم وقالت " ها قد كبرت وصرت صبية يا صغيرتى " .

أرادت ماريا ان تعرف ما هى العلاقة بين كونها صارت صبية , والدم الذى انساب بين ساقيها . لكن امها عجزت عن شرح ذلك لها . أكدت لها فقط ان ما حدث لها طبيعى وانها من الان فصاعدا يتوخى عليها ان تضع منشفة صغيرة بسماكة وسادة دمية , مدة أربعة أو خمسة أيام فى الشهر . سألتها ماريا عما اذا الرجال يستعملون أنبوبآ لكى يمنعوا الدم من تلطيخ سراويلهم , وعلمت ان ذلك لا يحدث الا للنساء فقط .

شكت امرها لله , بيد انها ألفت أخر الامر , العادة الشهرية , لكن صعب عليها ان تألف غياب الصبى . تلوم نفسها على موقفها السخيف الذى يدفعها الى التهرب مما كانت تتمناه أكثر من اى شئ اخر .

عشية العودة الى المدرسة , دخلت الكنيسة الوحيدة فى المدينة وأقسمت امام القديس انطونيوس بانها ستتخذ المبادرة وتتحدث الى الصبى .

فى اليوم التالى , رتبت هندامها على أكمل وجه وارتدت الفستان الذى خاطته امها خصيصآ للمناسبة . ثم خرجت وهى تشكر الله على ان العطلة انتهت اخيرآ . لكن الصبى لم يظهر . وهكذا مر أسبوع جديد من الحيرة والقلق , ثم ما لبثت ان علمت من بعض الأصدقاء ان الصبى غادر المدينة .

قال لها أحدهم , غادر بعيدآ ....

عندئذ أدركت ماريا ان ليس هناك ما يمنع من ان نفقد بعض الأشياء الى الأبد , وعلمت أيضآ ان هناك مكانآ يدعى " بعيدآ " وان العالم واسع ومدينتها صغيرة . وان الكائنات الأهم يؤول بها الامر الى الرحيل دوما . ودت لو انها تستطيع ان تغادر هى أيضآ , لكنها لا تزال فتية جدآ . ومع ذلك , حسن شاهدت الطرقات المغبرة , اتخذت القرار بانها ستمشى ذات يوم على خطى الصبى , فى ايام الجمعة اللاحقة , وعلى مدى السنوات التالية , تناولت ماريا القربان المقدس وفق عادة دينية درجت عليها , وصلت للعذراء طالبة منها ان تنقذها يوماً من هذا المأزق .

تعذبت ماريا لبعض الوقت , وعبثا حاولت ان تجد أثرآ للصبى . لكن أحدآ لا يعرف الى اين انتقل اهله . عندئذ بدأت ماريا تشعر ان العالم واسع جدآ وان الحب العظيم . ايقنت أيضآ ان العذراء تقطن فى السموات البعيدة التى لا تصلها صلوات الأولاد وتضرعاتهم .


* * * * *

مرت ثلاث سنوات تعلمت خلالها ماريا الجغرافيا والرياضيات , وتابعت مشاهدة المسلسلات التلفزيونية . كما تصفحت سرآ فى المدرسة أولى المجلات الأباحية . وشرعت تكتب بانتظام يوميات تتحدث فيها عن حياتها الرتيبة ورغبتها الكاملة فى التعرف عن كثب الى ما تعلمته , المحيط , الثلج , الرجال الذين يرتدون العمامات , النساء الأنيقات المزدانات بالجواهر .. لكن , لما لم يكن أحد يستطيع التعايش مع الرغبات المستحيلة , وبخاصة حين تكون الأم خياطة والأب غائبآ دوما , فسرعان ما أدركت ماريا انه يجدر بها ان تولى ما يحدث من حولها اهتماما أكبر . كانت تتابع الدراسة لكى تتدبر أمرها فى الحياة , وتفتش فى الوقت نفسه عن رفيق يمكن ان يشاركها فى الحياة , وتفتش فى الوقت نفسه عن رفيق يمكن ان يشاركها احلامها فى الغامرة . عندما بلغت سن الخامسة عشر وقعت فى غرام صبى التقته خلال أحد الزيارات التى تجرى فى أسبوع الألام .

لم تكرر الخطأ الذى ارتكبته فى طفولتها , تحدثا وصارا صديقين ثم ذهبا الى السينما والى الأعياد معآ . وخلصت ماريا الى النتيجة نفسها التى تقول ان الحب يتجلى فى غياب الحبيب اكثر من هى حضوره . كانت تفتقد حضور الفتى باستمرار , وتقضى الساعات متخيلة ما يمكن ان تقوله له فى اللقاء المقبل , مستعبدة كل ثانية تقاسمتها معه , مستحضرة ما فعلته من تصرفات جيدة او سيئة .

كانت تحب ان تظهر بمظهر الفتاة الشابة التى تملك تجربة فى الحياة والتى سبق لها ان كابدت هيامآ كبرآ , وعرفت مقدار الألم الذى يسببه هذا الشغف . كانت عازمة على الصراع بكل ما أوتيت من قوة , لتملك قلب هذا الرجل , أو ليس هو من سيتزوج بها , ويمنحها أولادآ ويهبها بيتآ يشرف على البحر .

حدثت امها فى الامر فقالت متوسلة :

- لا يزال الوقت مبكرآ جدا يا ابنتى .
- لكنك كنت فى السادسة عشرة عندما اقترنت بأبى .

امتنعت الام عن شرح سبب هذا الزواج المبكر الذى يعود الى ظهور بودار حمل غي متوقع . ارادت ان تضع حدا للنقاش , فلجأت الى الحجة القائلة بانه " فى ذلك الزمان , كان الامر مختلفآ " .

فى اليوم التالى ذهبت ماريا برفقة الصبى للتنزه فى الريف المحيط بالمدينة . أخذا يتبادلان أطراف الحديث , حدثته ماريا عن رغبتها فى السفر , فاخذها بين ذراعيه على سبيل الأجابة وقبلها .

أول قبلة فى حياتها ! حلمت بهذه اللحظة . كان المنظر بديعآ , طيور مالك الحزين المحلقة فى الجو والشمس الغاربة , والمنطقة شبه القاحلة بجمالها الوحشى , وصوت الموسيقى الصادحة فى البعيد .. تظاهرت ماريا بالتمنع ثم عانقته مكررة الحركة التى رآتها مرات عدة فى السينما والمجلات والتلفاز . مزغا شفتيها بعنف فوق شفتيه , محركة رأسها من جهة أخرى بشكل شبه منتظم وشبه خارج عن سيطرتها .

شعرت بين الفينة والأخرى ان لسان الرجل يلامس أسنانها ووجدت الأمر لذيذا .
وفجأة توقفت عن التقبيل .
سألها الصبى : الا ترغبين فى ذلك ؟ ..

ماذا عليها ان تجيبه ؟ اتجيبه بانها ترغب فى ذلك ؟ بالطبع ! لكن لا يجدر بالمرأة ان تستلم على هذا النحو , وبخاصة لزوجها المقبل , والا لأشتبه بأمرها طوال حياته , ولا أعتقد بانها تقبل كل شئ بسهولة كبيرة . لذا فضلت الا تقول شيئاً .

أخذها من جديد بين ذراعيه , بحماس أقل هذه المرة . ثم توقف وقد اشتد احمرار وجهه . أدركت ان هناك خللا ما طرأ , لكنها خافت ان تسأله عن الموضوع . أمسكت بيده وعاد الى المدينة , وهما يتحدثان عن امر اخر وكأن شيئآ لم يكن .

فى تلك الليلة , وايقنت ماريا ان حدثا جللا قد حصل , فدونت فى يومياتها هذه العبارات التى انتقتها بعناية .

" عندما نلتقى أحدهم ونقع فى غرامه , نشعر ان الكون كله يطاوعنا فى هذا الاتجاه . هذا ما حدث لى اليوم عند مغيب الشمس . لكن اذا حدث خلل منا , فان كل شئ عندئذ يتلاشئ ويختفى ! طيور مالك الحزين والموسيقى الصادحة فى البعيد وطعم شفتيه . ترى , كيف يمكن للجمال الذى كان حاضرآ بقوة ان يختفى بهذه السرعة ويتلاشئ ؟

الحياة تمر مسرعة وتنقلنا من الجنة الى الجحيم , ولا يحتاج الامر الا الى ثوان معدودات .

فى اليوم التالى , ذهبت لموافاة صديقتها شاهدنها جمعيهن تتنزه برفقة " حبيبها " . يبدو انه ليس مهما فى نهاية المطاف أن يعيش الأنسان حبآ كبيرآ , المهم ان يعرف الجميع انك شخص يثير الرغبة لدى الأخر . كانت صديقتها متشوقات جدآ ليعرفن كيف جرت الأمور , فاعلنت ماريا لهن بفخر شديد أن افضل ما حصل لها هو عندما لامس لسانها أسنانها .

اخذت احدى الفتيات بالضحك .

- ألم تفتحى فمك ؟
وبغتى , أصبح كل شئ واضحا لها , السؤال والخيبة .
- ولم على فعل ذلك ؟
- لكى تدعى لسانه يمر .
- وما الذى سيتغير ؟
- هكذا يقبل الرجل المرأة .

أطلقت الضحكات المكبوتة , وأظهرت بعض الفتيات تعاطفآ مخادعآ فيما كتمت الأخريات غيظهن , ولاحت فى أذهانهن مشاريع الانتقام , لانهم لم يعرفن حبيبا من قبل . تظاهرت ماريا بعد الاكتراث , وضحكت بدورها , حتى لو كانت روحها تبكى .

اخذت تلعن فى سرها كل الأفلام التى علمتها ان تغمض عينيها وتمسك بيدها رأس صديقها , ثد تدير راسها تارة الى اليسار وطورا الى اليمين دون ان تعلمها ما هو جوهرى . ثم ما لبثت ان صاغت تفسيراً ملائمآ لما جرى ( لم أشا الاستسلام فى الحال , لاننى لم أكن متأكدة بعد من مشاعرى . لكنى متيقنة الأن انه رجل حياتى ) وانتظرت الفرصة المقبلة .

بعد ثلاثة أيام , رات الفتى خلال احتفال اقمته البلدية , وكان يمسك بيد أحدى صديقاتها , تلك التى سألتها بالذات عن طعم القبلة الأولى . تظاهرت ماريا عندئذ بعدم الاكتراث . احتملت المشهد حتى نهاية السهرة , والهت نفسها بالتحدث الى صديقاتها الفنانات , والشبان الذين يسكنون فى الجوار . كما تظاهرت بتجاهل نظرات الاشفاق التى رمقتها بها أحدى صديقاتها . لكن , ما ان رجعت الى البيت حتى شعرت انها عاجزة عن الامساك بزمام الامور وان عالمها قد انهار , فبكت طوال الليل .

تعذبت ثمانية أشهر متواصلة وخلصت الى ان الحب لم يخلق لها ولم تخلق هى من اجله . قررت عندئذ ان تسلك طرق الرهبنة وتكرس بقية حياتها لمحبة يسوع , لان هذا الحب لا يترك جراحآ اليمة فى القلب . سمعت الناس فى المدارس يتحدثون عن مرسلين الى أفريقيا للتبشير , فرأت فى ذلك منفذآ للخلاص من حياتها الرتيبة الخالية من الأنفعالات .

قررت الدخول الدير , وتعلمت الأسعافات الأولية ( لأن هناك ناسا كثيرين يقضون حتفهم فى أفريقيا بحسب ما يقول بعض الاساتذة ) , وشاركت بجد ومثابرة فى دروس التعليم الدينى . بدأت تتخيل نفسها قديسة الأزمنة الحديثة تخلص النفوس الخاطئة , وتستكشف الغابات المزدحمة بالنمور والأسود .

لكن تلك السنة , سنة بلوغها الخامسة عشر , خبأت لها اكتشافها . ثالثا " الأستمناء " اكتشفته بالمصادفة , عندما كانت تلعب بعضوها فيما تنتظر رجوع أمها الى المنزل . كانت قد اكتسبت تلك العادة فى طفولتها , ووجدت فيها لذة غامرة . الى ان فاجأها والدها ذات يوم وهى فى وضعية الاستمناء , فانهال عليها بالضرب دون ان يشرح لها السبب . لم تنس ماريا الضربات , وتعلمت انها يجب ان تمتنع عن ملامسة عضوها فى حضور الأخريين . وبما انها لم تكن لديها غرفتها الخاصة , فقد نسيت اللذة التى منحتها اياها هذه العادة .

ولبثت كذلك الى ان اكتشفتها مجددآ فى ذلك اليوم بعد الظهيرة , بعد مرور ستة أشهر تقريباً على القبلة الشهيرة . تأخرت امها فى العودة , كان ابوها قد خرج مع صديقه . لم يكن لديها ما تفعله ولم يكن هناك برنامج مهم على التلفزيون . لذا , أخذت تتلهى بتفحص جسدها على أمل ان تجد فيه بعض الشعيرات المزعجة التى تستوجب الأزالة . دهشت عندما لاحظت وجود برعم صغير فى أعلى فرجها . أخذت تلامسة دون ان تتمكن من ردع نفسها , وراحت وتيرة لذتها تتصاعد لتصير أكثر حدة , والتوى جسدها كله لذة , وبخاصة القسم الذى لامسته . شعرت بانها تدخل شيئآ فشيئآ يشبه الجنة , وتزايد الشعور . دونت فى يومياتها انها لم تعد ترى ولا تسمع شيئاً بوضوح . بدا كل شئ وكأنه اصطبغ بالذهب , قم انت تحت طأة اللذة , وكانت تلك رعشتها الجنسية الأولى .

الرعشة الجنسية ! المتعة !

لكن بدا لها ان الامير يشبه سقوطآ بطيئآ بمظلة من أقاصى السماء الى الأرض . كان جسدها ينضح عرقآ , لكنها احشت انها تشعر بأرتياح كلى يغمرها وانها مفعمة بالحيوية . هذا هو اذا الجنس ! يا للروعة ! لم تعد محتاجة الى مجلات بورتو غرافية يتحدث فيها الجميع عن اللذة يتكشيرة تنم عن ألم .

لم تعد بحاجة الى رجل يحب جسد المرأة وبكرة قلبها . بامكانها ان تفعل كل ذلك بمفردها ! أعادت الكرة متخيلة ممثلا شهيرآ يقوم بمداعبتها وبلغت من جديد أعالى السماء قبل ان تهبط مجددآ على الأرض وهى تفيض بالحيوية . كانت تهم بالأستمناء للمرة الثالثة عندما وصلت أمها .

ذهبت ماريا لتتحدث مع صديقاتها عن اكتشافها هذا , وحاذرت هذه المرة ان تبوح لهن انها قامت بالتجربة الأولى منذ ساعات قليلة . كن جميعهن , ماعدا اثنتين , يعرفن الكثير عن الموضوع . لكن أيا منهن لم تتجرأ على قول ذلك علانية . شعرت ماريا انها على وشك ان تصير ثورية وقائدة للجماعة , فاخترعت " لعبة الأسرار الحميمة " وطلبت الى كل واحدة أن تتحدث عن طريقتها الأثيرة فى الاستمناء .

تعلمت ماريا عدة تقنيات لاستمناء , البقاء مثلا تحت الغطاء فى عز الصيف ( لان التعرق , كما قالت أحدى الفتيات يسهل العملية ) أو استخدم ريشة ورزة لملامسة المكان ( لم تكن ماريا تعرف اسم المكان ) او تدع صبيا يقوم بذلك مكانها ( هذا لم يكن ضروريا لماريا ) او استعمال حنفية الاستبراء , ( لم يكن لديها حوض لأستبراء ,لكنها ستجرب ذلك لدى زيارتها لاحدى صديقاتها الثريات ).

عندما اكتشفت ماريا الاستمناء واستخدمت بعض التقنيات التى اقترحها عليها صديقاتها , تخلت نهائيآ عن فكرة الرهبنة . لقد منحها الاستمناء لذة كبيرة , لكن الجنس فى نظر الدين هو أعظم الخطايا . وعرفت عبر صديقاتها انفسهن الشائعات المتصلة بالاستمناء , فهو يجعل الوجى يتملئ بالبثور , وقد يؤدى الى الجنون او الحمل . لكن ماريا استمرت , بالرغم من كل هذه المخاطر , فى منح نفسها اللذة مرة فى الأسبوع على الاقل , يوم الاربعاء عمومآ , حين يذهب أبوها لكى يلعب الورق مع أصدقائه .

وفى الوقت نفسه , بدأت ماريا تشعر ان ثقتها بنفسها تضعف فى حضور الرجال , وتملكتها رغبة عارمة فى مغادرة المكان الذى تعيش فيه . وقعت فى الحب مرة ثالثة ورابعة وتعلمت التقبيل والمداعبة والأستسلام لداعبة أحبائها , الا ان هناك دوما شيئآ لا يسير على ما يرام , ويحدث ان تنتهى العلاقة فى الوقت الذى تقتنع ماريا فيه بان شريكها مناسب لتقضى معه بقية أيام حياتها .

وفى النهاية , توصلت ماريا الى الاستنتاج ان الرجال لا يجلبون الا الألم والحرمان والعذاب والضجر . ذات يوم , بعد الظهيرة , حين صادف وجودها فى احدى الحدائق , اتخذت قرارآ , وهى تراقب اما تلاعب ابنها ذا السنتين , ان بامكانها ان يكون لها هى ايضآ زوج واولاد ومنزل يشرف على البحر , لكنها لن تقع فى الغرام اطلاقا , لان الغرام يفسد كل شئ .


* * * * *
































































تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

31-كانون الأول-2021

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

22-أيار-2021

الـمُـغـفّـلــة – أنطون بافلوفتش تشيخوف‎

15-أيار-2021

قراءة نقدية في أشعار محمد الماغوط / صلاح فضل

15-أيار-2021

ماذا يحدثُ لجرّاحٍ حين يفتحُ جسد إنسانٍ وينظرُ لباطنه؟ مارتن ر. دين

01-أيار-2021

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow