Alef Logo
الغرفة 13
              

نلعن الفساد ونحترم الفاسدين...ثقافة الفساد ... ابن شرعي لسفاح محرم

ألف

2006-12-16

لعن الفساد و نحترم الفاسدين .. ثقافة الفساد ابن شرعي لسفاح محرم
مزن مرشد

أخيرا, رضي مقابلتي, مشترطا عدم ذكر اسمه, وعدم اصطحاب مصور أو كاميرا فهو يرى أنه

دفع ثمنا باهظا, وسجن ظلما.
في الطريق إليه, كنت أفكر ببراءته, وهو الذي قضى حكما بالسجن مدته خمس سنوات, بتهمة اختلاس بضعة ملايين.‏
لماذا يرفض البريء أن يذكر اسمه أو تنشر صورته?‏
برر هذا التساؤل بأن القصة قديمة ولا يريد فتحها من جديد, ليس من أجله, فهو لم تعد تهمه -كما قال- بل من أجل أبنائه.
في معمله الكائن في احدى القرى القريبة من دمشق,والتابعة لمحافظة أخرى, يتربع في مكتبه, كملك, وقبل أن يبدأ بالحديث يشعل سيكاره الفاخر, سألته:‏
قضيتك كانت اختلاسا?‏
أبدا, ولا أسمح لأحد أن يتهمني بالمختلس, أتحداك, وأتحدى أي إنسان على وجه الكرة الأرضية, أن يثبت بأني ارتشيت بقرش أو اختلست قرشا, لفقت لي التهمة ليتخلصوا مني ويبعدوني عن المكان الذي كنت مؤهلا لأكون مديره, أخفتهم أن آخذ الكرسي منهم, فوجدوا السجن, الحل الوحيد لإبعادي.‏
بالرغم من الحكم والسجن الا ان الرجل يصر على براءته, وبالرغم من منبته ومنبت زوجته الفقير, الا انه اليوم يملك الكثير من العقارات, ورصيده البنكي تجاوز الملايين, وعندما لمحت له من بعيد لهذا الموضوع, استغربت برودة أعصابه, وجوابه الجاهز,كمن اعتاد على تكراره مئات المرات‏
( المال يخص زوجتي, بصراحة أنا أعمل عندها).‏
طبعا لم أستطع الوصول إلى فاسد أكبر من هذا الفاسد الصغير الذي يحظى باحترام مجتمعه, والذي ينوي أن يجد الحل القانوني ليرشح نفسه لعضوية مجلس الشعب,!!!!‏
اعتدنا, ومنذ زمن, أن الاحترام بات للمال, لا أكثر ولا أقل, ولا أهمية لأي شيء سواه فهو البلسم السحري الذي يمحو كل التواريخ السوداء.‏
***‏
حلم بالفساد‏
وصل الفساد الى كل شيء وبكل شيء أحدهم أراد ترشيح نفسه لمجلس الشعب, فقط من اجل الحصول على القرض المصرفي الذي يعطى للمرشحين لتغطية حملتهم الانتخابية وبفوائد استثنائية ويسدد على مدى خمس أو ست سنوات - ألا يعتبر هذا فسادا- ما يثير التساؤل ليس ما وصل إليه الفساد أو إلى أين وصل, بل نفوسنا التي أصبحت لا تعيفه, ومجتمعنا الذي انتقل في فترة قياسية من استنكار للفساد, والاستبعاد الاجتماعي لمن تثار حولهم مجرد الشكوك بفسادهم, إلى تخطي مرحلة تقبلهم والوصول إلى احترامهم وطلب ودهم والسعي خلف صداقتهم.‏
عادة القبول‏
المهندسة رضوى الناعمة تقول: ( لم تعد لدينا مشكلة في التعامل مع الفاسدين لأننا أصبحنا نخافهم, والفاسد نفسه لم يعد يخجل من فساده لأن القيم تبدلت, والثوابت لم تعد تلك التي تربينا عليها من خير وشر ولم يعد العيب سابقا عيبا اليوم, في الماضي كان المرتشي يمشي في الحارات مطأطئاً رأسه, يخشى أن يعلم أحد جيرانه أنه ارتشى, وأن في جيبه قرش حرام, أما اليوم فهو نفسه يتفاخر بمكتسباته ومعارفه وماله الحرام, ولم يعد الفاسد يخشى الناس بل انتقل الخوف الينا, أصبحنا نحن من نخاف الفاسدين, لإدراكنا أن الفاسد باعه طويلة, وله نفوذ كبير مهما بلغت درجة فساده أو نوعه, ويستطيع الوصول الى مسؤول والتأثير فيه, لأنه متقن لعمليات التزلف ومسح الجوخ, أما فيما يخص المعاملات الرسمية فنحن من نبحث عن الموظف الفاسد ولا نتحاشاه, ونفضله على الموظف الشريف لأن التعامل مع الموظف الفاسد سيكون أسهل من التعامل مع الموظف الشريف, لأن الفاسد سيسهل علينا أي معاملة مهما كانت درجة تعقيدها, ويسرعها, وهنا أؤكد أن المعاملة التي تكون بين أيدينا هي قانونية مئة بالمئة, ولكن سرعة إنجازها هو الغاية, أو فيما يتعلق بالخدمات فنحن نسعى خلف موظف الهاتف الفاسد وموظف البريد الفاسد وموظف الجباية الفاسد لأن هذا سيلبي طلباتنا بسرعة ودون روتين, اذ يستطيع أن يقدم الخدمات الى المنزل برشوة بسيطة أو اكرامية كما يسميها دون انتظار الدور , وشرطي المرور الذي يقبل اكراميته اسهل من آخر يصر على تطبيق القانون وهم اصلا نادرون, وهناك موظفون لا يرتشون ولكنهم يقبلون الهدية وهذه الهدية قيمتها بحسب قيمة مركز هذا الموظف, فهناك ثقافة عامة وهي الثقافة الاكثر انتشارا بين الناس وهي ثقافة تقبل الفساد).‏
حزب مادخلني‏
وزير الصناعة السابق الدكتور حسين القاضي صاحب أول استقالة في تاريخ الوزارة السورية رأى أن السبب الاول والاخير لتقبلنا للفساد, أو لنقل لتفشي ثقافة الفساد بشكل عام هو التردي الاقتصادي الذي وصل اليه وضع المواطن, في ظل فئات وصولية تحصل على ما تريد, وتجني ما تريد, وبسبب غياب القانون كسلطة تطبق بالتساوي على الجميع, ظهر الى النور حزب جديد اسمه - ما دخلني - وأصبحنا جميعا أعضاء فخريين أحيانا وفاعلين معظم الاحيان في هذا الحزب حتى أصبحنا لا نتأثر بوجود الفاسدين بيننا, وبتنا نعتبر وجودهم أمرا واقعا بل وأمرا طبيعيا لأن - ما دخلني - هذه أصبحت تدخل في تفاصيل قيمنا, وتعشش في أجزاء تفكيرنا فما دخلني ان كان فلانا فاسدا أو لا, وما دخلني ان كان فساده يؤذي المجتمع ويؤذيني, وما دخلني إلى أي درجة وصل الفساد اجمالا, ومن هنا بتنا لا نهتم الا بما يحصل خارج دائرتنا الاقتصادية اللاهثة خلف الرزق, وهذا في نفس الوقت أصبح يبرر للآخرين فسادهم كمستفيدين حتى وصل الامر للقول حلال على الشاطر, وبدأت تطفو على السطح فئة اجتماعية مستفيدة تتمتع بالنفوذ, والمال الذي أصبح يصنع الجاه, ويشتري المكانة الاجتماعية .‏

ضياع البوصلة الضابطة‏

التقبل الاجتماعي للفساد والذي يعتبر أخطر من الفساد نفسه, يحلله أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق, ورئيس قسم الاعلام الدكتور أحمد الاصفر فيرى أن مجتمعنا العربي تعرض في فترة الحرب العالمية الثانية الى نوع من الانحلال الاجتماعي يقول : (ضاعت عوامل الضبط الاجتماعي, وفقد الضابط الديني الذي كان يحد تصرفات الفرد بالحلال والحرام, وفقد الضابط الاجتماعي فما هو عيب, كان في الماضي يعتبر ضابطا قويا لتصرفات الافراد وكانت الاسر مجتمعة تخشى على سمعتها وتلتزم بالقيم الاجتماعية والاخلاقية, وتحمل قيمة لكبيرها أي كبير العائلة فكلامه قانون, وبالتالي فالفاسد مهما كانت درجة فساده ونوعه لم يكن يجرؤ على الفساد حتى لو أراد ذلك أو حتى لو كان مضطرا للفساد, والناس كانوا يستطيعون أن يجاهروا برفضهم للفاسد لأنهم الاكثرية ولأنهم الاقوى, ولكن منذ خمسين عاما الى اليوم تبدلت المنظومة الضابطة للاخلاق الاجتماعية بشكل كبير, فظهرت تيارات نخبوية, تمردت على القيم السائدة واعتبرت قيم العيب تخلفا, والرادع الديني تزمتا غير مبررا, ولكن هذه النخبة لم تكن تقبل الفساد, ولا تروج له, ولكنها لم تضع ضوابط بديلة لتلك الضوابط التي الغتها,فاصبحت المنفعة هي المعيار الاساسي في السلوك, هذا على مستوى التطبيق العلمي للنظريات الاجتماعية على الواقع, أما على المستوى الاعمق, فعبر زمن ليس بالقليل فقد الفرد الثقة بالسلطة التنفيذية متمثلة بالقضاء, وساد مفهوم المصلحة, والمحسوبية, والواسطة. ثم بدأت تطفو على السطح قضية تردي الاوضاع الاقتصادية للمواطن, وعدم كفايته من مرتبه أو أجره, ما دعاه ضمنيا الى تبرير الفساد المالي, لنفسه, ولغيره على حد سواء, وما زاد الامر سوءا الاضطراب الذي بدأ يتلمسه المواطن لدى مؤسسات دولته, الذي لمسه من خلال سياسات الاستيعاب الجامعي التي أهلت كوادر وخرجتهم لكنها لم تستوعبهم في سوق العمل, ما يدفعهم الى محاولة الحصول على عمل إما من خلال الرشاوى, أو الواسطة, أو انهم سيختارون الطريق الفاسد أخلاقيا كالنصب والاحتيال, أو الاتجاه الى طرق فساد أخرى من شأنها أن تقيهم العوز, وبالتالي هؤلاء ليس فقط سيتقبلون الفساد, وإنما سيصبحون جزءا من منظومته, وقواه المدافعة عنه.)‏
حديث الدكتور الاصفر جعلني أفكر بفساد من نوع جديد, نتلمسه في سياستنا في محو الامية, وصولا الى سياسة الاستيعاب الجامعي, وصولا, الى الجامعات الخاصة التي فتحت المجال واسعا أما الفوارق الاجتماعية في اختيار نوع الدراسة ليكون الطبيب ابن العائلة الغنية ومن لا يملك مالا وفيرا فليكتف بجامعة على قد الحال وليدرس فرعا على مستوى ماله.‏
فما لاحظناه بعد تنفيذ سياسة محو الامية لعقود تجاوزت الثلاثة, أن نسبة المثقفين انخفضت, فلم تعد ترتبط الثقافة بالعلم, لنصل إلى أرتال من المتعلمين, لا علاقة لهم بالثقافة, ولا مكان لهم في سوق العمل, وهنا تبرز ضرورة وضوح الرؤية لدى المؤسسات القائمة على الأمن الاقتصادي للمواطن كحد أدنى لحمايته من الفساد بمختلف أشكاله, فإن لم يكن هناك على أرض الواقع عمل لخريجي الاعلام على سبيل المثال لا الحصر, لماذا يستمر القسم باستقبال الطلبة, وان كانت المؤسسات لا تأخذ مديريها من خريجي المعهد الوطني للادارة ولا تعترف بهم فلماذا تتكلف الدولة عناء بقائه على قيد الحياة, والصرف على ميزانيته ورواتب مدرسيه وموظفيه, ألا يعتبر هذا هدرا?! ألا يعتبر الهدر نوعا من انواع الفساد?! وأذكر أن أمثلتي على سبيل المثال لا الحصر.‏
الشريف غبيا‏

ببساطة أصبحنا مجتمع بلا هوية, ولا ضوابط, هذا ما أراد المهندس حمد نصر أن يلخص به تجربته الخاصة التي تمثلت بعمله باحدى المؤسسات العامة, والتي تتميز بامكانية استفادة موظفيها- بشطارتهم- وعبر ثغرات قانونية تحميهم لكنه أصر ألا يستخدم هذه الشطارة لينعته البعض بنعوت أصبحت تطلق على كل شريف, وينتقل الى مؤسسة أخرى لا مجال فيها لا للفائدة ولا الاستفادة, يقول المهندس نصر : ( أصبح مبدأ الشاطر لا يعني الا شيئا واحدا, وهو كيف يعرف الشخص أن يستفيد من موقعه مهما صغر,ومن يحمل مبادئ أخلاقية ويرفض مبدأ الاستفادة, لا يجوز أن يبقى في مكان تتاح فيه الاستفادة, وبقاء الاشخاص في مثل هذه الاماكن ووصولهم الى مفاصله لا يرتبط, بمهنيتهم, وانما فقط بمعيار شطارتهم تلك, ولهذا أصبحنا نقبل الفساد لأننا نعرف أن الفاسد قد يصل بين ليلة وضحاها إلى مفصل مهم قد يساهم في ضررنا أو محاربتنا في لقمة عيشنا, واجتماعيا ذاك الفاسد لأنه يملك حدا أدنى من الثروة, وحدا أدنى من المعارف المفيدين له ولغيره إن أراد الوساطة أو التوسط للآخرين, وببالتالي المجتمع سيعتبرني أنا وأمثالي أغبياء لأننا لم نعرف كيف نستفيد من موقعنا, وهربنا من الرزق!!!!)‏

بلاط خاص للبحار

(من كثرة ما رضينا بالفساد لم يعد لدينا شخص غير فاسد بل الأقل فسادا ) هكذا بدأ بالاسترسال, لموضوع من الواضح أنه أرقه طويلا خاصة في اروقة المحاكم ويتابع المحامي عارف حمزة : (و هذا الأقل فسادا ً هناك من يقوم بملاحقته و طرده و القبض عليه لأنه وقف ضد تيار الفساد العالي و الرهيب .‏
من كثرة ما رضينا به أصبح لدينا , و بأمانة كبيرة , شعور جمعي بالفساد .‏
أصبحنا نقف إلى جانب اللص و المرابي و الخائن و غير الشريف و القافز من فوق القانون و المتكلم طويلا ً من دون فعل , و الذي يصنع ضجيجا ً هائلا ً من دون شفقة بنا أو رحمة , و الذي يهددنا بأبيه أو بماله أو بمركزه أو بسيارته أو , بكلمة أدق , بفساده المتراكم عبر زمن أصبح طويلا ً و ثقيلا ً .‏
مَن كان يماطل في حق أحد ما يقول له صاحب الحق, بعد أن يكون قد استنفد طرق الحصول على حقه أخويا وبالكلمة الحلوة كان يهدد بالذهاب إلى المحكمة و القانون بيننا .‏
كان الشخص الذي يماطل يصاب برجفة قوية عند ذكر كلمة المحكمة . و بمرور الزمن أصبح يصاب برجفة أقل . أما الآن فإنه يضحك قائلا ً لصاحب الحق : روح بلط البحر ... و بالفعل هذا الكلام صحيح . فما إن يذهب أحدنا إلى المحاكم حتى يأخذ معه شاحنة كبيرة من ( البلاط ) و يبدأ بتبليط البحر من أمام القصر العدلي .‏
في السابق , رحمة الله على السابق , كان صاحب (مركز ما ) يخاف من الله , ثم أصبح , على الأقل يخاف من ضميره و على سمعته و كرامته , و من بعدها يخاف من القانون حتى يعرف ثغراته . أما الآن , و بشكل ٍ علني و صريح , أصبح لا يخاف من أي شيء .‏
الفساد , يا سادة يا كرام , أضاع سلطة الأب و سلطة الزوج و سلطة المدير و سلطة القاضي و المحامي و سلطة المدرس و المربي و سلطة الحارس الليلي و أمين المستودع و سلطة الكاتب و سلطة النائب في البرلمان و سلطة الغيور على وطنه, و في النهاية أضاع سلطة القانون و الحق و المؤسسات .‏
سيقول من سيقرأ هذه الكلمات بأنني متشائم جدا ً , و بأن الإصلاح سيقضي تماما ً على الفساد . أتمنى ذلك . رغم أن الفساد لم يعد صرحا ً كبيرا ً و سيأتي يوم ما ونهدمه , و لم يعد جدارا ً صغيرا ً في وجه طريقنا وسنزيحه عن الطريق , و لم يعد شخصا ً مطاردا ً سنمسك به يوما ً و نطلق عليه النار, لم يعد الفساد شيئا ماديا ً محسوسا ً يمكن المسك به و طرده إلى خارج المكان لتتدفق مياه الإصلاح العذبة . بل الفساد أصبح معنويا ً لارتباطه بأشخاص و أفكار و قوانين و أماكن معينة تقف بقوة في وجه الإصلاح . أصبح الفساد مقيما ً , وليس طارئا ً , في كل شيء و في كل مكان .)‏

حالة نفسية بامتياز‏

الطبيب النفسي محمد وضاح حجار برر قضية تقبلنا للفساد نفسيا بأسباب علمية تعود الى عوامل التحكم بالسلوك لدى البشر فيقول: (الانسان بيولوجيا, مستعدا للدفاع عن الانا التي في داخله, وهذا يترافق مع نوعية من الأفكار والمعتقدات التي يتربى عليها الإنسان والتي يكتشف مع مرور الوقت أنها لا تحقق طموحه وبالتالي تجعله يحيد عنها, فالأفكار التي تسود في المجتمع تدعم هذا السلوك فعلى سبيل المثال, يجد الانسان أن لا وجود على أرض الواقع لمقولة الرجل المناسب في المكان المناسب, ويجد أن المعارف وأمور أخرى تحكم هذا الموضوع ما يؤدي الى تغيير قناعاته, فالمعتقدات التي تزرع في ذهنه عندما يكون طفلا, ينتقيها بعد ذلك ويتمثلها.‏
الامر المهم الاخر وهو سيادة الافكار المادية فنظرة الناس الى القيم المعنوية لم تعد تحاكيها الحالة الروحية مثل السعادة اذ اصبح المقياس ماديا بحتا ويجد الانسان ان القيم التي يتبناها لاتتماشى مع ماهو راهن ولا تحقق له المنفعة فيتم تحوله الى قيم اخرى ليتخذ معتقدات تتوافق مع ما هو سائد في المجتمع, ويكون هذا التحول - حسب الشخص- اما تدريجيا أو انقلابيا فجائيا, وهذا ما يحصل اليوم في مجتمعنا اذ يجد الانسان نفسه أمام الضغوطات الاقتصادية, ونجاح الفاسدين وتفشي الفساد, يجد المجتمع نفسه منساقا في حالة نفسية تبرر الفساد وتجده جيدا أحيانا لتطلق قيمة جديدة عليه — جيد — أو خير— كبديل بديهي عن القيمة القديمة التي كانت ترتبط به ذهنيا مثل — سيىء— شر — حرام— وهذا التبدل بالقيمة الذهنية والفكرية تجاه قضية تقبل الفساد لم يكن فجائيا بل أتى نتيجة تراكم اجتماعي وجد أن الفساد وصل بأصحابه الى النجاح والمال والجاه ما جعله مبررا نفسيا ومقبولا لدى الاخرين وسيكون مثلا أعلى في تطور مرضي لاحق عند الاشخاص الذين يتعرضون للصراع الداخلي بين الانا والضمير.)‏

فساد نسبي

بالرغم من ابتعاده عن أوساط الفساد والفاسدين, وانشغاله بعمله الثقافي, وترجماته التي يعتبرها حياته, يبقى صالح حلماني متفائلا بجيل الشباب مصرا على أنهم لا يقبلون الفساد, ولا يسبحون في تياره, لكنه وفي نفس الوقت لا يلومهم اذا استساغوا بعض الادب الرديء, كنوع من الفساد, ويجد أن لا ذنب لهم في تقبل فساد الادب ويبرر: (عندما نقدم للجيل أدبا رديئا, ثم نقدم له أدبا أردأ من الاول ثم نقدم الاردأ فيصبح الادب الرديء الاول أدبا جيدا مقارنة فيما تلاه حسب النظرية النسبية, وبالتالي لا لوم على شبابنا اليوم بتقبل هكذا أنواع من الادب).‏
ثم يجد علماني أن للوضع المادي المتردي يدا كبيرة في فساد كل شيء , فحتى دار النشر تضطر لنشر كتب لاتقتنع بمحتواها لمجرد كونها عناوين بياعة أو مواضيع تبيع أكثر, والناس كذلك قد يضطرون لفعل أشياء كثيرة تحت ضغط الوضع المادي والحياتي ثم يعود علماني الى النقطه الاولى ليؤكد أن الفساد لا يتجزأ فالادب الرديء فساد, ووضع موظف بغير مكانه فساد, وازاحة الكوادر الكفوءة من مراكز أدنى حتى لا يشكلوا خطرا في اخذ المراكز الاعلى فساد, والاغنية الحديثة الهابطة فساد, والاسفاف في التعري على الشاشات فساد, وتلحين كلمات تافهة بلا معنى فساد, وهكذا الى أن أصبح بعض كتاب الادب الردئ الجدد يعتبرون أنفسهم منافسين أكفاء لماركيز شخصيا, والمشكلة أنهم يقبلون في اتحاد الكتاب, ويسموا أدباء بالقوة وطبعا هذا من أجل أن يكسب القائمون على تنسيبهم أصواتهم الانتخابية في الانتخابات العامة, ويعطونهم أكثر من حقهم, ويروج لهم في ندوات وأطروحات ودراسات ولقاءات, ويبجلون حتى يحتفظ من أدخلهم الى الاتحاد بولائهم له, وبالتالي بأصواتهم الانتخابية الدائمة.

طرف ثالث.... احتمال حل

عادة ما تشكل مؤسسات المجتمع المدني, طرفا ثالثا- بعد القطاع الحكومي والقطاع الخاص- مهمته مراقبة أوضاع المجتمع والدولة, وتقييمها وتقديم تقارير تحليلية وحلول ورؤية لتشارك الدراسات الحكومية حول الظواهر الفاسدة والتعاضد لحلها خاصة أن للمؤسسات المجتمع المدني تعتبر الرديف الرئيسي للؤسسات الحكومية وعلى عاتقها تقع مسؤولية نهضوية للمجتمع بأكمله, لكن ما ظهر من هذه المؤسسات في سورية كان في فئتين رئيسيتين الاولى جمعيات حصلت على ترخيص عملها من وزارة الشؤون الاجتماعية وهذه الفئة من الجمعيات غلب على اختصاصاتها الطابع الخيري أو كل ما له علاقة بالطفولة والامومة والامراض مثل الجمعيات التي رخصت مؤخرا للعناية بمرضى السرطان, أما الفئة الثانية من هذه الجمعيات فلم تحصل على ترخيص ولم تختص الا بحقوق الانسان, وجل اهتمامها كان رصد انتهاكات السلطة للحقوق السياسية لفئات محدودة من المواطنين, وبالتالي وفي كلا الفئتين لم تصل في عملها الى المؤسساتية فأخذت طابعا شخصيا تمحور حول القائمين عليها, الأمر الذي حال دون وعيها الكافي لحقيقة مسؤوليتها ودورها الرقابي والتصحيحي والتشاركي مع المؤسسات الاخرى للوصول الى النتائج المرجوة من عملها.‏
المهندس حمد نصر في محاولة للتوصل الى إلغاء هذه الثقافة العامة التي تقبل المتفشي في مجتمعنا يتساءل: (لماذا لا نؤسس جمعية مهمتها محاربة الفساد على مبدأ جمعية حماية المستهلك وليكن اسمها جمعية حماية المجتمع اوجمعية محاربة الفساد, ولتأخذ دورها كما يجب, في محاولة توعية المجتمع على ضرورة الوقوف بوجه الفاسدين وإقصائهم ليعرفوا أنهم يدفعون اجتماعيا ثمن أفعالهم.)‏
أما المحامي عارف حمزة فيمسك بطرف خيط عله يوصلنا الى طريق القضاء على هذا الفساد الذي اعتبره حالة راهنة مقيمة يقول : ( اذا سألت َ الفساد يوما ًما, كيف نقضي عليك ستدمع عيناه من الضحك, ولكن محاربة الفساد تكون عادة, بإعادة الهيبة للقانون ومؤسسات الدولة و المواطن, وبالتالي ستعود ثقة المواطن بالقانون وعندها لن يقبل الفساد ولن يحترم الفاسدين, لأنه ببساطة لم يعد يخشى نفوذهم.)‏
وفي حل أكيد رآه الدكتور حسين القاضي:( نحن نحتاج الى ليبرالية جديدة حتى نستطيع القضاء على الفساد بانواعه, وليست ليبرالية ايديوليوجية فقط, بل ليبرالية فكرية وليبرالية ثقافية وليبرالية اجتماعية أيضا , ولا نظن أننا نحارب الفساد ببناء جيل على قيم جديدة مناهضة للفساد لأن هذه الشريحة نفسها ستفسد مع الزمن طالما هناك فاسدون,إذن فلنبدأ بازاحة الفاسدين من أماكنهم دون خوف.)‏

الاسرة, المدرسة, مجتمع نظيف......‏

المهندسة رضوى ناعمة تجد أن الخطوة الاولى لبناء مجتمع يرفض الفساد تبدأ من الاسرة والتربية التي تزرع الرادع الأخلاقي لدى أبنائها بعدم قبولهم للفساد كحالة, وتشجعهم لعدم الخوف من مجابهة الفاسدين وعدم التعامل معهم أو تقبلهم, فلا بد أن تمحى كلمة ما دخلنا من قاموس اسرنا لأن التربية هي الاساس ويدعمها المناهج المدرسية المتكاملة منذ سنوات الدراسة الاولى الى المراحل التعليمية المتقدمة والتي تركز على قيم الخير والشر والصح والخطأ, وسيادة القانون وتوجه الجيل الى رفض كل ما هو خاطئ من قيم ومبادئ واستبداله بالقيم الجيدة التي نريد زرعها في المجتمع.‏
أما الدكتور محمد وضاح حجار فيقول في محاولة وصوله الى بداية للحل : (السلوك الإنساني هو نتيجة تدريب تتدخل فيه العائلة والمجتمع والذي يجعل من الفرد ضعيفا أمام الفساد أننا نعيش في مجتمع يؤمن بعقيدة القطيع, فالأهل دائما يركزون في تربيتهم على تجنب الأولاد الدخول في صراعات وحتى على صعيد الأسرة وداخل المنزل يكون الأب غير قابل للنقاش فهو وبنحو غير مباشر يدرب أبناءه على الصمت, فغدا الفرد يعتقد أنه لا يستطيع أن يصل إلى حقه بطريقة مقبولة والتي هي أساس تقبل الفساد فالفرد الصالح لا يستطيع الحفاظ على حقوقه أما الفرد السيئ يستطيع تحصيلها والحفاظ عليها قد ينتبه المجتمع لهذا الخلل ولكن ذلك قد يحتاج إلى وقت طويل لتقويمه ولا بد أن تكون المؤسسات والأفراد متنبهين ومتيقنين بأهمية التغير الذي سيطرأ ومستعدين إذا لاحت بوادر النية الصادقة, فالمعتقدات والسلوك هو نتيجة لتدريب نتيجته تكون في تبني الإنسان لمعتقدات وأفكار التدريب- الافكار الجديدة- هو من يجعل الإنسان يتقبل أفكار ويدمن عليها, وهذا يوضح ان السلوكيات ما هي الا نتائج تدريب, وبالتالي الحصول على عكس النتائج يحتاج الى تدريب على المدى الطويل أي أننا اليوم نحتاج الى الترويج لثقافة جديدة تحارب ثقافة الفساد والى تدريب نفسي واجتماعي نوعي يمهد الطريق أمام قيم جديدة ترفض الفساد تحل محل القيم المتقبلة للفساد, ولا ننكر أن المسألة تحتاج الى وقت وقد يكون طويلا نوعا ما.)‏
هذا مجمل عن آراء, شخصت ثقافة الفساد السائدة, وحاولت تشريحها كظاهرة, لتعطينا بدايات لحلول, رأتها معقولة وناجعة, كي تمكننا من استعادة ثقتنا بأنفسنا, لنكون قادرين على امتلاك مستقبلنا ورسمه كما نريد.‏
مسلسل الفساد السوري... دراما مؤلمة رقابيا !
محمد منصور: القدس العربي 13/12/2006
دار جدل واسع مؤخرا حول مسلسل (غزلان في وادي الذئاب) الذي كتبه فؤاد حميرة، وأخرجته رشا شربتجي وعرض علي شاشة التلفزيون السوري في رمضان الماضي وعلي شاشة (الشام) قبل إغلاقها، في حين تعيد قناة (إم.بي.سي) عرضه حاليا.. ذلك أن المسلسل المذكور، يتناول بقوة وجرأة قضايا الفساد الحكومي في سورية، من خلال قصة ابن مسؤول كبير يعيث فسادا في البلاد والعباد. والمسلسل لا يركز علي عقد الصفقات المشبوهة فقط، ولا علي التجاوزات وإساءة استخدام السلطة وحسب، بل يركز علي تفاصيل العلاقات الإنسانية التي تحيط بابن المسؤول هذا، والتي ينجح في أن يحولها بخوائه الإنساني والفكري، وبوقاحته اللامتناهية إلي مستنقع آسن تفوح منه مشاعر الكراهية والنفور والإحساس العميق بانهيار كل القيم الأخلاقية.
والحق أن العمل يبدو صادماً للمشاهد، فهو مكتوب بتركيز ومحاولة استنباط عميقة لقيم الفساد التي انتشرت في سورية في العقود الثلاثة الأخيرة، ويحسب للكاتب هنا سعيه لربط كل هذه التفاصيل بحالة البلد عموما... حيث تتكرر عبارة (شو مالكن عايشين بالبلد) علي لسان إحدي الشخصيات لتبرير انقياده الأعمي لأوامر وطلبات ابن المسؤول الفاسد.
كذلك يحسب للكاتب، ربط فساد الشخصية المحورية ببيئته العائلية المفككة، والتي تضم أما متطفلة علي الأدب تستفيد من تعميمات زوجها للمؤسسات الرسمية بشراء عدد كبير من نسخ رواياتها بما يسمي عملية (الاقتناء)، وشقيقة متخلفة عقليا يتزوجها دكتور في الجامعة لا يلبث أن يصبح رمزا من رموز فساد العائلة وعنوانا من عناوين صفقاتها المشبوهة.
أما علاقة ابن المسؤول بكبار التجار، فهي علاقة تظهر كيف أن الوسط التجاري أرغم علي الفساد بسبب تسلط أجهزة الدولة علي الاقتصاد وتقييد العمل التجاري الحر من جهة، ورغبة أولاد المسؤولين في مقاسمة التجار أرباحهم وأرزاقهم علي اعتبار أنهم يستطيعون بنفوذهم عرقلة أي عمل تجاري مهما كان سليما وقانونيا... بل حصرا حين يكون سليما وقانونيا... ناهيك عن استعداد التاجر التاريخي لحماية تجارته حين يراها مهددة بأي شكل كان.
طبعا هذه التفاصيل وغيرها، والكثير من الإشارات والتفاصيل الأخري التي تنخر جسد الوطن، والتي عبرت عنها إحدي شخصيات العمل بالقول: (كنا مفتكرين زمن البيك والباشا راح) تدين طبقة بكاملها صنعتها آلية نظام بسط نفوذه وسيطرته علي المجتمع والاقتصاد والصحافة والثقافة وليس علي آلية العمل السياسي وحسب... ومن واقع معرفتي بآلية العقل الرقابي السائد في التلفزيون السوري الذي يراقب نصوص المسلسلات التي تنتجها الشركات الخاصة، وليس ما ينتجه هو فقط، فليس سرا أن أقول، إن هذه الرقابة أبعد ما تكون عن قبول مثل هذه الطروحات، وعن تشريع الأبواب أمام الكتاب ليتناولوا بصراحة ووضوح كل هذا الفساد، الذي قد يظن بعضهم أنه ينطوي علي بعض المبالغة الدرامية... في حين يعرف كثير من السوريين أنه أشبه بالجزء الظاهر من جبل الجليد العائم.
ما يدعو للتساؤل من جهة أخري أن الشركة المنتجة للعمل (الشرق للإنتاج الفني) لصاحبها المهندس نبيل طعمة، هي نفس الشركة التي أنتجت العام الماضي مسلسلا للشاعر نزار قباني دون موافقة ورثته، والتي استطاعت تجاوز كل القوانين، وعرض العمل بدعم سلطوي لم تنفع معه كل النداءات التي وجهتها أسرته لأعلي القيادات السياسية للمساعدة في حفظ حقوق الورثة واحترام تراثه وإيقاف تنفيذ العمل ثم عرضه... مما يعني أن إنتاج شركة كهذه أبعد ما تكون في توجهاتها عن إزعاج السلطة أو محاولة التمرد علي قيم الرقابة العليا والدنيا معا.
ومن المعروف أنه حين كان يتم تنفيذ (غزلان في وادي الذئاب) كان يسوق في الأوساط الفنية علي أنه المسلسل الذي يصور فساد مفلح الزعبي، ابن رئيس الوزراء المنتحر محمود الزعبي... وقد نفهم هنا أن العمل أراد أن يعري ظاهرة تلصق بشخص تخلت عنه الدولة منذ زمن وأعلنت فساده بقرار رسمي... ناهيك عن أن العمل قد يمس بطريقة غير مباشرة أولاد النائب السابق عبد الحليم خدام، الذين كانت لهم الكثير من المشاريع التجارية، وهؤلاء صاروا من المغضوب عليهم أيضا... فما المانع أن يتم اختزال ظاهرة فساد أولاد المسؤولين في نموذجين، صار مسموحا حتي لرجل الشارع العادي البسيط أن يشتمهم ويحملهم كل المصائب... وهو أمر قد يغري شخصا مثل نبيل طعمة، وشركته.؟
طبعا بعيدا عن هذه الاعتبارات، لا بد أن أسجل تحية تقدير لكاتب العمل، لأنه قدم نصا متماسكا فنيا، ويتحلي بجرأة جوهرية رغم محاولاته أحيانا، عزل الظاهرة عن كامل المحيط الحكومي... ولا بد أن أنوه بجهد المخرجة رشا شربتجي، التي تقدم أداء إخراجيا متقنا ومتوازنا، وهي تخطو خطوة ناجحة مرة أخري بعد مسلسلها السابق (أشواك ناعمة) فضلا عن الحضور الخاص لقصي خولي، الذي جسد دور ابن المسؤول بصفاقة استفزازية ربما كرست البعد الدرامي الحقيقي لهذا النموذج الذي أفرزته مرحلة بأكملها، ومن الخطأ الجسيم قراءته علي أنه نتاج حالة فساد شخصي.
أخيرا فقد قرأت مثلما قرأ غيري عن إلغاء التلفزيون السوري للندوة التي كان من المقرر أن تناقش المسلسل عقب عرضه في رمضان، وعن حذف أجزاء منه في العرض المحلي، وعن التوجيه إلي جميع البرامج بعدم الحديث عنه... وشخصيا لا أستغرب كل هذه الإجراءات، فلطــالما حدثت في التلــــــفزيون ضد أشخاص وأعمال وحتي مطربين وأغنيات... أما إذا سألنا عن تبرير كل ذلك، بعدما أخذ النص موافقة علي التصوير، ثم علي العرض، وعرض بالفــــعل... فإن الجواب يعكس آلية العقل الإعلامي الســــــــــــوري دائما، فحتي (لو) أنجز هذا العمل بناء علي توجيه أو ضـوء أخضر ما، فلا مانع من أن يقف أحدهم ضده رقابيا، وأن يؤخذ برأيه وتحفظاته مشكورا، فالرقيب المتشدد خير وأنفع من رقيب متساهل، لا يدرك أن أصغر قرار انفتاح يمكن أن يطوي بلمح البصر ودون أي توضيح أو اعتذار لأحد.
الإعلام التلقيني... والإعلام المنحاز!
من خلال متابعة القنوات التلفزيونية اللبنانية، في الأحداث الأخيرة التي شهدت خطاب السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله ، ثم رد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عليه، يمكن للمتابع والناقد أن يكتشف الفرق بين قناة مثل (المنار) وقناة مثل (المستقبل).
فقناة (المنار) تنتمي للإعلام التلقيني الموجه... أي القناة التي لا تلتزم الأجندة السياسية للجهة التي تتبع لها بحذافيرها وحسب، بل تحول هذا الالتزام إلي عملية تلقين سياسي سافر، ينطوي علي حكم قيمة يصادر رأي المتلقي سلفا، من قبيل (رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية) وهي الصفة التي تكتب تحت اسم فؤاد السنيورة لدي التعريف به، وهي تبث رسائلها باتجاه واحد: الفئة المؤمنة بخطابها وخطاب الحزب الذي يمولها.
أما قناة (المستقبل) فهي تنتمي للإعلام المنحاز، الذي رغم مهنيته، لا تستطيع أن تؤمن بموضوعيته وحياديته التامتين، لكنك تستطيع مثلا أن تطمئن إلي أن أحكام القيمة ملغاة في توصيف الأشخاص، وهو إعلام يستطيع المتابع أن يلمس عدم موضوعيته... لكن ميزته أنه لا يبث رسائله باتجاه واحد، بل يحاول أن يقنع المشاهد الحيادي (اللامنتمي لتياره أو لتيار أعدائه) بأنه إعلام يستحق أن يشاهد، وأن يكون مصدرا من مصادر الخبر.
ال.بي.سي : التفريط بالهوية!
أستغرب تسمية (الفضائية اللبنانية) التي تطلقها قناة (إل.بي.سي) علي نفسها، فالقناة تحاول اليوم اللحاق بركب القنوات التي تهتم بإرضاء المشاهد السعودي، وتقديم البرامج والمسلــــسلات الخاصـــــــة به، وهي تكاد تفقد هويتها شيئا فشيئا، من خلال الكثير من البرامــــج التي تهتم بأدق تفاصيل المزاج السعودي العام والخاص... ومنها برنامــــج يومي تقدمه مذيعة سعــــودية محجبة مع زميل لها.. ناهيك عن استخدام توقيت السعودية في الإعلان عن البرامج، إلي جانب توقيت بيروت.. وهي لا تفعل ذلك بالتأكيد حبا بقبلة المـسلمين، مكة المكرمة كما تفعل الجزيرة مثلا.
أوكسجين...كاسك يا فساد
مزن مرشد: الثورة 13/12/2006
فساد! القيمة الأكثر رواجا, وحضوره, الأكثر سطوة, فلنرفع له الكؤوس, ولنشرب نخب صحته, فهو يستحق ذلك; لأنه الوحيد, الباقي, والحاضر بيننا دائما, لأنه الوحيد الذي استطاع الاستمرار رغم كل المتغيرات, الوحيد الذي استطاع فرض نفسه بجدارة على حاضرنا, حاضرنا الذي حاصرناه بالمراهنات, والأحلام, والأوهام, فأمسى الفساد سمة العصر, وهويته الراسخة, ليولد كابن غير شرعي لزواج حرام, جمع بين الطمع والحاجة, وبين الطموح والتسلق, فجاء كائنا ممسوخا تكاثر مع طحلب الأماكن الرطبة, وقبلناه, امتد إلى كل الحارات, وقبلناه, حفر بصماته عميقا على الجدران, وقبلناه, هذا الكائن الذي تغذى من كل المياه الآسنة في النفوس, ومن كل الأتربة المشبعة بالنفايات في الضمائر, ومن كل الصفقات التي تمت تحت الطاولات, حتى أينع كبيرا, قويا, كمارد من حجر, منتصرا, على ما تعلمناه من قيم, ماسحا الأرض بكل المبادئ, مثبتا, عكس نظرية البقاء للأفضل.‏
إذن, فلنرفع الكؤوس, لهذا العنيد الذي صمد, وتجذر, وتفشى, في حياتنا, ليأخذ كل ألاماكن التي كانت مخصصة للنقاء, ليأخذ كل الأماكن التي كانت مخصصة لذلك الصدق الذي فر هاربا, مهاجرا من صدورنا, ليأخذ كل الأماكن التي كانت مخصصة لتلك القيم التي قفزت من النوافذ منتحرة, أخذ كل الأماكن وقبلناه, ليمسي الشرف غباء, والنزاهة بلاهة, والرشوة فطنة, والخيانة ذكاء, وهو نفسه, أي الفساد, مكسبا مغمسا بعرق الجياع.‏
ومن مفارقات القدر أننا نحن من أصبنا بنوبات الخجل أمامه, اعتدنا وقاحته, واكتساحه المساحات, دون خوف أو وجل, تأخرنا بالاعتراف بحجم الكارثة, تأخرنا بمحاولة هدم أوكاره المحفورة عميقا, أخشى من تأخرنا, أخشى أن يصبح يوما ابنا شرعيا لزواج يعترف به الجميع, أخشى أن ترفع له الكؤوس يوما, ليشرب نخبه منتصرا, ففي زمن المكاسب, يشرب نخب القذارة.‏
عن كلنا شكاء














تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

31-كانون الأول-2021

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

22-أيار-2021

الـمُـغـفّـلــة – أنطون بافلوفتش تشيخوف‎

15-أيار-2021

قراءة نقدية في أشعار محمد الماغوط / صلاح فضل

15-أيار-2021

ماذا يحدثُ لجرّاحٍ حين يفتحُ جسد إنسانٍ وينظرُ لباطنه؟ مارتن ر. دين

01-أيار-2021

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow