Alef Logo
يوميات
              

حساسية الارتزاق

بشير عاني

خاص ألف

2010-10-24

هل يجوز لنا أن نصنف الأدب إلى أنواع حسب معايير معينة ؟
إذا جاز لي ذلك فاني أراه أولا في الأدب الحقيقي الذي يحمل مشروعه الثقافي ويفني الوقت والجهد والأعصاب من اجل تحقيقه .. ويجعل صاحبه متعبّدا في صومعة الإبداع قابضا على جمرته , جمرة الكشف والحقيقة .
ثمة نوع آخر من الأدب تتأتى مصداقيته من إخلاص أصحابه فقط ، لكنه يظل مفوتا ، عاجزا بسبب القصور المعرفي لحامليه الذين اكتفوا بالإقناع وظيفة لأدبهم، وبفشات الخلق وسيلة لتبريره وتبرير وجودهم أيضا، هذا الأدب لا يمكن اتهامه سوى بأنه غبر قادر على الحفر عميقا في وجدان مجتمعه ولن يمثّل، في أحسن الحالات، سوى ( عَجّةَ ) صغيرة سريعة الزوال ، قليلة التأثير.. إنه باختصار أدب غير طموح .
في مقابل هذا وذاك تبرز دائما أشكال من الكتابة التلفيقية دوافعها غير أدبية، تحركها ردود الفعل أحيانا، وربما الواجبات، لكن مصادرها حراكيتها غالبا ما يكون التكسب والارتزاق، وقد تتداخل أكثر من حالة في تصنيع هذا النوع وتعليبه وتغليفه لطرحه في الأسواق ، وهذا الأدب بالذات هو ما يعنيني هنا، وقد سميته ، إذا جاز لي، بالأدب التجاري .
هذا الأدب تساهم ظروف كثيرة في إنتاجه ، منها تعطيل المناخات الثقافية الحرة، وهذا ما يعدّ التربة الأخصب لنمو هذا النوع من الأدب على اعتبار أن الصوت الأخر المناقض غير مسموح له بالرد عليه وفضحه وتفنيده كما ينبغي .
بالمقابل لا استطيع أن أتغافل عن الأدوار الخطيرة التي تلعبها الشلل الأدبية في تكريس بعض الحالات الأدبية الموهومة وتعميمها لأسباب أيدلوجية أو طائفية أو مناطقية وغيرها، كذلك لا أنسى الدور الأخطر للسلطات، عبر التاريخ ، التي نجحت، وما زالت ، بتوظيف الكثير من الأدباء في مؤسساتها وتحويلهم إلى أشكال من الكتابة (تحت الطلب) ، منافحين عن انجازاتها ومـدَّاحين دائمين لآلهة الأرض الدائمين.
في الماضي كان من السهل على النقاد ومتابعي الأدب والأفكار أن يرصدوا التحولات الطارئة أو الشاذة في مواقف وقناعات ومسلكيات الأدباء ورجال الفكر وبهذا لم يجد أحد الممدوحين على سبيل المثال ( أبو الفضل ابن العميد ) صعوبة في ضبط المتنبي وهو يراوغ في (مَـنـْـتـجَة) قصيدة كانت مهداة لكافور مستبدلا بابي المسك أبا الفضل :
أبا الفضل هل في الكأس فضل أناله فإني أغني منذ حين وتشرب
هذا ما ينقله تراثنا الأدبي وهو زاخر بمثل هذه الأخبار.
وعليه، فإذا كانت الشذوذات الأدبية والفكرية ميسورة الرصد قديما فإنها اليوم ليست إطلاقا على هذه الحال ، فالكتابة هي نمط وهوية هذا العصر ، ففوق كل بقعة من بقاع الأرض وبين ثنايا كل لغة انتشرت الكتب والصحف والمجلات بغزارة غير مشهودة كما انتشرت جيوش من الكتّاب والمنشئين وبذلك صار من الصعب رصد الشذوذات في الأفكار والمواقف كما صعبت ملاحقة السرقات الأدبية والفكرية بمختلف أشكالها وتدرجاتها ،وإذا ماضبطت هنا أو هناك حالة مريبة فان ذلك يحدث غالبا بالمصادفة ، وربما في وقت متأخر .
رغم هذا مازلنا نطالع فضائح من هذا النوع وحالات متنوعة من السطو والارتزاق أبطالها كثيرون وربما لكتاب معروفين أحيانا..
ورغم هذا مازال الحس الشعبي ، بتدرج مستوياته المعرفية والجمالية، قادرا على ضبط حمولات التكسب والارتزاق عند هذا الأديب أو ذاك وفي هذه الكتابة أو تلك ..
مالذي تغيّر.. ؟
ما أشبه الأمس بالبارحة ..!
ثمة أدباء مازالوا يدبجون المدائح لـ (كافور) ثم يشتمونه في السر وفي مجالسهم الخاصة؟
وثمة أدباء مازالوا يهرهرون تحت أقدام هذا الـ كافور أو ذاك منتظرين الأعطيات والجوائز؟
وثمة كتاب يصافحون بيد ويخمشون باليد الأخرى !!
ما أشبه الأمس بالبارحة ..!
ثمة كتاب ينافحون عن الحداثة في بلد أو في مجلة أو صحيفة ثم يهاجمونها في بلد آخر وفي مجلة أو صحيفة أخرى؟
وثمة كتاب يدافعون عن موقف فكري أو سياسي في مكان ثم يهاجمون الموقف نفسه في مكان آخر.؟
وثمة من يحرص على هدوء لغته ولينها عندما يفكر في النشر بهذه الصحيفة فيما تنقلب أحوال لغته وأفكارها عندما يفكر في النشر بصحيفة أخرى؟
ما أشبه الأمس بالبارحة ..!
أعرف شعراء أهدوا قصائدهم لشهداء ومدن وشخصيات ونشروها على هذا الأساس، وربما ثبّـتـوها في دواوينهم المطبوعة، ثم عادوا إليها ليعيدوا إهداءها لمدن وشخصيات أخرى ولشهداء آخرين، طبعاً بعد إجراء بعض (المونتاج) عليها...؟
ما أشبه الأمس بالبارحة ..!
ما لذي تغيّر.. وما الدافع؟
يقيني انه الارتزاق الذي قرأنا عنه الكثير في الأخبار والذي نراه اليوم بين ظهرانينا سليلاَ شرعيا لعائلة الأدب التجاري ..
الأدب التجاري..؟
يا للعائلة السليلة !!
يقيني إنها العائلة التي ترعى بحنان، ومنذ دهور، حساسية الارتزاق.
[email protected]


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

ما هي حظوظ الأصوليات الدينية في سورية..؟

12-آذار-2016

"خضر" والذين معه

21-تموز-2012

دم راشد بما يكفي

05-تموز-2012

آخرُ الأمر..

05-حزيران-2012

وجوه عديدة لـ (صحّاف) واحد

24-آب-2011

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow