Alef Logo
دراسات
              

عقل محمد "الثيولوجي" مفارقات البنية والشكل: العقل الوثني البدوي مثالاً

حمود حمود

2011-04-04

«لا تنبثق الطقوس الإنسانية جراء تلقائية محضة. كما أن معناها وقيمتها لا يرتبطان بمنظومة ظاهرية بسيطة، ولكن من خلال خاصيتها بإعادة تجسيد الفعل البدئي، بإعادة تكرار المثال المقدس» مرسيا إلياد(1) ربما نقر بقليل من الرضا بهذا القول لـ هاريزن Paul W. Harrison [1924] حينما يقول: "المحمدية لا تزيد عن كونها عقلية بدوية تأسست أو تموضعت في حقل الدين"(2)
مقدمة: لماذا "عقل محمد"؟

يروي البخاري حادثة طريفة، ولكن لها عمقها الدلالي، أن صحابياً من أتباع محمد، وكأنه مرة قد رأى محمداً متلبّساً في ثنايا مشهد وثني، أطلق عليه العرب مصطلح: "الحُمْس" (ربما نأتي على هذا لاحقاً)، وإذ بهذا الصحابي يستنكر على محمد أو بالأحرى يندهش منه: «عن محمد بن جبير بن مطعم بن أبيه قال: أضللت بعيراً لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي (ص) واقفاً بعرفة، فقلت: «"هذا والله من الحمس، فما شأنه ها هنا؟!"»(3). إلى هنا ينتهي هذا الحديث ويسدل البخاري الستار(4)، ولا يسمح لنا بتقصي مشهد محمد الكامل أثناء انخراطه بالحمس، فمثلاً لا يذكر لنا هل كان محمد عارياً من الثياب أم لا؛ فأهل الحمس أثناء تأديتهم الطقوس الوثنية يكونون عراة، نساء ورجالاً كما سيأتي، مع العلم أن اتهام الصحابي لمحمد واضح جداً: هذا والله من الحمس. لكن الشيء المؤكد والمستمر في طقوس المسلمين إلى الآن، أن محمداً أدخل تعديلاً بسيطاً على طقس الحمس الوثني: بدلاً من أن يكون الإنسان عارياً بالكامل، أصبح عليه أن يكون نصف عريان، تقريباً. يعبّر مشهد محمد في ذلك الطقس بما نطلق عليه نحن بمصطلح بسيط هو: "تجربة دينية"، تجسدت بفعل طقسي. ولا شك أن القارئ الموضوعي سيقول: أن ذلك الفعل الديني الذي قام به محمد يعبّر عن وعيه، وإلا لولا هذا الوعي لما أقدم على هذا الفعل. حسناً، هذا ما يبدو للوهلة الأولى. لكني سأبادر للقول أن محمداً لو كان واعياً لما يقوم به، لم يقدم على الانخراط بذلك الطقس أو بالدوران حول أحجار الكعبة أو بالطواف بين صنمين (إساف ونائلة = الصفا والمروة)…الخ. لماذا؟ على الأقل لكي لا يُتّهم بالوثنية التي تبدو لنا (على نحو ظاهري) أنه حاربها، أو لا يتهم بالحُمس الوثني، كما قرأنا اتهام الصحابي له بالحمس، وهو نفسه محمد قد نهى عنه. نحن نواجه إشكالاً آخراً: لا يستطيع محمد التوجه إلى الآلهة التي تقبع في السماء إلا بالدوران حول أحجار، أي الدوران حول أحجار الكعبة أو التوجه إليها أثناء الصلاة أو الدعاء. هذه طقوس يقول لنا التراث أن محمداً كان يقوم بها كل يوم (التوجه خمساً إلى أحجار الكعبة)، وهي طقوس كانت منتشرة بين العرب قبله؛ وهو قد ولد ليس على تخومها، وإنما في عمقها.
وهكذا لم تكن تُمارس هذه الطقوس الوثنية من خلال وعي ما. إذن إنّ ماهية عقل محمد في هذا السياق ليست وعيه، وإنما: "اللاوعي الجمعي" الذي اختزنه من نسقه الجماعي البدوي. وبالتالي، إذا أردنا البحث بطقوس ذلك النسق الجماعي علينا أولاً الحفر باللاوعي الجمعي الذي يسيّره سواء في السلوك أو أداء الطقوس…الخ. وبكلمة إن جوهر عقل محمد وماهيته ليسا وعيه الذي جسده مثلاً بفعل الطقس (الدوران حول أحجار الكعبة مثلاً)، وإنما لاوعيه الذي ورثه من الجماعة. هذا المقال سيبحث بجانب واحد من ماهية ذلك العقل اللاواعي، وتحديداً: طبيعة ارتباط الشخص البدوي (محمد في مقالنا) بالحجر؛ أي الماهية الوثنية للعقل المحمدي البدوي. مع مرور التاريخ، وكثافة المخيال، لن يعود العقل مجرد حاضن للأساطير فقط، بل سيغدو منتجاً لها أو يعيد إنتاجها بما يتوافق مع طابعه العقلي والنفساني؛ هذان العاملان متأثران حكماً بالوضعية البيئية والجغرافية وما يلحقها من عوامل أخرى، اقتصادية، سياسية، اجتماعية…. وهكذا، إنه بالرغم من عدم نظافة أية أسطورة في العالم من اندماج عوامل أجنبية فيها، إلا أنه يمكن الحديث أيضاً عن طابع خصوصي لها. بكلمات أخرى: كل جماعة تعيد إنتاج المقدس طبقاً لنواظم آليات مخيالها. وبالتالي، إن طبيعة تجليات Hierophanies المقدس التي يفرزها "حجر ما" (الحجر الأسود الملاصق للكعبة مثلاً) للإنسان أمامه وهو راكع أو مُقبِّل له، تختلف من ابنٍ (ـة) يسكن في الصحراء، عمن يسكن في المدينة. فالوثنية العربية –ابنة الصحراء- بهذا المنظور لها طبائع تغاير أية وثنية مَؤْلها المدينة (وثنية أثينا قديماً مثلاً)، على الأقل على صعيد الشكل؛ وهذا رغم التقاطع البنيوي في أساسيات أسطورية لا تقوم أية وثنية إلا عليها. وكما قلنا يرجع هذا إلى طبيعة العقل والسيكولوجية والعوامل البيئية…الخ من منطقة إلى أخرى.
من هنا حينما يقبل الإنسان في مشهد وثني على تقبيل الحجر الأسود وتمريغه بوجهه، يختلف بهذه الوثنية عن إقبال أي إنسان آخر على حجر ما (وليكن في الهند مثلاً). عند هذه النقطة يمكن أن نقول أن كل عقل يفرز مقدساته الغرائبية. ودرس هذه المقدسات لا يبدأ منها مباشرة بل من خلال النسق الذي خرجت منه. وهكذا لا يمكن الحديث عن طبائع وثنية أثينا بنفس القدر الذي نتحدث به عن وثنية مكة.
على مدار تلك القرون والسنين زُرع في أذهاننا أن ديانة محمد هي من أرقى الديانات التي وصلت إلى أصفى صيغ التوحيد. معظم المستشرقين والنقاد العرب لم يخرجوا عن تأكيد هذا، بل أصروا عليه؛ حتى أصبحت بمثابة الدوغما التي خرّشت أذهاننا. فمثلاً، لكي يؤكد إرنست رينان على توحيدية دين محمد وأنها انعكاس لبيئته، فإنه يدّعي في إشارة ملفتة أن التوحيد هو: "الديانة الطبيعية للصحراء"(5). هذه دوغما مضللة، والدراسات اللاحقة أثبتت عقم هذه النظرية، وهاملتون جيب H.A.R. Gibb نفسه استدرك على هذا القول: "Neither in its origins nor in its early development had the desert any creative part in it" (مصدر سابق). لكن جيب أيضاً لا يحلل هذه النقطة، فهو مقر مثله مثل غيره بصفاء التوحيد المحمدي الذي تأثر بالعناصر المسيحية واليهودية..الخ. ولاحقاً سأثبت عكس رؤية رينان بأن الوثنية في عمقها الإركيولوجي الفكري هي: "الديانة الطبيعية للصحراء". وهذا لا يمنع قيامها في المدن كما ذكرنا. ومن جهة أخرى، أن العناصر الدينية الأخرى التي دمجت في لاهوت محمد، لم تدمج بصيغ عقيدية منتظمة، (بحيث تشكل لنا أساساً نظرياً يمكن أن نبني عليه تحليلاً ما)، بل بشكل غامض مشرذم (نظراً لغنى الواقع التاريخي)، إن لم نقل بشكل فوضوي. وأشير إلى أن هذا الكلام سيأتي بالخضوع إلى السياق البدوي العربي الذي خرج من جبته محمد والإسلام. بعيداً الآن عن مناقشة الخلفية الوثنية لمشهد محمد ذلك –كما في الرواية التي بدأنا بها- أثناء قيامه بطقوس الحج والدوران أو الطواف الوثني المقدس حول أحجار الكعبة والتهاليل المقدمة لربِّها (رب البيت الوثني كما في القرآن) وذبح الأضاحي باسمها…الخ، فقد روت كتب التراث إضافة لذلك روايات متعددة تكشف أنه كان لمحمد تجربة وثنية مقدسة واضحة قبل أن يقول أنه نزل عليه وحي. أما مسألة مصداقية هذه الروايات، فإن هذا المقال سيبحث بنقطة محددة: هو طبيعة العقل المحمدي، ونرى هل يمكن أن تصح تلك الروايات أم لا؟ وهل تتوافق مع طبيعة ذلك العقل أم لا؟ كيف يفكر البدوي؟ وبالتالي كيف يفكر محمد (الآن من ناحية لاهوتية)؟ هل يستطيع البدوي أن يرتقي بفكره ليؤسس ثيولوجيا توحيدية؟. النقطة الأهم التي يجب أن نلاحظها وهي المسيطرة على المقال هذا: أن أي انعكاس لفكر لاهوتي لا بد أن يجد له أساساً في عمق نسقه السوسيولوجي. وأي افتراض غير هذا هو بمثابة القفز الإيديولوجي. كل دين له مقدساته؛ له بُنى أسطورية يستند عليها. وليس ثمة بنية مقدسة خارج النسق السوسيولوجي الحاضن لها، ولو كانت جذور هذه البنية موغلة في القدم أو مبنية على ركام أساطير نسق سوسيولوجي آخر. سابقاً حينما أقدم المستشرقون على دراسة لاهوت محمد لم يكلفوا أنفسهم بدراسة الاستحقاقات اللاهوتية للنسق البدوي الذي خرج منه محمد (بغض النظر عن الإشارات المتناثرة بين هنا وهناك عن الطبائع السوسيولوجية لبدو جزيرة العرب)، وانصاعوا مباشرة بالخضوع إلى البراديغمات الإسلامية التي شرعنها كهنة التراث لاحقاً وعلى رأسهم الماوردي والأشعري (الثيولوجيا) والشافعي (سنة، فقه). إن مجرد إعادة تكرار قول أو مأثور مقدس ما، وتجسيده في طقس شعائري ما، يطرح علينا بشكل مباشر تساؤلاً حول طبيعة العقل الذي يهضم ذلك، والنواظم الذهنية التي يتحرك بمقتضاها أناس تلك الأساطير. ومن جهة أخرى، إن مجرد التكرار ذلك، يكسب الطقس الشعائري والمأثور المقدس صفة الثبات والدوغما بالمعنى الحرفي للكلمة (في كل مرة يمارس فيها المسلم طقساً ما، يجدد أوردة دمائه بنحو ما ويعمل ليس فقط على تثبيت الدوغما، وإنما إعادة توليدها وإحيائها). ليس من مجال الآن للتأكيد أن طقوس الدوران حول أحجار الكعبة والسعي بين الصفا والمروة (بين صنمي إساف ونائلة)، والوقوف الوثني تحت حرّ الشمس في الجبل المقدس عرفة (تضرعاً للآلهة)…الخ، أنها كانت تمثل شبكة من المقدسات الوثنية التي كانت تحكم عقل البدوي العربي في الصحراء.
النقطة هذه توجهنا مباشرة إلى التساؤل حول طبيعة العقل الذي أدمج كل تلك الطقوس في كينونته من الداخل، بحيث أصبحت ركناً أساسياً (الركن الخامس في الإسلام) من منظومة الثيولوجيا له. من هنا تساؤلنا حول طبيعة العقل المحمدي الذي هضم وأعاد خلق تلك الأساطير الوثنية. هذا العقل الذي لا يجد أي تناقض بين قول "لا إله إلا الله" وبين أية ممارسة وثنية أخرى. لقد مات محمد وهو لا يستطيع أن يؤدي طقوس الصلاة أو أن يتوجه إلى الآلهة إلا بالتوجه أولاً إلى واسطة حجرية هي أحجار الكعبة، وأن يقبل أحجارها وحجرها الأسود.. هذا هو العقل الذي سنبحث به، من داخل بنيته. ذلك هو مبرر اختيارنا لعنوان: "العقل المحمدي" منظوراً إليه من خلال نسقه السوسيولوجي أي البدوي الذي أفرزه.
وبالتالي إن بحثنا في طبيعة العقل المحمدي اللاهوتي، هو بحث بالأساس في عمق العقل البدوي. طبعاً إن لهذا العقل مرتكزات كثيرة، ولكن نظراً لضيق المساحة، فإننا آثرنا التحدث عن ركيزة واحدة من ركائز ذلك العقل في عمقه، أي الماهيّة الوثنية. وبكلمة: إننا ملزمون بـ درس طبيعة الآلهة في فكر محمد البدوي، داخل السياق الشامل له أي الظاهرة البدوية التي نشأ وترعرع في كنفها. نعم، ربما لن نستطيع رسم صورة دقيقة جداً عن طبيعة عقل محمد في مراحل تكونه الثقافي، نتيجة الإتلاف الإسلامي المقصود للتراث الذي أورثونا إياه من جهة (وهذا ما ينعم به الإسلاميون إلى الآن، وهو في الواقع مصدر قوتهم)، ونتيجة غموض محمد الفكري ذاته وتعقّده، حتى بعد أن علن نزول وحي عليه من جهة ثانية. إلا أنه وبالرغم من ذلك، فأبواب النقد التاريخي ما زالت مشرعة أمام الباحثين في ذلك. إن قراءة نقدية للحاضنة السوسيولوجية البدوية التي كوّنت محمد ثقافياً، مستعينين بذلك بجزء من بعض الشذرات المنتشرة داخل بطون كتب التراث بين هنا وهناك، يمكن أن تضيء لنا بعض الجوانب في ذلك. وهكذا، إنّ بحث واستقصاء عمق الخلفية الوثنية لمحمد، والضبابية الشديدة في الثيولوجيا له (المختلطة بشكل أساسي بالسريان المسيحيين والحنيفيين واليهود…الخ)، ومكانة الآلهة فيها، وإشكالية حجمها من خلالها، سيكونون مدار هذه المقالة؛ علّنا نستطيع تكوين صورة عن لاهوت محمد الباكر. وللتنبيه، لن تأخذ هذه العجالة على عاتقها الآن درس العناصر الثيولوجية الأخرى التي اختلطت في تكوين محمد الفكري واللاهوتي (ستكون هذه مواضيع أبحاث لاحقة). إن مدار هذه العجالة هو استقصاء العمق الوثني لمحمد، وذلك في إعادة موضعته في بيئته التي أنتجته بناء على المعايير السوسيولوجية لمحيطه.
ملحق صغير ببعض الروايات التراثية:

أمامنا روايات كثيرة تشير أنه كان لمحمد تجربة وثنية مقدسة مع الأصنام قبل الإسلام، وأنه كان يقوم بإهدائها النذور وما إليه. منها مثلاً ما رواه البخاري أنه قدّم مرة طبقاً من اللحم -كان قد ذُبح باسم الأوثان- إلى زيد بن عمر بن نفيل (كان حنيفياً لا يعبد الأصنام كما يقول التراث الإسلامي)، فرفض تقدمة محمد، مخاطباً إياه بأنه لا يأكل مما يذبحه محمد وقومه باسم الأنصاب. حيث يروى البخاري أن محمداً التقى بـ «زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله الوحي، فقدّم إليه رسول الله (ص) سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه(6)». وفي رواية "المطالب العلية" (4/95-96): أن محمداً قال لزيد حينما قدّم له طبق اللحم وهو يصفه: «شاة ذبحناها لنصب من الأنصاب». أما من هو الذي ذبح هذه الذبيحة على النصب وقدّمها لمحمد، فإننا نقرأ على لسان محمد: «إن أول ما أوقع الله في نفسي هذا الأمر أن عمي أبا طالب ذبح للأنصاب فبعثني بلحم على حمار إليها، فمررت بزيد بن عمر بن نفيل. فقلت يا عمّ: ألا نأكل من هذه اللحم؟ قال يا ابن أخي: إني لا آكل من ذبائحكم هذه(7)». ومن هنا يمكن أن يصح ما نلمسه واضحاً في رواية الكلبي (ت 204 هـ) التي يؤكد فيها على لسان محمد حينما كان على دين شعبه من عبادة الأصنام قد أهدى لها النذور. نقرأ للكلبي: «وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها يوماً (آلهة العزى) فقال: لقد أهديت للعزى شاة عفراء وأنا على دين قومي »(8). من وجهة نظره الظاهرية، لربما أدرك محمد بعد ذلك أخطائه الوثنية تلك (وهي ليست أخطاء في الواقع كما سنرى) بعد حين من الزمن، وخاصة في تناقضها مع توحيد الأحناف، كما مرّ معنا في قصته مع ابن نفيل. وهذا ما يتجلى واضحاً في القرآن. حيث يناديه صوته الداخلي للإقلاع عن عبادة الأصنام: «والرجز فاهجر» [المدثر: 5] وآية: «ووجدك ضالاً فهدى» [الضحى: 7]. إن مسألة ضلال محمد قبل الوحي تعني في هذا السياق، عبادته للرجز طبقاً للسياق التراثي، وهكذا فلا بد من هجرها للأبد. حتى أن المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين لم يتحرجوا على ما يبدو في إدراك هذا. فقليل منهم من ذهب إلى أن الرجز لا تعني الأصنام بشكل مباشر: "عن ابن عباس قال في قوله (والرجز فاهجر) يقول: السخط وهو الأصنام (9)". وعن جابر وعكرمة ومجاهد، قالوا: والرجز فاهجر قال: الأوثان(10). لا بل إن "قتادة" يتمادى في التفسير، فيحدد ما هي هذه الأصنام: "وقال قتادة: الرجز: إساف ونائلة، صنمان كانا عند البيت(11)". طبعاً سندرك أنّ هذا شيء طبيعي جداً، وخاصة أن محمداً ابن بيئة وثنية في الأصل، قبل أن تبدأ لقاءاته مع أصدقاءه الأحناف أو المسيحيين أو غيرهم؛ ثم لتبدأ مرحلة الشكوك في فكره. يقترب الأستاذ "علي الدشتي" من هذا التفسير، لكنه لا يصرح إن كان محمد فعلاً عابداً للأصنام، إلا أنه لا يستبعد أن محمداً في فترة قلقه الروحي قد تضرّع للأوثان: «فليس من المستبعد بأي حال من الأحوال أن يكون في لحظات حزنه وقلقه الروحي قد تقدم للأوثان بتضرعات تواقة راجية دون أن يقطف أية ثمار. ومما يدعم مثل هذه الفرضية تلك الآيات التي ترد في اثنتين من السور التي انهمرت من فمه بعد ثلاث عشرة سنة "والرجز فاهجر" (حيث فسر النبي الرجز بالأوثان) [المدثر: 5] و "ووجدك ضالاً فهدى" [الضحى: 7](12)».
محمد في نسقه اللاهوتي البدوي:

محمد أولاً وأخيراً هو ابن بيئة بدوية الأصل (من أبناء تلك الصحراء الوعرة(13)). فإذا قيل سابقاً أنّ شخصية البدوي هي هبة من الصحراء (يوسف شلحد)، فكذلك يصح القول أنّ محمداً هو هبة بدوية، لأناس بدو، في سياق بدوي، ولكن بعيون وشروط النسق الأنثربيولوجي أواخر القرن السادس وبدايات السابع الميلادي. ما لذي يعنيه هذا الكلام؟ ما نعنيه بالضبط أن منهج درس أي ظاهرة ثيولوجية له (سواء اعتمد المنهج على آليات الأنثربيولوجيا أو السوسيولوجيا الدينية) لا بد أن يأخذ بعين النقد أُطر هذا النسق البدوي ومشروطياته ونتائجه في التاريخ: استحقاقات الظاهرة البدوية التي كان لها انعكاسها (اجتماعياً، اقتصادياً، سياسياً…) بشكل طبيعي أو حتمي على شكل ومضمون الفكر الإيسكاتولوجي له أي محمد. أمام رعب الصحراء ووعورتها، وغياب صيغة للمكان في أحشائها الممتدة، ليس بوسع البدوي إلا أن يخاف من كل شيء: يتشخصن كل شيء أمامه، ولا يرتقي بفكره إلى أي مجرد علوي مشخّص في "واحد". الآلهة في كل مكان هي التي تشد بوكر الكهوف وحبائل الجبال إلى الأرض….. يبدو للبدوي أن كل شيء يسيطر على هذه الصحراء الشاسعة. ستبدو الجن وكأنها مقرونة بكل حبة رمل. الأرواح منتشرة في كل مكان، أياً كانت التسمية أو الصفة لها. فآلية التفكير البدوي لا تسمح له بالتحديد النظري والارتقاء لصوغ منظومة ثيولوجية له قواعد واضحة. وقديماً روي أنه لا يمكن للبدوي أن يسافر لمكان ما بدون أن يجلب معه آلهة -ولو صغيرة- لتحميه من ظلال الصحراء وأرواحها(14).
إذن، ما لذي يمكن أن يقدمه الوثن في مثل هذه الظروف؟ لاحقاً سنجيب على هذا السؤال. البدوي العربي يفتقر في مخياله لتكوين صورة مجردة. فهو لا يستطيع أن يتقدم بفكره أكثر مما توهبه له عيناه. لا يمكن للصورة أن تتأطر من خلال التجريد، بل بواسطة كل شيء أمامه، أي كل شيء محسوس يلامسه. وكل شيء تقطنه روح (من هنا ندرك تأثر الإسلام الشديد بالأرواحية هذه Animism. لكن هذا ليس مجال حديثنا الآن). الصورة إذن هي صورة المحسوس الفعلي. أفق التفكير يقف في حدود هذا المحسوس. وقد التقط الأب لا منس هذه النقطة. يحدث: «إن البدوي كثير الاهتمام بالأمور الوضعية، كثير التدقيق في مشابهة الطبيعة، وعليه فهو لا يتوصل إلى قمة الشعر العالي لضيق مخيلته وقصر مجاله، فيعجز عن تصوير المشاهد العظيمة والمسارح الفسيحة التي نراها في ملاحم الشعوب القديمة. ومن نتائج ضيق المخيلة أنه لم يحسن استعمال ما يسميه بالجن في اختراع نظام يرتب عليه الأشخاص اللابشرية من آلهة وغيرها على نحو ما تسميه الشعوب بالميثولوجيا(15)».
هذا جانب من جوانب مفاعيل تأثير الصحراء والجغرافية. يؤدي هذا الكلام إلى نقطة جوهرية: لقد ولد محمد في ظلال وحدود تلك الصحراء الوعرة والقاسية، إلا أنه ومن حسن حظه لم يولد في قبيلة رمتها كلاب الصحراء بعيداً، بل في ظل لوحة فسيفسائية متعددة الألوان الإثنية والأديان والطوائف يتمركز في وسطها معبد وثني كبير: اسمه الكعبة(16)، إلا أن خلفيتها الأساسية وحجر تلك اللوحة الأساس الذي صنعت منها تلك اللوحة هو: الحجر الوثني. بكلمات أخرى: لوحة فسيفسائية حجرها الأساس الخلفية الوثنية، ومنقوشة عليها رسوم مبعثرة بألوان متعددة من الطوائف والأديان الأخرى. هذه هي اللوحة لقبيلة قريش التي خرج محمد منها. لوحة كانت تقف بين حدود عتبتين: عتبة الصحراء واستحقاقاتها (الأخلاقية، السوسيولوجية…)، وعتبة المال والتجارة (لكن في إطار الدهاء البدوي، وليس طبقاً لأخلاق التجار المدينيين كما هو الأمر في المدن التجارية للأبيض المتوسط).
في ظل هذه اللوحة الفسيفسائية الفوضوية، أين يمكن أن نجد آلهة محمد؟ وكيف يمكن أن نقرأها؟ كارل ماركس علمنا في السابق منطق الجدل بين البنية التحتية والفوقية، وأن هذه الأخيرة ما هي إلا انعكاس للوضع الطبقي للمجتمع وأنماط الإنتاج الاقتصادي له…الخ. لذا إن بحثاً يريد استقصاء اللاهوت المحمدي، لن يكتب له النجاح بشكل كامل إلا بالعكوف على درس الوضع الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي… لمكة والذي تمت ترجمة هذه الأوضاع داخل البنى والنواظم الفكرية لأهل مكة. وبكلمة: إن آلهة محمد ما هي إلا انعكاس لذلك القاع الأنثربيولوجي. ما أقصده بالقاع الأنثربيولوجي، هو البيئة البدوية الوثنية الحاضنة لكل تلك المعتقدات. لنلاحظ أنه من أشد ما يتميز به العقل البدوي هو تمسكه إلى آخر نفس بحياته بتقاليده الراسخة، كما هي رمال الصحراء والجبال الممسكة بأراضي الصحراء أمام نظره. إن قوة إمساك البدوي بتقاليده كما هي قوة إمساك تلك الجبال بالصحراء. وهكذا يمكن أن نقرأ محمداً؛ لكن، بقدر ما تأثر بشكل مرن بكل تلك الفوضى من المعتقدات التي نجد لها صدى في قرآنه، إلا أنه لم يستطع الانفلات من ذلك القاع الأنثربيولوجي الوثني. أما ما يقال عن انتقال الإسلام من البداوة إلى الحاضرة أو المدينة (لا نقصد نزوح محمد إلى "مدينة" يثرب [أضع كلمة مدينة بين مزدوجتين للدلالة على يثرب لأن لها إشكالات])، وما طال الدوغما الإسلامية لاحقاً من تطورات عن طريق الغزو العربي لبلاد غيرهم وشرعنة إيديولوجيات الفقهاء والثيولوجيين والمحدثين…الخ من عوامل، فهذا كله لا يعنينا هنا. ناهيك أن العربي كان إذا استقر في أرض حاضرة فإن قطب البداوة في أعماق كيانه هو المتأصل على أي مكسب حضري لاحق (أقصد أن المكسب الحضري في أعماق سيكولوجيا البدوي يبرز دائماً بنحو عرضي).
وعندنا برهان من حياة محمد نفسه. فبعد أن نزح إلى يثرب بأشهر عديدة كان يتوجه لأداء طقوسه إلى أورشليم القدس. لكن هذا يبدو أنه كان تكتيكاً سياسياً لشدّ أنظار اليهود لطرفه. إلا أن اليهود لم ينصاعوا له قيد طرف، ولم تقنعهم هذه المحاولة التكتيكية من محمد، فوقفوا منه موقفاً أقل ما يقال أنه موقف يشوبه الحذر من مخططات محمد في يثرب. وهكذا بعد سنتين تقريباً، رجع محمد القهقرى إلى الأصل البدوي الوثني، فأمر أتباعه بالتوجه إلى أحجار الكعبة. هذه إحدى آليات عمل عقل البدوي. إن الصحراء التي أخرجت محمداً إلى الوجود هي التي بقيت -بكل نواظمها وأفقها- المسيطرة على كيان تلك الشخصية المعقدة (إلى الآن المسلمون يفخرون بأن محمداً بداية أيامه وأشهره الأولى قد رمته أمه إلى عمق الصحراء لكي يخشوشن أكثر عند قبيلة حليمة السعدية) وهكذا فإننا لسنا معنيين هنا بنقد ما يقال عن الانقلاب الجذري الذي أحدثه الإسلام التاريخي (وليس محمد، مؤسسه). أكثر ما تتجلى بدوية فكر محمد، هو أنه بقدر ما يعي حدود مقدراته في العمل، إلا أنه لا يستطيع أن يترجمها داخل إطار نسقي منتظم يمكن أن يسير عليه. هذا الكلام ينطبق على العقل البدوي بشكل عام، الذي لا ينتظم –كما هو الأمر في أهل الحاضرة المدينية- بقانون واضحة معالمه، بقدر ما يخضع لما تفرضه الصحراء عليه. إنها أمه وأباه معاً. عنوان الصحراء هو الفوضى وعدم الانضباط بحدود. فالبدوي حر بقدر ما تكون الصحراء شاسعة أمامه. إنه يقبض على كل شيء أمامه، باستثناء ما يخالف قوانين الصحراء.
عقل وثني:

بالرغم من أن إله محمد / الله، إله ذو طبيعة ساميّة (ممزوجة بعقائد وثنية)، ورثه من الثقافات الدينية الساميّة السائدة، فهو إضافة إلى ذلك، إله بعيد جداً عنه، يسكن في السماء رقم "7"، (الإله الذي تعب، ومن ثم صعد إلى السماء ليرتاح). فلا يمكن الوصول إليه بأي حال، سوى التوسل إلى تجلياته الكونية التي تغلف المقدسات حوله في الدنيا، والانخراط من ثم بالتوجه إليها في طقوس جماعية، لعلّها توصل محمداً وشعبه من خلالها إلى ذلك البعيد، أي الله. في بيئة محمد، وفي ثقافته أيضاً، لم يكن ليتم ذلك إلا عن طريق: "الأحجار"(17). إضافة إلى أن هذا الكلام يشكّل بنية من بنى العقل المحمدي في مجمله، فلا يستبعد بأي حال أن محمداً -نتيجة ناظمه العقلي ذلك - قد عبد الأوثان بشكل مباشر في بداياته أثناء مراهقته كما حدثنا التراث، قبل أن يلتقي بالحنفاء أو المسيحيين أو الكهنة…
ومهما يكن من أمر، إن عبادته لها ليس لأنها أحجار بذاتها، وإنما لكونها الطريق الذي يوصله إلى المطلق العلوي. الصخر في هذه الصحراء ليس مقدساً فقط، بل متشبعاً في ذلك الكون ويرمز له. ومن المعلوم أن محمداً لم يستطع -حتى بعد ترقي مفهوم الآلهة في ذهنه في يثرب- التخلصَ من المقدسات التي تفرزها الوثنية، فبقيت عقائد كثيرة من الإحيائية العربية القديمة راسخة في مخياله الديني فحافظ عليها حتى أخر حياته: من حج ودوران حول حجارة مكة في الكعبة وتعظيمه للحجر الأسود…الخ. رغم أنني لا أستبعد أبداً أن هذا له مقاصد سياسية وخاصة حينما نتناول شخص مثل محمد في مسألة التقرب من عقائد العرب وكسبهم إلى طرفه. لنتذكر في هذا السياق ارتداده عن قبلة التوحيد في القدس، ومن ثم العودة القهقرى إلى وثنية الكعبة. لكن ذلك لم يكن ليتم إلا في إطار نسق بدوي عام. يمكن أن نوضح هذه النقطة. كما نعلم أن العشائر داخل القبيلة الكبيرة قريش كان لكل منها آلهتها الخاصة، والعشيرة كانت ترتبط برابطة الدم، تقف آلهة كل منها كرمز للعشيرة، ربما تكون هذه الآلهة رمزاً للجد الأكبر لهم (من هنا ما نسمع عن عبادة الجد). إذن هناك صلة وصل ما بين دم العشيرة وبين الآلهة.
(وقديماً كما نعلم ونقرأ عن العلاقة القوية بين الدم والآلهة) هذه النقطة مهمة، لأنها ستوضح لنا تالياً ما يلي: لم يكن بوسع محمد بعد أن بدأت معالم انشقاقه عن النسق العام في مكة إلا أن يؤسس لتكتّل بدوي، لا يشابه أي تكتل آخر فقط، بل يشبع لهم حاجاتهم ويسد أماكن الكبت والنقص الذي كانوا يعنون منه على أيادي تجار قريش….الخ؛ ذلك أنه لا يمكن لأي جماعة تريد أن تنشق عن النسق الاجتماعي العام ويكتب لها النجاح، إلا بتحقيق أو إشباع مطالبهم، وعلى الأقل إشباع مخيال هذه الجماعة بـ "رمز ما"، تكون العصبة مرتبطة به، كما هو الأمر عند الجماعات الأخرى المنتظمة. لقد كانت من أولى مهام محمد في مكة حينما بدأت معالم انشقاقه عن النسق العام الاتكاء على أسطورة جد Ancestor أكبر، يكون رمزاً لهم، يتنادون باسمه، تتحدر أصولهم منه. من هو هذا الجد؟ إنه إبراهيم. نقطة على السطر. ربما يجادل أحدنا أن اسم إبراهيم وأسطورته كانت منتشرة بين عرب محمد قبله وبعده. أريد أن أؤكد أن الموضوع هذا ليس بهذه البساطة رغم صحته الحقيقية. أكتفي الآن بالتوضيح أن تتبع ذكر إبراهيم في القرآن يكشف لنا أنّ حجمه -خاصة اللاهوتي- يختلف اختلافاً جوهرياً بين مكة ويثرب من جهة، وأنه تمت إعادة أسطرته من قبل محمد وجماعته بما يلاءم إيديولوجيا الجماعة المنشقة الوليدة أي: جماعة محمد. هذا لا يعني أن محمداً قد عبده هو لشخصه (وبالأصل عبادة العرب لأجدادهم ليس لها صيغ واضحة)؛ إن عبادة إبراهيم من قبل محمد لم تكن للتتم إلا بالدوران حول أحجار البيت الذي بناه هو وابنه –إسماعيل أو اسحق-. إن أحجار كعبة مكة هي بمثابة الأثر لذلك الجد. وأسس هذا القالب الأسطورة كانت منتشرة بين وثنيي محمد. هذه الصيغ اللاهوتية الوثنية هي أحد العوامل الداخلية التي منحت شكل تماسك جماعة محمد الداخلي في مكة أمام العشائر الأخرى (أما بالنسبة للعوامل الخارجية فإنها لم تتطور إلا في يثرب مثل القتال والغزو تحت اسم ورمز واحد، وبالتالي أصبحت هناك إضافة إلى أنها جماعة دينية مهاجرة، أصبحت جماعة سياسية. لكن هذه النقطة ليست موضوع نقاشنا). لا يعني أبداً هذا الكلام أن محمداً كان وثنياً خالصاً، إلا أنه لا يمكن أن نغفل إضافة إلى أنه كان في مرحلة تشكك مهمة في فكره (الذي سوف تتمخض عنه بعد سنين فسيفساء إحيائية عقائدية)، هو نتاج تلك المرحلة التاريخية التي كانت الوثنية جزءاً أصيلاً منها، فانعكست تالياً على قالبه الثيولوجي في عمقه.
رباط مقدس بالحجر:

إن للأحجار قوة شديدة وتجلّ إلهي كبير داخل سيكولوجيا المسلم، وخاصة العربي، وإن كابر وأنكر ذلك. أقول هذا الكلام ونحن نعلم أن الإسلاميين الذين أتوا بعد محمد، قد شوّهوا بشكل مقصود وثنية ما قبل الإسلام، في حين لم ولن يتخلصوا من الجماليات الدينية التي تفرزها في نفوسهم. فهل يستطيعون محاكاة المطلق / الله من غير التوجه خمساً –على أقل تقدير- في اليوم إلى حجارة الكعبة، أو حتى الذهاب إليها مرة في العمر للطواف حولها وتقديم النذور والذبائح أمامها والتهليل باسم رب البيت الوثني- بيت قريش…؟ هل نعجب من مسلم يسكن في أقاصي الدنيا، لا ينتظر قدومه إلى مكة حتى ينهال على الحجر الأسود، يقبله ليس بشفتيه فقط وإنما بكل جسمه، ودموعه تملأ وجهه؟ أي قوة يمتلكها الحجر إذن! نعم، إن الأحجار كما يقول "مرسيا إلياد": «تكشف للبشر القوة والصلابة والديمومة. تجلي الحجر هو تجلِّ وجودي؛ وفوق كل ذلك يبقى الحجر هو نفسه بنحو دائم، ولا يتغير أبداً… »(18). لنقترب من هذه النقطة بشكل أكبر: في عقلية البدوي (وقريباً منه الشفاهي الما قبل كتابي) كما نعلم: الأفكار هي الأشياء، ولا فاصل بينهما؛ والولع بالفكرة هو الولع بشيئها المادي الذي يرتبط بها. وهكذا، لن يحدث إيمان بأي فكرة ما لم يرتبط هذا الإيمان عضوياً بمادة تبرهن عليها. فلا يستطع الوثني العربي إدراكَ الماورائي إلا بشيء يجسّده أو يرمز إليه، كواسطة تقف بينه وبين القوة العليا. إضافة إلى ذلك، نجد عند البدوي كما هو الأمر عند البدائي: "حينما يعير انتباهه حجرة أو صنوبرة أو ماء، لم يكن يرى أبداً الصفات الموضوعية لهذه الأشياء، وإنما يرى تأثيرها النافع أو الضار.. عندما يلامسها…
وهكذا فإن الأشياء يصبح لها –لا بذاتها ولكن بوصفها قوى- إمكانات خفية تستطيع أن تؤثر على الإنسان… لذلك لا تكتسب الأشياء تحديداتها الخاصة وتتحول إلى «فتشات» (fetishism)، أي تصبح الأشياء حوامل لقوى سرية(19)". إن العيش داخل تجربة المقدس، تفترض الارتباط بأشياء مقدسة، أي أشياء مادية، تُغلّف بـ ميثات قدسوية يعيشها صاحبها. الذي أريد أن أقوله بالضبط: أن عقلية العربي –ومن ضمنها عقلية محمد- تدخل ضمن إطار هذا النسيج: إذ كيف سيتم اتصال محمد بالمقدس البعيد (= الله) من غير حجر أسود أو أحجار لكي توصله إليه؟ إنها الطريق إلى الرب. وكثيراً ما قرأنا عن محمد قبل تجربة الوحي أنه عندما يعود من المغارة المقدسة حراء كان يستلم أحجار الكعبة بالدوران حولها، وذلك حينما كان على دين قومه. الله ليس موجوداً من غير وثن يرتبط به. ولم يكن العربي ليستطع الكلام معه أو الاتصال به / الصلاة إليه، من غير واسطة وثنية ترشده إليه: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى» [الزمر: 3]. هذه الآية التي عبر فيها محمد خير تعبير عن الفكر الإحيائي الوثني، لم يستطع هو نفسه التخلص مما ترمز إليه عن الفكر الإحيائي العربي في ارتباطه بالحجر: وهكذا نجد أن الرب لا نستطيع تكليمه في مكة من غير الدوران حول حجارة الكعبة (= مركز الأرض ضمن اللاهوت الإسلامي) والتلبية والتهويل باسم رب بيت قريش، ولن يستطيع أي إنسان الصلاة إلى الرب بدون التوجه إلى تلك الحجارة…..الخ.
ثمة إشارة صغيرة في هذا السياق يمكن أن نوردها إضافة إلى ذلك وهي التي ابتدأنا بها المقال، وهي ظاهرة "الحُمْس" عند عرب ما قبل الإسلام، والتي كانت تعني التشدد في ممارسة الطقس التعبدي. فكانت قريش توصف أنها من الحمس كما يقول اليعقوبي، الذي يعرفها(20) بعدم ادخار السمن وعدم مسّ النساء والعطور والتعري أثناء الطقس….الخ. فلفرط ارتباط محمد بالطقوس الوثنية لعرب ما قبل الإسلام، لم يستطع حتى التخلص من هذه الظاهرة، رغم أنه أعلن في نهاية حياته أن لا يطوف أحد بالبيت عريان. إلا أنه مع التعديل الذي أدخله محمد على هذا الطقس، أصبح الدوران حول حجارة الكعبة والوقوف على الجبل المقدس عرفة، بدلاً من أن يكون عرياناً بالكامل أصبح مع تعديل محمد: نصف عريان؛ وكما رأينا أن الصحابي الذي اندهش من محمد خلال مشهد الحمس لم يتردد بقوله: «هذا والله من الحمس، ما شأنه ها هنا؟!». وما يثبت "حمس محمد" أكثر هو تقليده في تشدد قريش في حمسها، وذلك بوقوفها على عرفات وفي المزدلفة في الحرّ تحت الشمس. تقول عائشة: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات(21)»….الخ. مهما يكن إن مسألة الحمس مسألة واسعة، لا بد من تقصيها، ولا يتسع لها المجال هنا.
خاتمة:

أحببت أن أشير من خلال ما تقدم، أن العقل الوثني كان جزءاً أصيلاً وبنية من بنى محمد الثيولوجية، وخاصة في تجربته مع المقدس: الحجر. وبالفعل كلما اقتربنا أكثر من هذه البنية الفكرية لمحمد في تجربته مع الأحجار، كلما أدركنا قوتها في إفرازها التجليات المقدسة في السيكولوجية التي كانت له، رغم ما يوصف دينه بأنه توحيد خالص من بين جميع الديانات. هذا برأيي اختلاق أورثه الإسلاميون لنا، وتابعهم المستشرقون. والسبب الرئيسي هو تركيزهم على عناصر من فوق وعدم مناقشة الأساس السوسيولوجي البدوي لمحمد. فهل يكفي كما يُروى لنا أن محمداً قد قضى على الوثنية العربية وكسّر الأصنام بعصاه السحرية حينما سقطت مكة بيده؟ فإذا كان فعلاً قد قضى "ظاهرياً" على بعض الأحجار (رغم أن هذا مشكوك به مع وجود أحجار ما قبل الإسلام في مكة إلى الآن- الكعبة/ الحجر المقدس الأسود أكبر مثال في هذا السياق)، فإن اللاوعي الوثني العميق داخل نفس العربي لم يستطع القضاء عليه، حتى في نفسه كما هو واضح في العقيدة الإسلامية. لا يمكن بأي حال انتزاع الصخر واستحقاقاته المقدسة على نفسانيات أهلها من تلك الصحراء. من هنا الإلحاح إذا ما أريد فهم ثيولوجيا محمد أن نأخذ بعين النقد استحقاق النسق البدوي السوسيولوجي الذي خرج منه: استحقاق الظاهرة البدوية الوثنية على الفكر المحمدي الباكر. وهذه النقطة للأسف ما زالت مغفلة إلى الآن. نقول هذا الكلام ونحن نعي العناصر العقائدية الأخرى التي ستدمج بتلك الخلفية الوثنية (حنيفية، مسيحية يهودية…الخ)، ولكن بنحو غامض وفوضوي.

الهوامش:


1- Mircea Eliade, Cosmos And History, The Myth Of The Eternal Return, Translated From The French By Willard R, Trask, Harper & Brothers. Publishers. New York 1954, P4 2- Eric R. Wolf, Pathways of Power Building an Anthropology of the Modern ‎World" in his article: " The Social Organization of Mecca and the Origins of Islam", p.101." Originally published in the Southwestern Journal of Anthropology 7 (1951): 329 – 56 3- صحيح البخاري: رقم: 1664. وانظر "إمتاع الأسماع"، ج2 ص355. 4- هذا باستثناء بعض الأحاديث التي تزيد على الحديث هذه الجملة: "وكانت قريش تعدّ من الحمس"، إلا أنه يبقى مشهد محمد غامضاً. 5- H.A.R. Gibb, Muhammadanism‎ An Historical Survey, Second Edition, New York Oxford University Press, 1962, P.1. 6- صحيح البخاري: رقم 3826. 7- المقريزي: "إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع". تحقيق محمد عبد الحميد النميسي. دار الكتب العلمية-بيروت. ط1 1999، ج2 ص 352-353. 8- الكلبي: "الأصنام" تحقيق أحمد زكي باشا، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1995، ص19. 9- الطبري: "جامع البيان في تفسير القرآن" دار المعرفة بيروت 1992 ج28 ص93. 10- الطبري: المرجع نفسه: ج28 ص93. 11- القرطبي: "الجامع لأحكام القرآن" تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان ط4، 2001 ج20 ص62. 12- علي الدشتي: 23 عاماً، دراسة في السيرة النبوية المحمدية (رابطة العقلانيين العرب) ط1 سنة 2004 الناشر: بترا للنشر والتوزيع، التوزيع: دار الفرات بيروت- لبنان، ص30-31. 13- هذا يفسر لنا بعضاً من المتناقضات التي كان يجمعها محمد في شخصه: عطوف على أطفاله، ولكنه قاسي الطباع والسلوك مع الآخرين (وخاصة إذا أحس منهم مكيدة أو لم ينصاعوا له) إلى درجة أنه تجرأ فذبح قبيلة بأكملها عن بكرة أبيها هي قبيلة بني قريظة اليهودية. هذه الطباع يجمعها بشكل عام الشخص البدوي، لأنه في النهاية ابن لتلك الصحراء. 14- ربما تكون عبادة الأوثان مرحلة متقدمة على الطوطمية (إنني أخضع بشكل خاص للسياق البدوي العربي) التي تكلم عنها النقاد وعن انتشارها عند العرب؛ إلا أن كلاهما يشترك في اعتقاد واحد هو سكون الروح في الطوطم والحجر. 15- فؤاد أفرام البستاني: "الشعر الجاهلي" نشأته- فنونه- صفاته، المطبعة الكاثوليكية، سنة 1927ص17-18. 16- نغض النظر الآن عن نقاش بعض الدراسات التي أكدت أن الكعبة لم تكن إلا كنيسة للمسيحيين كما حاول ذلك الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه: "النصرانية وآدابها بين هرب الجاهلية"، دار المشرق، ط2، 1989. ولنا عودة لاحقاً إلى هذه النقطة. 17- سنتكلم هنا تحديداً عن "الأحجار" في ثقافة محمد المجسدة بأوثان. وهذا بدوره لا يلغي الكلام عن تقديس محمد لـ النجوم والقمر والشمس والأرض…الخ، التي أقسم بها وبعظمتها مراراً في القرآن كما مر معنا في بحوث سابقة. 18- Mircea Eliade, "The Sacred And The Profane", The Nature Of Religion. Translated From The French By Willard R. Trask. A Harvest Book Harcourt, Brace & World, Inc. New York, p. 156. 19- غيوركي غاتشف: "الوعي والفن"، ترجمة د. نوفل نيوف. ضمن سلسلة عالم المعرفة عـ 146، فبراير سنة 1990، ص20. 20- تاريخ اليعقوبي: ج1 ص297. 21- إمتاع الأسماع: ج2 ص253.
عن موقع الأوان

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

هل الإسلاموية قدر العرب؟ بقلم عزيز العظمة ـ ترجمة :

21-كانون الأول-2019

هل الإسلاموية قدر العرب؟ عزيز العظمة ترجة:

02-أيلول-2017

هل الإسلاموية قدر العرب؟ عزيز العظمة ترجة:

08-نيسان-2017

هل الإسلاموية قدر العرب؟ بقلم عزيز العظمة ـ ترجمة :

27-آب-2016

عن علاقة محمد بالشعر والشعراء (2/1 )

15-كانون الثاني-2015

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow