Alef Logo
الآن هنا
              

جمعة العشائر : أفكار مطروحة للمناقشة

بشير عاني

خاص ألف

2011-06-12

جمعة العشائر.. هل هي عنوان لبدء الاحتراب الأهلي..؟

لاقت فكرة (جمعة العشائر) التي أطلقت كشعار لمحتجي سورية، استهجان واعتراض فئات شعبية مختلفة، فمنهم من رأى أن هذه التسمية مدانة لأنها لا تمثل تطلعات السوريين العلمانية، ومنهم من رأى فيها تراجعا في أهداف المشروع الوطني السوري عبر تبنيه صيغاً وشعارات ما قبل قومية، فيما نظر آخرون إلى هذه التسمية من زاوية الريبة، حيث لا يخلو استعمالها من فكرة (التجييش) ودفع الأمور من قبل المحتجين باتجاه التصعيد أكثر فأكثر لما هو معروف عن العشائر وطباعها وتسلحها.
ربما هناك أكثر من هذا قد قيل في هذه (الجمعة) الإشكالية، لكننا حاولنا تلخيص أبرز وجهات النظر، محاولين طرح فكرة للنقاش، مفادها مغاير إلى حد ما لما تم عرضه أعلاه من أفكار.
أولاً: يرى برهان غليون منذ أشهر، وفي حوار على إحدى القنوات التلفزيونية، وبما معناه، أن القبيلة (العشيرة) تشكل معادلاً موضوعياً في المجتمعات العربية أمام تنامي البربريات الوطنية، وهي، أي القبيلة، ما زالت تمتلك عناصر ايجابية وفاعلة في الحفاظ على الهوية الوطنية وحماية الناس من سُعار الاستبداد.
هذا ما يراه هذا المفكر (العلماني) ومن المؤكد أنه كان يراقب الحالة اليمنية، بخصوصيتها المعقدة، منتبهاً إلى ورطة النظام اليمني وعجزه عن فعل الكثير مع المتظاهرين ضده خشية رد فعل شيوخ القبائل الذين أخذوا على عاتقهم حماية المعتصمين من بطش النظام، وقد شاهدنا جميعا كيف كان رد فعل هؤلاء المشايخ بعد أن نفذ صبر علي عبدالله صالح وهاجم المعتصمين وحرق خيامهم في ميدان التحرير، وليته فعلها منذ أشهر، فقد عاجله آل الأحمر وهدموا القصر الرئاسي فوق رأسه ليخرج من اليمن مثخناً بجراحه.
ثانياً: أما الذين يرون في تسمية (العشائر) تراجعا عن أهداف المشروع الوطني السوري، فهم من الناحية الشكلية محقون، إلا أنهم نسوا أن المشروع الوطني السوري قد توقف مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، مع إطلالة الوحدة، وحل الأحزاب الذي قاد إلى تجفيف السياسة من المجتمع، ثم استمر هذا التوقف مع صدور المادة الثامنة من الدستور التي كرست حزب البعث قائدا للدولة والمجتمع، ولم ينقذ الحياة السياسية ذلك الديكور السياسي الذي سمي في مطلع السبعينيات بالجبهة الوطنية التقدمية.
مع مطلع الثمانينات، وبعد أن تعرض النظام السوري لهزة كبيرة في صراعه الدامي مع الأخوان المسلمين، بدأ يتضح تراجع المشروع الوطني، فاسحاً المجال أمام العشيرة والطائفة والمناطقية، وذلك بسبب تغليب النظام للخيارات الأمنية على خيار التنمية، وهو ما قاد إلى تراجعات مستمرة وخطيرة سيما بعد الغزو الأمريكي للعراق وطرح سيناريوهات غربيّة لاستبدال النظام السوري.
إذا فإن فكرة (العشيرة) لم تكن وليدة هذه (الجمعة) وليست وليدة معارضي (أنطاليا)، فهي قد بدأت بالتململ مع نهاية الخمسينيات لتستيقظ و (تُبعث) مع ما تم بعثه في حينه، آخذة في التمدد والاستطالة داخل المجتمع السوري، لتصبح شكلاً اجتماعيا لا يمكن لأحد، في ظروف ما قبل قومية المشابهة لظروفنا، أن يستهين به أو يتخطاه.
قبل توقف النمو الطبيعي للمجتمع السوري، وأعني التطور اللبرالي الديمقراطي، كانت في سورية أحزاب وقوى اجتماعية ومدنية ذات هوية لافتة وشخصية سياسية مؤثرة، فهي قادرة مثلا على منافسة شيوخ العشائر وقطع الطريق عليهم من الوصول إلى البرلمان، وكان هذا يحدث حتى في المناطق ذات النسيج الاجتماعي العشائري، كالمنطقة الشرقية وحماة ودرعا، والأمثلة معروفة، فخالد بكداش (الشيوعي)، وجلال السيد (البعثي) وغيرهم كانوا يفوزون بسهولة بمقعد بالبرلمان فيما لا ينجح بعض شيوخ العشائر.
اليوم، وما أنا متيقن منه، أن هذين المذكورين، وغيرهم، وبعد التدمير المنهجي لهذه الأحزاب عبر تدمير السياسة، ، لن يستطيعوا منافسة أقل شيوخ العشائر شعبية، (إن لم تكن هنالك تدخلات من خارج النص)، أوليس هذا تراجعاً في المشروع الوطني السوري..؟
من جهة أخرى إن العشيرة، طاقة هائلة تمثل في الجغرافيا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما يزيد عن 25% من سوريا، وهي قد لعبت أدواراً هامة في التاريخ الوطني الحديث، وما زالت قادرة على لعب ما يشبه هذه الأدوار في الحياة العربية عموما، ومن لا يرى أن الثورة السورية الكبرى قد كان عمادها الأساسي الأمير سلطان باشا الأطرش، بـ(حمولته الدرزية)، لن يستطيع أن يرى أيضاً شخصيات وطنية أخرى استمدت قوتها وبأسها من محيطها الخاص بها مثل ابراهيم هنانو (مع أكراد جبل الزاوية) وصالح العالي (مع علويي الساحل) ورمضان باشا شلاش (مع عشائر المنطقة الشرقية)، وغيرهم.
لنكن واقعيين إذاً، فما نراه الآن ليس سوى الوجه الحقيقي للخريطة الاجتماعية / السياسية السورية، وهي الخريطة التي نتحصل عليها اليوم بعد ما يزيد عن نصف قرن من النضال الحزبي والأكاديمي والتعبوي والعقائدي لمشاريع قومية واشتراكية وعلمانية.. وًليبرالية عرجاء في السنوات الأخيرة..
للأسف فإن صيغاً، مثل العشيرة والطائفة والعائلة والمنطقة، وهي صيغ ما قبل قومية، ما زالت مقبولة في مجتمعاتنا العربية، في عصر العولمة والشبع الوطني والقومي الذي تعيشه مجتمعات أخرى، صيغ يندفع الناس إليها جراء تعطل البدائل الوطنية كالقانون والدولة العادلة والمؤسسات المدنية الحديثة، ومن هنا بالذات تسلل (أذكياء) هذه الاحتجاجات لطرح فكرة (جمعة العشائر)، وهذا سينقلنا إلى الفكرة الثالثة:
ثالثاُ: قلنا قبل قليل إن البعض قد نظر إلى هذه التسمية من زاوية الريبة، حيث لا يخلو استعمالها من فكرة (التجييش) ودفع الأمور من قبل المحتجين باتجاه التصعيد أكثر فأكثر لما هو معروف عن العشائر وطباعها وتسلحها.
في الحقيقة هذه النقطة بالغة الأهمية، وهي تمثل (ذكاء) خاص من قبل قيادات المحتجين لدفع الأمور إلى المنطقة التي لا عودة منها مستغلين قوة العشائر وتماسكها، وتململ أكثرية المنخرطين تحت لوائها، وغياب البدائل (السياسية) القادرة على إعادة احتواء هذه الجموع الغاضبة.
هذا التجييش الذي يُعمل عليه عشائرياً، مع رشّ بعض التوابل الدينية والمذهبية عليه، سيقود البلاد، إن استمر بهذه الوتيرة، إلى احتراب أهلي، وعندها لن يستطيع عرافو السياسة أو عرابو الحل الأمني لململة ما سيتبقى من الوطن..

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

ما هي حظوظ الأصوليات الدينية في سورية..؟

12-آذار-2016

"خضر" والذين معه

21-تموز-2012

دم راشد بما يكفي

05-تموز-2012

آخرُ الأمر..

05-حزيران-2012

وجوه عديدة لـ (صحّاف) واحد

24-آب-2011

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow