Alef Logo
ابداعات
              

عودة المشكيني

يونس الحكيم

خاص ألف

2012-01-11

أحبكِ يامشكين، خاصرة التين أنتِ والخرنوب،
بهجة الجوز والمقالع،
ثياب السيدة المتشحة بلونِ الكرومِ، وورقِ الوردِ، عش الحمام،
البغال في الصباح الندي.
سلمتُ يدي، ونمتُ في كرْمِ جدي الذي عصر الروحَ في صلاةِ المغربِ، ومدَّ قدميه في قلعةِ الأمراءِ.
كان يعرف بأنَّ عشقََه للنصرانية في دير الزعفران كارثةٌ؛ لكنه فعلها، فباركتْه أمُه على أن يحافظَ على العمامةِ والخنجرِ البوتانيِّ، على مدارِ الروحِ وحدودِ البحيرةِ، على الشهقةِ في الأسئلةِ.
لكنه، تمادى في المساءِ، وعرج على ماردين، دخل خمّارةَ داوود عرموشة، ونام، بعد مئة عام، رأينا عكازته وعلبةَ تبغه الفضيّ، وعمامته المبطّنة بالصوف، رائحة العنب، وبقايا الجدار في هدوء المكان، يشبه الماء في سكرة الكروم.
تقول له أخته "خَجُو"، وهي تجرُّ البابَ: "قاتلتَ في أرضٍ لاتشبه كرومنا، ومع جيوشٍ لاتجيد المسير". وهي تتمتم أغنيةَ العائلةَ:
"كروم رِزْقو متروكة للريح،
كروم رزقو ضائعة مثل رستم".
أبي وحده، كان الناصري المتمرد، لم يرافقْ أخاه رستم، ولم يكترثْ بميراثِ أبيه من فستقٍ وتينٍ.
ترك الغليونَ المُشاعَ، وعشقَ حبيبته "زَكُّو". امتطى رهوانَ العائلة الوحيد، واتّجه صوب عامودا.
عامودا القومندان الفرنسي، وشوارع المرجان، عامودا لاتشبه مشكين، لكنها ليست غريبة عنه، هي مثل شارلفيل، دون حجر، وبليرة الذهب الرشادية، تاجر بالسلاح، لكنه، عَدَل، حين التقى بعدله، بـ شيرين دادا ورهبة القفطان، فاشترى خيولاً وأراضٍ زراعيةً، وتزوج ثلاثَ مراتٍ من نسوةٍ بلهجاتٍ مختلفةٍ، فكنّا نركض في كل اتجاه، لنلمَّ لغتنا، ونضمّ التل في مشكين.
نبحث عن جدٍ استهلك ثلاثةَ أطنانٍ من التبغ، عن رائحةِ بارودٍ تزنّر أشجارَنا العاريةَ، عن نبيذٍ، يعيد لنا نكهةَ الوداعِ، عن نومنا منذ الطوفان، إلى اللقاءِ الفريدِ.
أبتاه.. قلتَ لنا، حين دخلتُ غرفتكَ الواسعة.
بكاملِ الرهبةِ، تتكىء على معطفِ صديقك "عمسو مرشو"، و"عبدي تيللو"، كثير من التبغِ والحكاياتِ، تعيدان لي الذاكرة.
من الفرح أداعب ما يأتي لأياميَ القادمة. ثم نمتَ، كأنْ ننام. كانتْ مشكينُ وحدَها الكفيلة بالجواب. ومشكين بعيدة، ومزروعة بالقنابلِ والخرنوبِ.
مشكين وحدة الناسك. الحطب الذي احترق. جفاف الباستيق. القرى المتناثرة كالوجع. داري. الزنار. باب الصور. كفر حوّار. وأخيراً كِرْكَفْتار وتل سارا المهيبتان، كعاشقين من ورقٍ.
كل هذا اختزال للصبيِّ المشكيني. للكهلِ الذي انزوى، قابضاً على ذكرياته، كي لاتذوبَ.
لم تستطعْ مشكينُ أن تفارقََه. كان يداعبها، وهو جالسٌ تحت الدالية، يداعبها، حين يزرع النعناعَ، وهو معتز بعزلته.
في صباح نيسانٍ جميلٍ، ضمَّ علبةَ تبغه الفضيّ، طوى عمامتَه، وصورةَ خَجُو، وهي تطيّر الحمامَ.
قبّل قهوتَه الكثيفة؛ مشكين.. رددها قبل الموت، وهو يمسك بيديّ، وبدلاً من أن يشهدَ أن الله حق والموت.. غنى بصوتٍ لم يسمعْه، أحدٌ، سواي:
"كروم رزقو متروكة للريح".
ثم انطفأ بكلِّ سرورٍ.
يونس الحكيم

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow