Alef Logo
يوميات
              

عن الغربة واللجوء

حسين أبو سعود

2007-07-31

الشعراء والموت في الغربة
وهكذا يموتون في المنافي الواحد تلو الاخر
يموتون هكذا بلا ضجة انهم كما يقول المثل الصيني ولدوا فتعذبوا وماتوا ، فالا نسان اذن قصة قصيرة ،ويقال ان الشاعر ناظم حكمت جاء الى حلب وسرعان ما غادرها لظروف طرأت فقال : ما أن اتينا حتى رحلنا ، فليبارك الله حلب .
الموت حق، ولكن الموت غريبا وحيدا يختلف عن الموت بين الاهل والمعارف والاصدقاء ، وان كانت النتيجة واحدة، ومن الصعب على الانسان ولا سيما الشاعر ان يترك هذه الدنيا المليئة بالمباهج وهو الذي طالما تغنى بجمالها وسحرها ومحطاتها وباقي تفاصيلها ، فيترك المباني والمغاني وهذه الساعات المزدانة بالدقائق والثواني
مرة اخرى ان الموت حق ، وانه قدر شعراء العراق ان يموتوا بعيدا عن ارضهم وتغسل اجسادهم بغير مياه دجلة والفرات ، ولكن العزاء في ذلك بان شعراء العراق الكبار تخطوا الحدود الوهمية للبلدان ودخلوا الى العالم الارحب الاوسع وصاروا معروفين في جميع انحاء الوطن العربي والعالم ، فهم ان ماتوا فاجسادهم الى التراب ( منها خلقناكم واليها نعيدكم) واما
ارواحهم فتعرج الى السماء ولا جنسية في السماء ، وتبقى اثارهم في قلوب المحبين والعارفين في جميع ارجاء المعمورة .
وانا شخصيا ضد نبش القبور واعادة الجثامين ، فما كان يضر جسد كمال سبتي مثلا الذي مات وحيدا في شقته في احدى مدن هولندا وطلب ان تعنون رسائله بعده الى السماء ان يدفن في تلك الارض بين ازهار التوليب ويكتب على شاهد قبره : هذا الغريب هو شاعر عراقي عاقر الكلمة ورسم لوحات رائعة بالقلم والقلق المستمر ، فيقف اهل المدينة والسياح دقائق حزن على قبره ثم يودعونه بزهرة برية ملونة وهكذا تتكاثر الازهار عنده ثم تاتي الاطيار لتنوح عند الغرباء .
هكذا نحن شعراء وغير شعراء ندفع الثمن الباهظ للغربة ، وقد روى لي احد الاصدقاء انه رأى في احد مساجد لندن جنازة يُصلى عليها بحضور ثلاث رجال وأمراتان وطفل ، فسأل عن هذا الغريب المسجى المحفوف بذل الاستخفاف ، فقيل انه عراقي بلا أهل ولا عشيرة ، وقبل فترة اسقطت زوجة احد العراقيين جنينا لانثى مكتملة التكوين ، فاخبرته الممرضة بان ادارة المستشفى ستتولى دفن الجنين ، فوافق الصديق باعتبار ان الاجنة لا تحتاج الى غسل وكفن وصلاة جنازة ، لكن زوجته رأت جنينها في المنام تعاتبها قائلة بلهجة عراقية أصيلة ونبرة مخنوقة بالعبرة : ( يمه ليش تخلوني وحدي او شلون خليتوني وحدي ) فقام الزوج بعد ذلك بالذهاب الى المستشفى وانهى اجراءات استلام الجسد الصغير وتوجه به الى مقبرة للمسلمين لوحده لولا ان التحق به شخصان فيما بعد ليكونوا ثلاثة لا رابع لهم، وهكذا حتى الاجنة تعيش هاجس الغربة والمنفى وتخاف من لسعات الوحدة .
لتتلقف ايدي الملائكة نازك الملائكة وباقي الشعراء وكان من المفروض ان تحصل الشاعرة على التكريم اللائق لها في حياتها ولكن العادة عندنا جرت ان نكرم المبدعين بعد يأوون الى النسيان في بعض الحفر ، كما جاء في احدى قصائدها .
ليظل الجواهري في الشام ولتنام نازك في ثرى القاهرة بسلام حتى ينهض العراق من خرابه ثانية فتعاد شعائر الدفن مرة اخرى في القلوب ، فلنا اليوم شغل شاغل في دفن احبتنا الذين يسقطون
يوميا بفعل مجهول ،يا لله وهذا المجهول كم هو جبار وعنيد.

ذل اللجوء
اسمه سعيد وهو شقي ، تخصص في الفنون المسرحية، ووصل الى هذه البلاد ليعمل في غسل الصحون وتقشير البصل ، داخل محل شاورما بعيدا عن العيون، رأيته في حديقة الهايد بارك انتقى له زاوية مهجورة ، مستندا على جذع شجرة هرمة يرمق المجهول وهو ينفث دخان سيجارته في الفضاء ، سلمت عليه ، فابتسم ، جلست عنده بلا استئذان ، فقال لي: من العراق أنت ايها الغريب ؟
قلت : نعم وكيف عرفت ذلك ، قال : من شارة الذل المرتسمة على جبينك ، انها نفس الشارة التي احملها ، ومضى يقول وكأنه لم يتكلم منذ سنين :
انا لاجئ ومرفوض لاني لم اتقن صياغة القصة ، اذ لم يخبرني احد بان القصة تحتاج الى حبكة درامية واثارات مفتعلة ، مع اني متخصص بالفنون المسرحية ولكني رسبت في الامتحان العملي الفعلي ، فانا رغم كل الامطار وكل الانهار في المنفى اشعر بالظمأ ،تغلفني المرارات من كل جانب ، اقف حزينا مكسورا مقهورا منهزما امام دائرة الاقامة ، اجدها جافة لا احاسيس لها ، البناية صماء بكماء مغلقة لاتضحك ولا تبكي وابوابها المضللة تشعرني بالاختناق ، يغلقون الابواب بعد انتهاء الدوام ويغادر الموضفون الى منازلهم غير عابئين بحزني وانكساري ومرارات انتظاري ، وساعي البريد الذي يمر ببابي كل يوم لا ياتي الا بفواتير الماء والهاتف والكهرباء ، ويخطر على بالي احيانا ان اقوم من مكاني ، واحزم امتعتي لاعود ادراجي ولكن الى اين ؟
فذلك الوطن المملوء بالعذاب والاحقاد والالغام قد لفظني ولفظته ،وقد تحولت الحدود الوهمية الى حقيقة تمنعني من دخول البلدان النظيفة والمدن الوضيئة
.
لقد غادرت الوطن الى الابد بعد ان قبلت جدران بيتي وبابه الخشبي.
انا والالاف مثلي اصبحنا اجسادا بلا ارواح وبلا قلوب ، وصرنا نتناول في الفطور سندويتشا من الحزن وغداؤنا الظهر طبق من الاشواق وفي الليل نخلط بعشائنا مرارات الغربة ، هناك متسع من الحزن .
على احر من الجمر او ابرد من الجليد اصارع الوهم في النفق الطويل الذي لا يؤدي الى فضاء ، لم يبق لي احد ، لقد مضوا جميعا ، لقد قضوا جميعا ، مع من سيلتم شملي ؟ حتى امي التي (طشت ) طاسة من الماء خلفي بعد سفري على امل العودة ، ماتت ، وصارت عظاما .
كان يغالب دموعه ، لم يتمالك نفسه فبكى بحرقة بالغة ، بكيت معه اخذت بضع قطرات من دموعه ، خلطتها بعناية مع بضع قطرات من دموعي والقيت بها نحو السماء ، فما نزلت منها قطرة ، وقلت : يارب تقبل منا هذا القربان .


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

كركوك وأضغاث الأحلام

28-حزيران-2008

قصيدتان / بمعيتك، ليلي بستان ملون / لا دوي ّ لموت الطيور

20-حزيران-2008

بمعيتك، ليلي بستان ملون

02-حزيران-2008

أخاف ان اجدك سرابا

26-أيار-2008

من يتمسك بقشة .. يغرق

22-نيسان-2008

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow