Alef Logo
مقالات ألف
              

الحرية والاساءة / يوسف بزي

2012-09-30

نشرت مجلة "إبدو" الفرنسية، في شهر ايلول الجاري، رسوماً كاريكاتورية تسخر فيها من نبي الإسلام، بعد أسبوع تقريباً من بدء الاحتجاجات العنيفة، التي اندلعت في دول إسلامية عدة، رداً على بث موقع "يوتيوب" لمقطع من فيلم "براءة المسلمين"، الذي يتعرض لشخصية النبي محمد ويسيء إليها.
وكان إقدام "إبدو" على نشر الرسوم الكاريكاتورية، اقتداء بصحيفة "يولاندس بوستن" الدنماركية، التي قامت في مثل هذا اليوم (30 ايلول 2005) بنشر 12 كاريكاتوراً ساخراً، تسيء للنبي محمد. وتم تعليل هذا العمل "الإستفزازي" من قبل مجلة "إبدو" بأنه إصرار في أوساط الثقافة الغربية على مبدأ "حرية التعبير" كقيمة عليا، بوجه أي اعتبار آخر، حتى لو كان ذلك يمس مشاعر أكثر من مليار مسلم. فيما ذهب تعليل آخر للقول ان المجلة إنما فعلت ذلك سعياً وراء ترويج نفسها، وزيادة مبيع نسخها، هي التي تعاني ضمورا وضائقة.
وإذا كان الاستخفاف بأثر فيلم "براءة المسلمين" بحجة انه فيلم رديء على المستوى الفني، كما الاستخفاف بفعلة "إبدو" بحجة انها مجلة هامشية تسعى للفت الانتباه وحسب، إلا ان الحجتين لا تكفيان لمقاربة المعضلة الكبيرة ما بين "حرية التعبير" (بمعاييرها الغربية) و"مشاعر المؤمنين" (بمعاييرها الإسلامية). إذ كيف سيكون موقف المثقفين العرب مثلاً لو ان مخرجاً سينمائياً من طراز مارتن سكورسيزي صاحب "تجربة المسيح الأخيرة"، قام باخراج فيلم شبيه عن النبي محمد؟ فحجة الرداءة لن تتوفر في هكذا حالة.
هذا النوع من "الحرج" الثقافي شهدناه مع "آيات شيطانية" لسليمان رشدي. فهي في نهاية المطاف، وبغض النظر عن مس المقدس، كانت رواية جيدة ورفيعة المستوى الفني. ثم ان الاحتجاجات على فيلم "براءة المسلمين" لم تُزل الفيلم من الوجود، على العكس، فهي أشهرته وعممته، تماماً كما جعلت الفتوى الخمينية من سلمان رشدي أحد أشهر الروائيين المعاصرين، ودفعت دور النشر في العالم لتطبع "آيات شيطانية" مترجمة إلى عشرات اللغات. الرسوم الدنماركية بدورها سببت موجة عارمة من الاحتجاجات في العالم العربي والإسلامي،
أبرزها إضرام النيران في المبنى الذي يضم سفارتي الدنمارك والنروج بدمشق. وإحراق القنصلية الدنماركية في بيروت عام 2006. لكن رد الفعل أتى بأن قامت الصحيفة النروجية (ماغازينات) والصحيفة الألمانية (دي فيلت) والصحيفة الفرنسية (فرانس سوار) وصحف أخرى في أوروبا بإعادة نشر الصور الكاريكاتورية، وتم تعميمها بكثافة عبر الانترنت.
المعضلة بين "حرية التعبير" و"مشاعر المؤمنين" رغم انها بارزة بحدة بين العالم الإسلامي والغرب، الا انها اصلا معضلة قائمة داخل العالم العربي والاسلامي بالذات، فالاساءة للدين والمقدس قد يصعب أحياناً كثيرة تعيين حدودها أو تفسيرها قانونياً بنص واضح، من دون الانزلاق الى نزعة التحريم، التي ما ان تهيمن حتى تتحول الى "محاكم تفتيش" لا يسلم المؤمنون منها، فمن الموسيقى الى "مقابر الأولياء" إلى المسلسلات التلفزيونية، إلى فن النحت مثلاً، إلى كتابة الروايات على نسق ما كتبه نجيب محفوظ، الذي تلقى طعنة من "مؤمن" رأى في نصوص محفوظ كفراً. وفي خضم تصاعد النزعة المذهبية، فان كتباً دينية إسلامية يتم منعها في دول وهي مباحة في دول أخرى. وثمة مسلمون يستسهلون تكفير مسلمين آخرين لخلاف فقهي أو لاختلاف طقوسي.
مسلسل "عمر" (الذي عرض في شهر رمضان الماضي) على انه "حلال" كان عند مسلمين كثيرين "حراماً" ويمس مشاعرهم طالماً أنهم شديدو الالتزام بحرفية تحريم التشخيص خصوصاً النبي والصحابة والأئمة والخلفاء الراشدين.
ثم ان نزعة "التهذيب" أو التحريم، تخرج من الاطار الديني إلى الإطار السياسي والإجتماعي، فالتعبير الساخر الكاريكاتوري مثلاً في ظل الأنظمة العربية يجد نفسه أمام "مقدسات" السلطة الزمنية: الرئيس وزوجته، الوزراء، قواد الجيش والأمن... الخ. السلطة هنا ترتفع إلى مرتبة "دينية" من حيث التحريم والتعالي عن أي نقد. وهذا ما رسخ الثقافة الاستبدادية وعمّق الديكتاتورية على نحو جعل العالم العربي وبقاع واسعة من العالم الإسلامي "استثناء" مستعصياً على الديموقراطية والحريات.
لا شك ان الرسوم الدنماركية وفيلم "براءة المسلمين" وأخيراً الرسوم الفرنسية، كان حافزها الأول والمباشر ليس فنياً، بل هو أولاً وأخيراً إعلان ازدراء متعمد للمسلمين، وإشهار ثقافة كراهية خاصة للإسلام، تماماً كما هو هدف القس الأميركي تيري جونز من وراء إحراق القرآن، وهي تحتمي فعلياً بالدساتير والقوانين والأعراف التي تصون مبادئ حرية التعبير. انها توظف "حرية التعبير" من أجل توجيه الإساءة دون تخوف من عقاب قانوني. وهنا المعضلة التي تطرح نفسها. كيف السبيل لمنع الاساءة ليس للمقدس أو الأديان بقدر ما هو منع "سوء الاستخدام" لحرية التعبير. المعضلة ان "السخرية" لا تقتل، لكن "خطاب الكراهية" (اللاسامية نموذجا) يؤسس أو يحرض على القتل (الهولوكست). فكيف السبيل لمساواة السخرية من الاسلام مع "خطاب الكراهية"؟
ثمة استسهال على المستوى السياسي لهذه المعضلة، فرؤساء الدول الاسلامية وحكوماتها بدأت تطالب بتشريع دولي لمحاربة "ازدراء الأديان"، حتى الأمين العام للأمم المتحدة صرح بكلمات حذرة ما يشجع هكذا مسعى. لكن الأمر من الصعوبة ما يجعل المواءمة بين "قدسية" حرية التعبير (المعولمة) و"قدسية" حرمة الدين ومشاعر المتدينين اشبه بتمرير الجمل من خرم إبرة، والمهمة هذه ليست مناطة بـ "رقابة" افتراضية في الغرب، بقدر ما هي مهمة عويصة في العالم الاسلامي ذاته، الذي عليه تعيين معنى "الاساءة" وحدودها، او تحديد مقاربته لشرعة "حقوق الانسان"، او التوفيق بين مذاهبه في كثير من المعتقدات التي تطال التعبير والفن وما الى ذلك.
في الأيام الأخيرة، ثمة ما يدعو الى التفاؤل الحذر، اذ ان نشر الرسوم الكاريكاتورية الفرنسية لم يثر احتجاجات كمثل التي شهدناها عام 2006 او التي حدثت في اسبوع 11 ايلول الفائت، كأن ثمة انتباها عاما عند "جموع الغاضبين" ومن يسيّرهم، بأن ما فعلوه من حرق وتدمير وقتل وتظاهرات شغب إنما هو ليس السبيل القويم للرد على الاساءة، تلك إشارة عقلانية قد يصح الرهان عليها، خصوصاً في تلك الدول التي قامت فيها شعوبها بثورات سلمية مدنية وحضارية طلباً لـ "الحرية".


عن جريدة المستقبل


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow