Alef Logo
دراسات
              

الجديد في رؤية نزار قباني للمرأة

محمد علاء الدين عبدالمولى

2012-12-16

قامَ نزار قباني بتجديدٍ واضحٍ، في مسألة ترتيب علاقة الشاعر العربي بالمرأة. ويتّضح ذلك أكثرَ، عندما ننظر إلى وضع المرأة/ الأنثى في الشعر العربي قبل هذا الشاعر، وكيف كانت تتمظهرُ كموضوعٍ فنّي من جهة، وكموضوع بشري – اجتماعيّ - حياتيّ من جهة ثانية. فالشعر العربي يقدِّم لنا نماذجَ من المرأة، نرى أنها لا تختلف أو تتباينُ كثيراً بين شاعرٍ جاهلي أو عذري، إلى شاعر حسِّي إلى آخر صوفي؛ حيث إن كل هذه النماذج وفي غالبيتها، تقدِّمُ المرأة/ الأنثى بصورة غائمة وضبابيّة، بحيث تظهرُ وكأنها شيءٌ أو موضوعٌ لا ملامح ولا علامات فارقة له، وبلا طعم ولا رائحة، ولا يمكن لقارئ هذا الإنتاج الشعري الكبير، تخيُّل وجودِ المرأة بصورةٍ ملموسة ومدركَة. وهذا في رأيي يسمحُ بوجودِ فجوة حادّة بين صورةِ المرأة الحقيقية كما يتعايشُ معها الإنسان، وصورتها الشعرية المفارقِة للواقع. وكان هذا يُشكِّلُ ظاهرة عامةً من الطبيعي أن يكون لها استثناءات كالعادة، وهي استثناءات كانت تحقّق بعض الاختراقات الهامشية التي لم تصنع ظاهرة بديلة وموازية (على سبيل المثال نذكر بعضَ أشعار امرىء القيس - القصيدة اليتيمة)، ليظلَّ النموذجُ السائدُ هو امرأةٌ حبيبةٌ يُنشئها الشاعر كتلةً ضبابيّة تتشابه في سماتها ومفردات تكوينها.
تُطالعُنا هنا صورةُ امرأةٍ لا تفاصيل لها، ولا إحساس ولا كيانٌ مستقلّ، ولا نعرف عنها إلا ما يريد الشاعر أن ينقله إلينا، وما علينا إلا تصديقه. وما الأمثلة القليلة التي يمكن أنْ تشكّل خروجاً على هذا النمط سوى دليل على أنه هو النمط القاعدة، والمتوارثُ من جيل إلى جيلٍ. فهي الجميلة دون أن نعرف كيفيةَ جمالِها، وهي شهيّةٌ دون أن تظهر إلا صدى لشهوة الشاعر، وكأنها أنثى محجّبةٌ مضروبٌ عليها خمارٌ، مع أنها موضوع للحبّ والغزل والجنس كذلك.
وكان ذلك أمراً يبعث على التساؤل والحيرة حقاً. لا سيما وأنه على الطرف الآخر من القضية، يمكن أن نرى العكس، ولكن هذه المرّة ليس في الشعر... فإذا دقَّقَ قارئُ التراثِ في نصوص النثر والسرد العربيَّين، وكتبِ الإيروتيكا التي كانت تُمعنُ في قراءة الجسدِ وأحوالِ الجنسِ وأوضاعه، فسوف يقع على قولٍ ورؤية وثقافةٍ، لم تترك شيئاً في المرأة إلا واخترقته: من لباسها حتى عطورها ورقصها ومشيتها وأصنافها، وتراتبها في التركيبة الاجتماعية والبيئية والثقافية، وبكلّ ما يتعلَّق بالشهوة والعلاقة الجسدية بأدق تفاصيلها، بينما قصَّر الشعر في ذلك.
إضافة إلى أن القارئ الذكي للتراث سوف لا يعدم وجود بعض نصوص هذا النثر والسرد، مشتملةً على الكثير من الإشارات الحسّية الواقعية التي تصف خارطة الجسد الأنثوي، وخاصة في المرويَّة الطويلة «ألف ليلة وليلة» التي نجد جسدَ المرأة فيها وقد اتَّخذ حضوراً أنثوياً حادّاً وأساسياً ومركزياً، عبر تقديم هذا الجسد الأنثوي لنفسه في علاقته مع الجمال والإغراء والعطور والحمَّامات واللباس الأنيق والمثير، والنطق الممَوْسق والرقص الموظَّف، وعبر التركيز على صفاته الجريئة باللون والحركة والأعضاء.
كما يُفصحُ البعض الآخر من النثر العربي الذي يسرد وقائع الحياة في العصرَين الأموي والعباسي، وخاصة حياة ليالي الخلفاء والأمراء والولاة في سراديب قصورهم وأسرار معيشتهم وبساتين القصف واللهو، أقول يفصحُ هذا النثر عن امرأةٍ من لحمٍ ودمٍ حارَّين، امرأة ما هي إلا انعكاسٌ أمينٌ للصورة المرتسمة للأنوثة في المخيّلة والذهنية العربيتَين، وهي صورة كانت تنتقل من الواقع إلى هذه المخيلة، أو لنقل إنها صورة تتناوبها لحظتا الواقع والمخيلة في الوقت نفسه في علاقة متبادلة تأخذ هذه من تلك وتعطيها في الوقت ذاته، أي لم تكن هذه الصورة من إنشاء الخيال وحدَه بل من تأثير الواقع.
هل هناك مبرِّر واضح ومُقنع، لغيابِ جسدِ المرأة وتفاصيلها وجمالها، ببعده الشهواني عن القصيدة العربية؟ هل نقول إنه تَعالي الشاعرِ العربي، حتى لو كان يُصنَّف على أنه شاعر الجسد والغزل والتشبيب، تعاليهِ عن تعرية جسد المرأة أمام الآخر؟ وكأنَّ المسألةَ تتعلَّق بتناقضٍ بين شبقِ الشاعر مع امرأته، وبين رغبته في (حَجْبِ) هذه المرأة عن المتلقّي؟ إن ذلك منع الشاعر من إعطاء (أنثاه) بُعداً حياتياً واضحاً يُضاف إلى البعد الغائم أو البعد الروحي لها، أو على الأقل يحقِّق انسجاماً بين المرأة وبين تهافت الشاعر عليها وتهالكه الشبقي أمامها وهو مما يظهر جلياً في القصيدة العربية... أم نبحث عن السبب في مكان آخر؟ فنقول إن المرأة العربية في واقعها المعاش كانت امرأة غير مكشوفة الجسد، محجوبةً بطبيعتها ونظراً لكونها عضواً في مجتمعٍ قَبَليّ ذي منظومة أخلاقية لا تسمح لها ولا تقبل هي كذلك، أن تكون الخروج على النمط المعطى لها، لهذا لن تتكشَّف تفاصيل هذا الجسد إلا من خلال ما هو متاح ومتناغم مع الأخلاق القبلية والتي كرَّسها الدين في ما بعد. والمدقِّق في صورة المرأة سيرى أن الشاعر لم يقصر في التركيز على أي عضو مكشوف من جسدها، من هنا سنفاجأ بهذا الكمّ الهائل من الصور المتعلِّقة بعيون المرأة، وحركة مشيتها المتثاقلة من وراء ثيابها المتموجة على امتلاء جسدها. إنها امرأة محجّبة في الواقع، لهذا حُجِّبت في القصيدة. على أننا لا نُبرِّئ بهذا تقصير الشاعر العربي على الصعيد الفنّي البحت، في مسألة الاقتحام وتكسير هذه الصورة، لأن الشاعر لا يقف عند المعطيات المسلَّم بها في الواقع، ويتجاوزها ويبتدع واقعاً آخر يُسهم في تثوير الصورة المألوفة للمرأة. لا سيما وأن هذا الشاعر العربي لم تكن أبداً تنقصه المقوّمات الفنية والجماليات الفذّة، في التقاطِ تفاصيل الجسد وتعريته جزءاً جزءاً، والمثال على ذلك ما كان يفعله في قصيدة الناقة، من وصف دقيق ومطوَّل لكل ما يتعلَّق بجسد الناقة وجمالها. لقد ترك لنا الشاعر العربي صورة جميلة جداً عن الناقة، عارية مكشوفةً لا لبس فيها، وترك لنا في المقابل صورة غائمة لا تفاصيل فيها عن المرأة. وربما من هنا جاء هذا المعجم الهائل من التشبيهات والاستعارات المأخوذة من جسدِ الناقة والمسقَطة على جسد المرأة، كحالةٍ تعويضية عما احتجبَ من هذا الجسد. إذ نقلَ صفات جسدِ الناقة من حقله الواقعي الأصلي إلى حقلٍ آخر اكتسب من خلاله روحاً جديدة وقدرة على التصوير.
هذا وقد يحقّ لنا السؤال بصورة ثانية وعلى مستوى آخر فنقول: لماذا لم نجدْ هذه المرأةَ في الشعر العربي إلاّ كما ذكرنا، بينما وجدناها متوافرةً بصورة أخرى ومختلفة في النثر العربيّ؟ هل كان النثرُ أقدرَ فنياً وجمالياً على تلبيةِ هذه الحاجة؟ من حيث أنّ مفهومَ الشعرِ كان يقتضي التعاملَ مع المسائلِ بشكلٍ شموليّ وكليّ ومطلقٍ وليس بشكلٍ تفصيليّ، الأمرُ الذي كان متاحاً للنثرِ، الذي شكّل غالباً خطّاً هامشياً مقصيّاً عن سلطةِ الخطاب الثقافيّ المطلقة؟ أقول وفي حدودِ معرفتي، إنّ هذا السببَ ربما لم يكن بعيداً عن خلفية هذه المسألة، والتي شكَّلت ثغرة كبيرةً اكتشفها نزار قباني من خلال قراءته للشعر العربي عبرَ مصادره الكبرى، فأدرك الثغرة في نظرة الشاعر العربي إلى المرأة، فكان هو أول شاعر عربي، في زعمي، ينقل العلاقة مع المرأة في الشعر إلى فضاءٍ مبتكرٍ وأرضٍ غيرِ محروثةٍ من قبلُ، مقترباً بذلك من المحرَّم الاجتماعي والفني في الوقت نفسه.
لقد أطاح نزار قباني منذ تجاربه الشعرية الأولى - وهذا المهمّ، أي أنه وعى ذلك باكراً - بتمثالِ المرأةِ وأسقطَ عنها كلّ قناعٍ وحجابٍ ممكنٍ، ليُظهرَها على أنها جزء من حياتنا التي نعيشها ونُعانيها، لا فكرةٌ قائمةٌ في مخيّلتنا المكبوتة فقط. وبهذا اقترب من تفاصيلها ونثرياتها ولغتها اليومية، وكانت هذه الثورة بحاجة إلى مصاحِباتٍ فنيةٍ تسهمُ في إنجازِ قصيدةٍ ذاتِ جمالياتٍ مختلفةٍ ومحرّضةٍ، لذلك جاءت لغةُ نزار جديدةً ولا تخضعُ لا لمألوف المتلقي العربي العادي، وأعرافه المستقرة، ولا تخضعُ كذلك للنمطِ الشعري المتداول بين أوساط الشعراء.
إذاً من هنا أشرنا إلى اقتحامه للمحرَّمَين الاجتماعي والفني معاً، ولم يكن اقترابُه من لغة الحياة اليومية، والبعيدة عن المطلقاتِ والكليات، إلا سبباً جوهرياً من أسبابِ عداء المجتمع الذكوري المقدّس، في بُعدَيْهِ الديني والثقافي للشاعر، ولمغامراته التي قرَّب فيها لغةَ الشعر من لغة النثر، مكمّلاً بذلك الوظيفةَ التي كان النثرُ العربي يقوم بها من توصيفٍ خارقٍ ومدهشٍ ومُحرجٍ للجسد الأنثوي.
والمجابهةُ الاجتماعيةُ العنيفةُ التي وُوجِهَ بها نزار قباني، قد تكون دليلنا على أنّ الشاعر العربي عندما يقتربُ من عراءِ المرأة وجغرافيةِ جسدِها كاملةً، فكأنه يخترقُ القانونَ الاجتماعي والديني، أو بتعبيرٍ آخر، كأنه يتجرّأ فيعلنُ على الملأ تلك الصورة الحقيقية للمرأة التي «نتستَّر» عليها جميعاً. وهذه المسألة لها ما لها من مغزى وأمثولةٍ دالّة، وذلك عندما نتفحَّصُها في منشئها الفنّي، فهي تعني أنّ نزار قباني أنزلَ الشعر من عليائه وميتافيزيقيّته وما ورائياته الضبابية المتعلّقة بالمرأة والجسد؛ إلى الأرض، ليلتقط لنا المرأةَ وهي على التراب وفي حياتها اليومية، لا المرأةَ القائمةَ في ذهن الشاعر وتهويماته. وهذا كان يقتضي من اللغة الشعرية أن تتغيّر، وتبحث لها عن احتمالاتٍ أخرى جديدة لم تكن في حسابات الشاعر العربي. من هنا كان لا بدّ للغة الشعر أن تتوسَّل بلغة النثرِ من حيث قدرة هذا الأخير على تحقيق المهمة الجديدة للشاعر، وهي تحويل الموضوع «المطلق» إلى موضوع «نسبيّ». أي ترحيلُ المرأة من هلاميتها إلى تعيُّنها الحسّي الملموس، لا على أنها «نمطٌ عمومي» يشترك في تداوله الشعراء كلّهم، بل على أنها امرأة تخصّ تجربة شاعر ما بعينه، وتمتلك ما يميّزها عن امرأة تخصُّ شاعراً آخر. وهذا ما لم يكن يحدث عبر تاريخ الشعر العربي كما أزعم.
إن القيام بهذه المهمة الفنية الخطيرة في لحطة تاريخية نوعية، كان يقتضي أن تتغير العلاقة مع أدوات التعبير الشعري، أو مع عناصر الخطاب الشعري داخل القصيدة العربية، كما إن تحطيم صورة «المطلق» يحتاج إلى عدَّة شغل لغوية تتعاطى مع العالم بشكل نسبي وتفصيلي، ممّا يُفسِّر لنا بشكل منهجي لماذا انعطفت لغة القصيدة على يدَي نزار قباني لتأخذ هذا الطابع اليومي التعدُّدي، الكثير، في مقابل هيمنة لغة مطلقة متعالية أحاديّة، على جسد القصيدة العربية طيلة قرون. بتعبير آخر: لقد عقد نزار قباني القران التاريخي بين لغة الشعر ولغة النثر... وهذا ما كان يُوصِّفه النقد العربي في حينه بأنه «اللغة الثالثة».
وفي هذا الصعيد يمكنُ لنا أن نُسجِّل ريادةً للشاعر نزار قباني، في التفاتِه الباكر لتوظيف النثر في الشعر، وهي المسألة التي تنشغل بها الآن كتابات نقدية أو تجارب شعرية على رأسها محمود درويش، الذي أجد أنه يكملُ بطريقته، وحسب فرادة مشروعه الشعري، ما كان نزار يفعله بكل عفوية، من استثمارٍ للنثر داخل القصيدة الشعرية، حيث رأينا في قصيدة نزار قباني لأول مرّة في الشعر العربي هذا الكمّ من التفاصيل اليومية الهامشية والدقيقة، والتي تعيش في الظلّ والعتمة، في الوقت نفسه كانت قصيدة نزار تستحضرُ هذه التفاصيل دون كثيرٍ من البلاغة التقليدية العتيدة والمعهودة في الشعر العربي، لأنها بلاغة تتنافى مع طبيعة النثر اليومية. ولا ندري، أو لعلنا ندري؛ فربما كان هو الآخر - أي نزار قباني - يكملُ بوعيٍ أو لا وعيٍ منه، مسيرةَ النثرِ العربيّ الذي تحرَّر من قيود العروض والإنشاد في البلاط والمحافل الدينية والرسمية.
ومع أننا نرى أن نزار قباني فعل ذلك بشكل عفوي، ولكن ذلك لا يعني التقليل من شأن وعيه للموضوع كحاجة فنية ملحَّة، وغاية جمالية يسعى من خلالها لتحقيق إضافة ما، إلى تقنيات القصيدة العربية. فالحقيقة كما قد أراها، أن المسألة عند نزار قباني في كل الأحوال، لم تكن هوايةً يمارسها في أوقات الفراغ، أو خاطراً يردُ على ذهنه أوقاتَ القيلولة، بل كانت مشروعاً مركزياً في تجربته الشعرية، بحيث أزعم أن نزاراً قام على هذا الصعيد بثورةٍ حقيقية في الشعرِ، ثورة لـه فضل الريادة المطلقة فيها ولا ينازعه فيها أيُّ منازعٍ.
لقد كسر نزار قباني النمطَ الشعري والذهنيّ المتكلِّس المترسِّب في لاوعيِ فكر الإنسان العربي، حين تعامل كشاعرٍ مع المرأة آخذاً إياها بكلّ حياتها، جسداً وتفاصيلَ وأسراراً وتناقضات وخيانات وشبقاً وشذوذاً، مما كان يتطلَّب منه كسراً للنمط الجمالي للقصيدة والمهيمن على ذهن المتلقي العربي. بحيث تمَّ إخراج بلاغة الشعر وصورته ومجازاته واستعاراته وتشبيهاته وكناياته ومعجمه، من منطقة إلى منطقة جديدة حديثة.
وإذا كان الأمر بحاجة إلى أمثلة فشعره كلّه أمثلة على ذلك. لأنها لم تكن كما قلتُ مسألة موضوعات يقترب منها بين مرحلة وأخرى، وإنما كان شعره قائماً على هذه النظرة التجديدية.
إن اللغة التي تعلن عن نفسها في شعره هي لغة لن نجدها عند شعراء عاصرهم نزار في شبابه، ولو رحنا نقرأ في شعر صلاح لبكي وسعيد عقل على سبيل المثال لرأينا اللغة تتناول المرأة من عَلٍ وتتأبَّى على جسدها وتفاصيله، مكملةً بذلك المعجمَ الشعريَّ الموروثَ من مئات السنين(*).
ويكفينا أن نستحضر قصيدة «المجدلية» لسعيد عقل، ونتفحَّصَ المرأة التي فيها، لنرى كيف يقف موضوع القصيدة الحقيقي وهو الأنثى الآثمة المجدلية، يقف على طرف نقيض من لغة التعبير التي استخدمها سعيد عقل، فمع أن موضوع «المجدلية» يحتملُ كثيراً من الشغل على الجسد في بُعده الحسّي الشهواني، مع ذلك تعفَّف سعيد عقل - وظل طيلة حياته متعفِّفاً - عن أن يكون شعره حسياً شهوانياً يهتمّ بجسد المرأة، التي يتَّخذ منها مادة لقصيدة جميلة ومتميّزة.
لن يكون الأمرُ على هذا النحو مع نزار قباني، ونحن نختار سعيد عقل أنموذجاً نظراً لما يعنيه اسمه من دلالة شعرية ورمزية كبيرة ولا تُضاهى، فاسمُه يُغنينا عن الاستشهاد بعشرات الأمثلة، ثم إن سعيد عقل هو الشاعر الذي تأثرت بداياتُ نزار قباني ببعض جمالياتِ شعره ومعجمه اللغوي، ولكن نزاراً حدَّد خياره على النقيض من خيار سعيد عقل، في ما يختصّ بلغةِ الجسد.
وعبْرَ هذه الثورة التي أشرنا إليها سنرى المرأة/ الأنثى وقد انزاحت الصورةُ الضبابية عن وجودها، فأصبحت مرئيّةً مكشوفةً بصورة لم يسبق لها مثيلٌ. ويمكن لي ربط ذلك بنزعة التمرُّد والثورة التي تبلورت وتأسّست عليها شخصية الشاعر نزار قباني، التمرُّد الاجتماعي الثقافي من جهة، والتمرُّد الفني من جهة ثانية وهذا هو الأهمّ. وهو ما سوف نرى الشاعر يؤكد عليه مراراً. ولكن رأينا أنه يمكن تفريع ملاحظة نقدية عن هذا الجانب الفنّي في شخصية الشاعر، وهي تتعلّق بارتباطٍ ما نراه قائماً بين وضوح جسد الأنثى بتفصيلاته ومخفياته وأسراره، وبين موهبة الرسم التي كان نزار قباني يمارسها وهو طفل، والتي يعترف هو بفشله في تطويرها كموهبة، مما اضطره لنقلها بصورة شعورية ولا شعورية إلى الشعر، فبدأ يُعوِّض موهبة الرسم باللون بموهبة الرسم بالكلمات، الأمر الذي تطلَّبَ منه الدمجَ بين تقنيتَي اللغة المكتوبة واللغة الملوّنة في الوقت ذاته. فالرسم يأخذ الشاعر إلى جهة التفصيلات الدقيقة والمنحنيات المرئية واللامرئية في جسد المرأة، ويُملي عليه استخدام خطاب اللون حتى آخر طاقة ممكنة، مما استوجب كذلك أن يُظهر المرأة بألوانها من أظافر قدمَيها حتى ضفيرتها مروراً بألوان ثيابها الداخلية من مايوه وحمّالة صدر إلى آخر التفصيلات والموجودة بغزارة في شعره. فأصبحنا نرى للمرَّة الأولى أشياء المرأة ومشاعرَها وأسماءَها وهي ملوّنة. حتى أننا نستطيع إعطاء نزار قباني ميزة استخدام اللون على الطريقة الرمزية، بحيث يُوحي كل لون بمسألة حسّية أو وجدانية معيّنة. إن النهد عند نزار قباني يبدو تارة نهداً فُلِّيَّاً وتارة حريرياً، وتارة ثالثة أسمرَ، ومرَّة أخرى ذهبياً. كما نرى عنده الشفاه ليست فقط قرمزية أو خمرية بل قد تكون شفته هو كالمزارع الخضر (وهذا استخدام جديد وفريد للَّون الأخضر في علاقته بشفاه الرجل)! كما نرى عنده الدمع أسود والمطر أسود، أو الضوء الأسود في العين الإسبانية، أو نرى شوارع غرناطة في الظهيرة حقولاً من اللؤلؤ الأسود، ونرى الثلج أسود والسماء سوداء، حتى أنه يرى الجسد الخمري أسود! ونرى صوت المرأة أبيض وكلامها أبيض وشعورها أبيض. ويقول لها في موقع آخر: «أنتِ لي رحمة من الله بيضاء». وقد نرى عنده الصوت أزرقَ، والدم بنفسجياً والبحر شالاً بنفسجياً. وقد ترقص الكلمات عنده بأثواب مختلفة من اللون الأحمر إلى الأصفر. وقد تغزلُ يدُ الأنثى شمعاً أصفرَ (وكل هذه الصفات مأخوذة حرفياً من مجمل إنتاجه).
وقد ارتبطَ تلوينُ الجسدِ وأشيائه وأحاسيسه، عند نزار قباني، بعلاقات حسّيةٍ شبقية مع الجسد، فكان اللون يقوم بوظيفة فعّالة في صياغة هذه العلاقات. وهو بذلك لم يكن يتوهَّم الأنثى أو جسدَها، إذ أنه لم يتعامل معها من خلفِ حجاب، بل فاجأها وهي في أدقِّ وأحرجِ الأماكن والأوضاعِ، مسلّطاً عليها كل ما يملك من ضوء فاضح ومتلوّنٍ...
وأريد أن أشير هنا إلى عددٍ من النقاط تتعلَّقُ بالمرأةِ في شعرِ نزار قباني، وهي نقاط اعتدنا أن نراها ملتبسةً على النقد الذي وُجِّهَ إلى شعر قباني، وما يزال حتى هذه اللحظة تلتبس عليه الأمور:
1ـ لم يكنْ نزار قباني في هذا الاستخدام الفاضح للمرأة/ الأنثى يُقلِّد أحداً من شعراء العرب القدماء، ولا يمكن للمدقّق أن يُرجِعَ شعره إلى أيِّ شاعر بعينِهِ في التراث العربي، فما كان يصنعه كان جديداً بصورة مطلقة في ظنّي، وكان هو مدركاً لذلك، رافضاً في عدد كثير من المواقع في شعره ونثره أن يحيله النقد أو القراء على أيّ شاعر عربيّ، خاصةً عمر بن أبي ربيعة الشاعر الذي اعتاد النقاد على إرجاع شعر نزار قباني إليه.
2ـ عندما كشفَ نزار عن جسدِ المرأة، واقترب من حالات هذا الجسد الإنسانية كما هي على أرض الواقع، من جنس وعواطف مكبوتة أو معبّر عنها إلى شذوذ وقمع عاطفي إلى أمومة وخيانة ودعارةٍ... إلخ، فإنهُ لم يكنْ ليقدّم نفسه على أنه شاعر إباحيّ. بمعنى أنه إذا أباح استخدام اللغة الجسدية الجريئة والمقتحمة لأبواب الطوطم الجنسي والاجتماعي فإنه لم يكن يُبيحُ جسد المرأة، بل سأقول إنه ليس في شعره جملة واحدة أو موقف واحد ولو كان عابراً يدل على أنه شاعر إباحيٌّ، وهو لا يحقق - في ما كتبه من عراء وشبق وجنس وحب - شروط الأدب الإباحيّ. إن هناك في العمق والجوهر فرقاً أساسياً ومحورياً بين خطاب الجسد الجريء والصريح وبين استباحة هذا الجسد، بل على العكس إن نزار قباني في غيرته على المرأة/ الأنثى الحبيبة والصديقة يظهر أنانياً وشرسا في الدفاع عنها له وحده. وإذا كان شعره يدخل في باب الأدب الجنسيّ فليس كلّ ما هو جنسيّ إباحياً أبداً.
3ـ المرأة في شعر نزار ليست رمزاً لأي شيء. والذي يحدِّد وجودها وقيمتها في القصيدة ليس شيئاً خارجاً عنها أو ملحقاً بها. وهو لم يتَّكئ على المرأة كعكّازة فنّية ليحمِّلها رموزَ الوطن والثورة والمستقبل الثوري، بل جعلها تقول نفسَها بنفسها مستقلَّةً عن أية تبعيّة لمرجعيَّات مضافة. والمرأة الرمز في الشعر العربي بعامة والسوري بخاصة - ولا سيما في مرحلتَي الستينيات والسبعينيات - أصبحت تعني الابتعاد عن الأنوثة الحقيقية والنأيَ عن بنية المرأة المكتفية بذاتها وبعوالمها ورموزها. إن المرأة في هذا الشعر السوري بخاصّة فاقدةٌ طبيعيّتها وأريحيّتها وكرامتها، لا يكترثُ الشاعر بكيانها وحريّةِ شخصيّتها، فينظر إليها دائماً مرتبطة بالوطن والأرض والاحتلال.
وأجد أن الشعر العربي الحديث في هذه المرحلة وفي علاقته بالمرأة، عاد عودةً مريعة إلى صورة المرأة التي أشرنا إليها في حينه، في القصيدة العربية في التراث القديم، وهذه ازدواجية غير مقبولة في رؤية الحداثة، ففي الوقت الذي نخرج فيه على الشكل الخارجي للقصيدة؛ نجد أننا نُقلِّد القصيدة القديمة في طمسها لملامح المرأة/ الأنثى، مع أن الظروف الاجتماعية اختلفت وانقلبت جذرياً، ولكن يبدو أنه تغيير وانقلاب تناولا سطحَ المجتمع لا عمقه، فليس ممكناً غضّ النظر نقدياً عن غياب شعر الجسد واللذة عن قصيدتنا الحديثة، في الوقت الذي كانت موضوعات المرأة والجسد معياراً من معايير تحديث المجتمع لبنيته الداخلية. الأمر الذي لم يعنَ به شعرنا الحديث، لذلك فنحن نرى في المراحل التي أشرتُ إليها (الستينيات والسبعينيات) أن حبيبة الشاعر هي نموذج شائع لا خصوصية له، يمكن أن تكون حبيبة أي شاعر آخر، إنها هي الأخرى نموذج «ليلى» رمز العشق والحب، يستهلكه كل الشعراء دون استثناء، هي امرأة بلا ملامح ولا كيان ولا قيمة لها، بل إنها كائن دونيٌّ لا يملك في نظر الشعراء ما يجعله يستمدُّ قيمته من نفسه، وإنما تتحدَّدُ هذه القيمة من خلال افتعال العلاقة بين المرأة ومقدّساتٍ أخرى وأهمّها الوطن والثورة (وهذا أمر مفارق ومستنكَر). وقد شكّل نزار قباني استثناءً لا مثيل له في هذه المعمعة، شاء النقد أم أبى.

(*) على سبيل المثال يقول سعيد عقل في «المجدلية» (1937):
«فجَّرت في الفضاء سلسلة الحلم، وأرخت على الأديم الصفاءَ.
من أساريرِها اكتستْ عطَفاتُ النهرِ
زهواً ،
وميسةُ البانِ
جاها
فالأفانينُ في الضفافِ
حِسانٌ
خالعاتٌ على القدودِ الهناءَ.
سفحتْ من هدوء وجنتها الصحوَ ،
ومن عمقِ شعرها
النعماءَ».

مجلة «نقد» الفصلية، العدد 8، ربيع 2012
2012

تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

(الكتابة) و(الكتابة الجديدة)

10-شباط-2018

قصة / عواءُ الجـمجـمـة

04-تشرين الثاني-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

يا مولاي

26-أيار-2014

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

01-أيار-2014

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow