Alef Logo
كشاف الوراقين
              

تأويل ماركس - قراءة في كتاب ( استعادة ماركس ) لسعد محمد رحيم

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-09-23

صدر للروائي والقاص سعد محمد رحيم عن دار ميزوبوتاميا ( بغداد، دمشق) كتاب شيق بعنوان ( استعادة ماركس). وأعتقد أن هذا الكتاب بفصوله التسع قدم صورة لماركس الأديب والمفكر، في شبابه وكهولته، ومن زاوية صداقاته المتعددة التي تراوحت بين علاقات عابرة ومشاحنات وأواصر متينة. ولقد استفاد الكاتب من هذه الصداقات للدخول في تفاصيل شخصية عن حياة المفكر المعروف، ولا سيما وضعه في ألمانيا وهجرته لباريس وطرده منها إلى بريطانيا حيث عاش حياة إملاق وتشرد وغرق بالديون الى أن وافته المنية.

ومن خلال قراءة أولية للكتاب الذي يبدو لي أنه قريب من الأدب ولا سيما أدب السيرة نستطيع أن نلاحظ أن سعد رحيم محب لماركس ومتعاطف مع لغته وأسلوبه قبل أن يتعاطف مع منهجه. وأنه معجب بصبره وخصاله الشخصية وهو في معترك الحياة.. فقد وفر الوقت ليقرأ وتخلى عن امتيازاته العائلية ليقترب من الشرط الإنساني وضحى بالغالي والنفيس ليتخلص من نير العبودية وذل الرق في الأفكار والاتجاه.


سيرة ماركس والعقل الألماني


و أول ما يلفت الانتباه في كاريزما شخصية ماركس كما صورها الكتاب أنه حمل المعنى المباشر لمقولة المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم

لقد اختلف الماركسيون حوله. وأصبح لدينا منه عدة طبعات وأهمها التفسير اللينيني والنظريات الليبرالية الغربية. وكانت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين ناجمة عن العلاقة مع النظام ونشاط المجتمع المدني. إلى أن نشأت قطيعة معرفية أو هوة من الخلاف والمشادات بين جحافل الطرفين ( ص 59 - 63). لقد تحلى ماركس وفكره بشخصية جذابة. وكانت النخبة تنظر إليه كمنظومة أفكار تحمل الخلاص الفلسفي للبشرية. بينما تعامل معه جهاز الدولة على أنه مسطرة تستخدم لقياس ولاء الأفراد للجماعة. وأدى ذلك لظهور كتلتين متناحرتين في تاريخ الفكر الماركسي: دكتاتورية البروليتاريا والتي اتهمت بالشمولية وعسكرة المدنيين. واليسار الجديد الذي اتهم بالانحراف وتجفيف الينابيع. وعلى ما أرى لقد كانت الحرب شعواء بين الطرفين، وتشبه الخلاف الذي نشب بين فرويد مؤسس التحليل النفسي وتلامذته مثل يونغ وأدلر.

ويكفي بهذا الخصوص الإشارة للشتائم التي كالها بيوتر فيدوسييف لما يسمى الشروط الموضوعية الجديدة. لم يكن شيوعيو المشرق ينظرون بعين الاحترام والتقدير لزملائهم في الغرب. بالعكس نظروا لهم كأنهم عملاء وجواسيس وفوضويون. لقد كانوا بنظرهم تجارا قايضوا على البروليتاريا بالفنيين والعلماء وشرائح أخرى ليست ناضجة اجتماعيا(1).

وإذا كانت جميع أنواع الشوائب قد تدخلت في استعادة ماركس ( ص 55 وما بعد ) فإن هذا ليس بعيدا عن تاريخ الأديان السماوية. لقد كان الإسلام إعادة قراءة في اللاهوت اليهودي والمسيحي. والدولة الإسلامية مجرد إعادة إنتاج لجوهر الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. وأقصد تحديدا بوجهها الغربي الكاثوليكي. ولا أعتقد أن نموذج الصراع على الأستانة يخفى على أحد. لقد كانت سيطرة العثمانيين السنة المسلمين على هذه المدينة تشبه انقلابا عسكريا. وبه استبدل الإمبراطور بالسلطان ( وهو نفسه أمير المؤمنين). وهضم العقل الشرقي بثقافته المادية والقائمة على التنقل واستعمار الطبيعة العقل الغربي بثقافته الميتا مادية ( تجسيد المادة وتصويرها والمطابقة بين البصيرة والخيال ). لقد كان الغرب يتوسع أفقيا ومعه تنتقل صوره ورموزه. بينما توسع الشرق عموديا وأضفى على الرموز الموجودة ما لديه من معانٍ مصدرها العذاب المرتبط بتحويل الجسد. إن الجسد المتحول هو عين الحكمة في إسلاميات الدولة. ولكن العقل المتحول هو عين الحكمة لدى ماركس. وهذا الفرق يمكن أن يرتبط بعودة ظهور العقل.

وجدير بالملاحظة أن الصورة القريبة لماركس لا تضعه في عداد المفكرين الاقتصاديين ( ص 53) . وبالعكس الأجدر أن يكون في عداد الفلاسفة والمفكرين الاجتماعيين الذين أحسنوا قراءة الظواهر العامة لتاريخ الواقع البشري.

إن مثل هذا الخلاف في تحديد نوع واتجاه بعض العلامات الهامة في تاريخ فلسفة العلوم يعود لتغير الحدود الفاصلة بين العلوم نفسها نتيجة التوسع في الاتجاه العمودي للأفكار على حساب الاتجاه الأفقي. وخذ على سبيل المثال فرويد. لقد انتقل مع الزمن من مجال الطب النفسي لمجال النقد الأدبي. وأصبح ضرورة لا محيد عنها في تحليل بعض النصوص وإعادة قراءة المعنى البعيد لأصل الصورة الأدبية.

وقل نفس الشيء عن سيد قطب. إن نشاطه السياسي والنهاية الدرامية لمشواره مع الحياة وضعه في عداد المفكرين الإسلاميين مع أنه في كل كتاباته شديد الصلة بالنقد الأدبي. حتى أن أهم مؤلفاته وهو ( في ظلال القرآن ) قراءة بلاغية لآيات الذكر الحكيم مع تفسير عاطفي موجه ومشخصن ووراءه ذات فنية لها وزن أدبي. ولا أستغرب ذلك من ناقد أدب اهتم في بدايات حياته بالرواية الواقعية الجديدة التي أنتجها نجيب محفوظ.

لقد تركت الاهتمامات الأدبية المبكرة عند ماركس بصماتها على أسلوبه في التفكير والكتابة. مثلما ترك النقد الأدبي طريقته المشخصنة في تفسير معاني الوحي والتنزيل عند سيد قطب. ولو لا الحزب الشيوعي وحزب الإخوان المسلمين لنظرنا لنتاجهما كنشاط بلاغي له على وجه الإطلاق صفة أدبية.

وهذا ينطبق أيضا على قراءة دريدا لعلوم الاجتماع والمعرفة. فهو يهتم باللغة والتراكيب الإبداعية والمجاز المرسل في كل دراساته. ولا أستطيع أن أجد في أسلوبه ولو صفحة واحدة من علم الاجتماع والسياسة. حتى أن ( العقد الاجتماعي ) لروسو تحول على يده لقصيدة طويلة أعادت إنتاج النص الأصلي. لقد كان دريدا في عداد كتاب الميتا نص. فعلا إنه كاتب مفوه وناقد شيق ولكن لا علاقة له بالاختصاص المنسوب له. وأهم المختارات التي قدمته للقراء باللغة الانكليزية هو كتاب ديريك أتريدج المعنون ( تطبيقات أدبية - actions in literature).


الماركسية في ميزان الفكر الغربي


لقد كانت مصادر ماركس ( كما ورد في الفصل الأول ) غربية. وأمضى ساعات من هزيعه الأخير في لندن وهو منكب في المكتبة ذائعة الصيت ( British Library ) على الموسوعات والأرشيف المتوفر ليراجع كتاباته وينقحها. ولكن لم ترد كلمة واحدة تبين دواعي فشل الغرب باستيعابه. والسؤال الآن كيف تسنى له أن ينتشر بالجهة المعاكسة، في حوض اللغات السلافية البعيدة عن لسانه الأم. فمن المعروف أن اللسان الجرماني هو أصل شجرة اللغة الإنكليزية. وهذا يقدم تبريرا روحيا لخط سيره من ألمانيا إلى لندن، على الأقل بقوة منطق الصدفة المدبرة، أو منطق القدر المبصر.

أنا أستطيع أن أفهم السر وراء هجرة رموز الحداثة من أمريكا مكارثي وإيرلندا الكاثوليكية المتعصبة إلى فرنسا ذات القلب المتسامح. فهذا ينسجم مع مبدأ الأرض المحروثة، أو ما يدعى بالبيئة الحاضنة. وأفهم لماذا هاجر آدم ميسكيفيتش من بولندا إلى إسطنبول. طبعا لأنه كان عضوا في المقاومة السرية ضد الاستعمار الروسي لبلاده. ولكن لماذا يهاجر ماركس إلى لندن وتهاجر أفكاره إلى موسكو. أليست هذه مفارقة بحاجة لتوضيح. ولماذا لم تنجح بذوره في أرض أول ثورة صناعية وفي مهد المحرك البخاري مفجر هذه الثورة حيث البروليتاريا والحركة العمالية على أشدها.

هل إن عقل ماركس الألماني يميل للأرثوذوكس وليس للكاثوليك. إنه ليس من العدل أن ننظر لتاريخ الأفكار في ألمانيا على أنه تاريخ تجريدي للعقل الأوروبي. تماما مثلما لا يحق لنا تخصيص فرنسا بالإشتراكية الطوباوية وبريطانيا بالاقتصاد.

لقد كان العقل الألماني بمنتهى الحساسية في تعامله مع الواقع المادي وأضفى عليه الكثير من الصفات الرومنسية. لقد أنسن المادة وجهزها لتحمل أعباء الواقع السريالي القريب من الاشتعال. حتى أن قراءتنا لهيغل لا تفرق بين نظرته للعقل والروح، والبرهان على ذلك كتابه Phenomenology of the mind . فالترجمة العربية لا تزال تقرأه باسم ( فينومينولوجيا الروح ). ثم هل هناك شك بشاعرية التحليل النفسي ولا سيما حينما يقترب من عالم اللاشعور. إن تحليل فرويد لزلات اللسان والأحلام أقرب ما يكون لخواطر شاعرية وصور قلمية بمنتهى الرقة.

وأرى أن المفكر بورن عبر عما سلف بقوله: إن غوته عبد موزون ومقفى ولكن هيغل عبد موزون وغير مقفى. وتكفي هذه المساواة بين شعرية غوته الفنية وحساسية هيغل الشعرية للتدليل على الغنائية الموجودة في العقل الألماني " الجبار " بين قوسين. فالجبروت لا يتنافى مع الشعرية والبداهة والتخاطب مع أدق وأرق المشاعر.

إنه لا يجدر بنا تداول الشائعات الأدبية. لطالما سمعنا بواقعية غوركي الإشتراكية. فقد نادى بهذا المذهب ودعا للتفاؤل وأن نكون رحماء حيال أنفسنا وأقرب لمنابع الخير من منابع الشر والفوضى. ولكن هذا لا يعني أنه أحمق وعاجز عن رؤية الأمراض الكامنة في النفوس. وإن قصص مجموعته( حكايات من إيطاليا ) تقدم رؤية بمنتهى الحساسية لشاعرية الإنسان المفرد والضعيف والمهزوم أمام قوة رأس المال وأمام الطبيعة القاسية غير المروّضة.

ثم أين نضع حساسية نيتشة، في النشاط العقلي أم نشاط تيار الأفكار الوجدانية؟. إن كتابه( هكذا تكلم زرادشت ) مجرد مونولوج غنائي طويل لا يقل برومنسيته وغنائيته عن نبي جبران. ولا داعي لمزيد من الأمثلة.

فعلا إن العقل البريطاني اقتصادي وبراغماتي ولكن العقل الألماني كان ولا يزال عابرا لخطوط العزل، وسريع الانتقال من فكرة لفكرة، وتتحكم به عاطفة غنائية وصلت لأمجادها مع الواقعية الإشتراكية التي ازدهرت في ألمانيا الشرقية لخمسين عاما وأثرت بمنطق الحرب الباردة لنفس المدة.

ليس هذا وحسب. لم يفهم المفكرون الغربيون دواعي ماركس ولم ينصفوا المشروع المشترك له مع أنجلز ( ص66). ورؤيتهم للبنية التحتية على أنها الجزء المخفي من النشاط السياسي والاجتماعي كما ورد في عدة مناسبات ليست دقيقة، ويغلب عليها التصوف الذهني للمادة. لقد كانت، بالعكس من ذلك، القوة الدافعة والمرئية والتي نعاني منها يوميا. إنها عصاب مادي بلغة فرويد. وأيضا عصاب حضاري يعبر عن عسر في توزيع المقدرات. بينما البنية الفوقية هي التي تحتمل التأويل والتفكيك. فالنص غالبا ما يجب تفكيكه لنصل للحقيقة الواضحة والتي لا نريد أن نراها. إن البنية الفوقية هي القناع الإجباري الذي لا يستطيع أن يغطي ضوء الشمس الساطعة. من قال إن العلاقات النفعية غير مسؤولة عن الأهداف والنتائج.

بهذا المنطق يكون الهدف هو نهاية شوط العدّاء الإغريقي. إنه يتحرك ولا يتحرك. يصل ولا يبلغ خط النهاية. وعليه تكون ثنائية الفكر الماركسي تنويع آخر على ثنائية لا ينكرها أحد، وهي المعنى الواضح في الذهن وطرق التعبير عنه بالنص. إن المعنى لا يخطئ، ولكن النص قد يعبر عنه بحمولة من الهنات والأخطاء. وهذا هو الجزء الذي يغطي على الحقيقة.

وإن دعاوى ألتوسير ( وهي محقة وليست مخطئة أبدا ولها وزن دعاوى لاكان حيال فرويد) قد وضعت المعنى التاريخي لتطور الأفكار في موضعه الصحيح (ص 67).

ولمن لا يؤمن بالفكر المادي، ألا يرى معي أن تاريخ المعرفة كله يبدأ طوباويا ورومنسيا وحالما وينتهي بمجموعة من الشرائع والأوامر والنواهي. ألم يخاطب الوحي في الإسلام قريش بلغة العاطفة والقلب، ثم خاطب عموم المسلمين في مرحلة يثرب بلسان العقل والمنطق. حتى الإسلام لديه ناسخ ومنسوخ. لماذا ننكر على ماركس مراجعة نفسه والتحول من اكتشاف الجوانب العاطفية لنشاط الأفكار إلى اكتشاف الجوانب الغائية والنفعية لبناء المجتمع والدولة.

وهذا ينسحب أيضا على مشكلة الطباق الذهني بين الوفرة والندرة.

إن الندرة ( ص173) خرافة ليس هناك ما يدعمها في عصر العولمة. حتى السيللوز الطبيعي يمكن تجميعه من الفضاء الخارجي، وحتى البروتين يمكن إنتاجه من النفايات بطريقة التدوير. ولكن يمكن أن تجد ندرة مفروضة بسبب العجز الحضاري، فالجنوب هو بروليتاريا عالمية شئنا أم أبينا.

أضف لما سبق أن العلاقة بين المجتمع الرأسمالي واقتصاد الرفاهية والوفرة ليس بالضرورة حالة تعمية، فالإنجازات لن تحجب علاقات الاستغلال ( ص77). ولن يغيب عن البال أن الرفاهية ليست حكرا على العالم الرأسمالي ( بالمعنى الحضاري للكلمة)، بل إن نمط جنوب شرق آسيا ونمط تبادل النفط مقابل إغراق السوق بالسلع ومنها سلع الخبرات الأجنبية ( عمال المعرفة - ص 124)، تدخل في هذا النطاق. الوفرة والندرة حالة مستقلة ولا ترتبط بشكل النظام وطبيعته. والفائض الكاذب ( وهو الاستيراد والاستهلاك ) ظاهرة تابعة ولا تمتلك شروطها وقوانينها. ومن أهم الأمثلة على ذلك حالة بولندا في فترة السبعينات والثمانينات. لقد احتلت عاشر مرتبة في الانتاج الصناعي في العالم، ولكنها عاشت تحت خط الضرورة وتحت غائلة الجوع والضغط النفسي. والسبب هو مديونيتها لحلف وارسو وللاتحاد السوفياتي. لقد كان دخلها الوطني يذهب لخزينة الحلف ولموسكو. ولطالما اشتكت الحركة العمالية من شبح روسيا ورأت أن الديون بحاجة لإعادة نظر وجدولة مع التأكيد على فرز الفوائد حسب النوع ولا سيما إذا كان الإنفاق الزائد في خدمة الحلف الذي يخدم المصلحة الروسية العليا قبل مصلحة بولندا. ناهيك عن تسديد فاتورة إعادة إعمار وارسو التي تلقت ضربة من هتلر أثناء الاجتياح وضربة من ستالين أثناء التحرير. ومن هذه المشاكل نشبت الاضطرابات حتى سقوط الدولة.

لقد عمل شبح روسيا في الشارع البولندي بعكس الدور الذي لعبه شبح الأب في ( هاملت ) شكسبير( ص 111). ولكن التقى الاثنان في نقطة واحدة وهي تحريض اللاشعور لإطلاق لسانه الحاد ضد مخاوفه.. في ( هاملت ) ضد اقتران العم بالأم. وفي بولندا ضد استنزاف الثروات الكامنة وجهد العمال. ومن هذه الحقيقة تراكمت أدبيات الثورة في بولندا حتى التسعينات، وكانت السخرية مريرة والفكاهة محزنة وتدعو لليأس.

ولنلاحظ أن الانتاج في النظام الرأسمالي تحرسه ظروف استغلال وترعاه خدمات عامة. فالرفاهية توفر فضاء عاما يشعر فيه الإنسان بأهميته وتتحرر فيه طاقاته. وأعتقد أن اقتصاد الضرورة وتقنين الموارد مشكلة حقيقية تضع حدودا وعوائق أمام الملكات الطبيعية والفطرة والبديهة. إن نظام الوفرة يخلق توازنا بين السعادة والإمكانيات الفردية. بينما الضرورة تضغط على الحريات البشرية وتحد من إمكانية العمل بطاقته القصوى، وتخلق ظرفا عاما يشبه ظروف اقتصاد الحرب.

إن نظام الوفرة يخلق حوافز للاستهلاك وقد يستعبد ويستنزف المقدرات ولكن هذا سلوك اختياري، بعكس حالات الضرورة. فهي إجبارية بكل المناحي.

ولذلك إن التقابل بين الرفاهية والندرة ليس مسألة في الاقتصاد فقط، ولكنه ينعكس على الحالة العاطفية للإنسان. فالسوق يعبر عن حالة خدمات. والفرق يكون في نظام التعامل مع قيمة العمل. هل الخدمة مجانية أم لها سعر. وهل السعر بسيط أم أنه مركب ويتكون من عدة وسائط. وهل هو نسبي ويأخذ بعين الاعتبار حالة قوى الانتاج أم يتعامى عنها.

إن خطوط العزل ليست دائما لأسباب رأسمالية ولكن قد تكون سياسية. ففي اقتصاد السوق ينتصب العازل الزجاجي الذي يسمح بالرؤية ويمنع التداول. ولكن في اقتصاد الدولة تكون الرؤية مثل التداول، حصرية ولها ضوابط ( ص 84)، وهذا يخلق دراما شريرة وقاتلة تشوه علاقات الإنتاج. ليس بين رب العمل واليد العاملة ولكن بين التسهيلات الممنوحة للنخبة والصعوبات المفروضة على الآخرين. إن أساليب إدارة الثروة القومية مسألة مهمة مثل أساليب توزيع الثروة ذاتها.

وحل هذا التنازع بسيط ومطروح في التفسير الماركسي لتطور البشرية. فالدعوة لإلغاء الدولة والتنازع بين الطبقات يقود حتما لمجتمع متجانس. ولذلك لا أرى سببا للهجوم على العولمة ما دامت هي وجه آخر من الأممية ( ص 87). فالشركات العابرة للأجناس جزء من نظام عولمي ولكنه غير أممي. وبإلغاء أشكال التفاوت بين الدول سوف تتحول تلقائيا لشركات إنتاج فقط. إن إلغاء الجنسيات المتعددة حتما يؤدي لسقوط جزء من اسم النوع لهذه الشركات. ولنأخذ العبارة الأخيرة حرفيا. إن مثل هذه الحالة تشبه ما حصل بعد سقوط جدار برلين وبزوغ فجر أوروبا الموحدة. لقد أصبح بمقدور عامل أو حرفي من بولندا مثلا أن يقيم ويعمل في لندن. فماذا يمنع شركة عالمية من النشاط في عالم هو ( بلد واحد).

ولكن هل فعلا إن الرأسمالية تحمل بذور فنائها معها ( ص118). أعتقد هذه أمنية موجودة في ذهن كل ماركسي وكل شيوعي. فالضد النوعي لا يحتمل فكرة المنافسة. إن أي تفسير للتاريخ أو للمجتمع عرضة للإلغاء والتحول. لم تكن الكلاسيكية جريمة ضد الإنسان ولكن لقي الفن الكلاسيكي التدهور وانحدر للتآكل وعصفت به رياح الرمزية والرومنسية. واليوم تتراجع الحداثة في عقر دارها وتفسح المجال لما بعد - بعد الحداثة. وإن كنت لا أحب مثل هذه الأسماء الطويلة التي لا تنم عن شيء وتزيد من حيرتنا ومن غموض وإبهام الموضوع، يمكن لنا أن نتكلم عن صراع حضارات تذكيه بقايا الماركسية من جهة وبزوغ شمس الإمبريالية من جهة. وإن كنت لا أظن أن الإمبريالية هي نهاية مشوار الذهن الرأسمالي ( ص 108) فإن ذلك لا يعني أن شعرية وحساسية العقل الماركسي أصبحتا على المحك. بالعكس إنهما رؤية مع الإنسان وتحتاجان لتعديل ومراجعة لمجاراة تطور الأحداث. فالنص ليس فوق التاريخ.

وهنا لا بد من التنويه أن الحلقات في التاريخ تتقاطع مع المكعبات والمربعات التي مثلت البنية في المادة. إن كل حلقة تفضي لما بعدها وفق قراءة متكررة للدوافع. فالصراع الطبقي يشبه في عمله تطوير الاكتشافات الجديدة لتاريخ المادة. وإنه منذ بداية تشكيل نادي فاراداي في ثلاثينات القرن الماضي ( في الفترة بين الحربين ) توجب علينا تعديل نظرتنا لبنية المادة. فهي ليست بسيطة. وليست متكررة بانتظام مطلق. ولكن تتخللها مفاجآت وانحرافات بأثر البيئة والعامل البشري. وهذا في النهاية يقدم تفسيرا للخواص والوظائف. وبتعبير البنيويين أنفسهم للدلائل indices والأدوار functions.

وعن ذلك يقول الفيزيائي البريطاني هيرل: البنية لا تحسب بنظريات رياضية منضبطة تماما. إنها لا تتشكل على وجه الدقة حسب النموذج. وكل ما بوسعنا أن نقدمه هو وصف قابل للتعديل. وبعبارة أخرى يمكن أن نتوقع مخططا ثنائي الأبعاد وأحيانا موديلا model وأحيانا شبكة افتراضية ثلاثية الأبعاد ونحن نرسمها بصريا بطريقة غير مثالية ( ص209) ( 2).

وكما افترض ماركس إن صراع الطبقات يؤدي لتناقض وحروب (ص 91). وحله يكون باستبعاد الأسباب. وهذه سيرورة تاريخية بطيئة ومتدرجة. المادة أيضا وفي كل لحظة تقدم مثالا على هذه الرؤية. فهي تنطلق من حالة الفوضى الشاملة لتصل لحالة التنظيم المطلق. وبين النقطتين توجد أدوار ومراحل وعتبات متدرجة. فالانتقال من الفجوة في المادة للنواة الصلبة يكون على مراحل، ومرورا بترتيب الذرات وتراصف الجزيئات وتقاربها ثم نشوء قوى جذب وربط تعرف باسم الروابط.

وإن ما لاحظه فوكو من تطور على المادية غير الماركسية ثم فلسفة ما بعد ماركس كان جزءا من هذه النظرة لتطور حالات الانتظام في الطبيعة.

وفيما يخص فوكو. لقد وضع نفسه على مسافة واحدة من البيولوجيا والاقتصاد واللغة ( ص 92 ). ولكن هذا لا يعني مطلقا أنه لم يجد علاقة تركيبية بينها. فاللغة تعمل على تمثيل الأفكار والبيولوجيا تفسر لنا قوانين تطور الطبيعة وأساليب معرفتنا بها. بينما الاقتصاد هو الذي يتحكم بنشاط الإنسان ويؤثر بالتالي على قراءته لقوانين الطبيعة ولغة التعبير والتصوير.

ليس من المفروض على فوكو أن يعيد كتابة ماركس بمفرداته ذاتها. ولكنه لم يهمل دور البنية التحتية في التأثير بشكل ومستويات التفسير الألسني والطبيعي لها. وهذا ما سماه فوكو بمبدأ القوة. فالأقوى اقتصاديا هو الذي يفرض مصطلحاته ومفاهيمه على الأضعف.

ولقد ربط فوكو بين المحاور في الكلمات والأشياء والذي حمل اسم ( نظام الأشياء ) في الترجمة الانكليزية. هل تحوير العنوان بلا دلالة. وهل إن التركيز على معنى النظام والذي يتحدد ماديا بتطوير اقتصاديات التبادل والإنتاج لا هدف من ورائه؟.. لا أظن ذلك.

لم يقدم فوكو على قتل ماركس بمقدار ما أعاده لسياق المعرفة الاقتصادية والطبيعية.

إن مشكلة البنيوية هي في أغلاط قراءتنا لها. فالنظرة الموضوعية التي تتكون بشكل نهائي ولا تتطور ( 96)، تخضع لرقابة ومراجعة وتعديلات دائمة، إن لم يكن من نفس المفكر، فذلك على يد مفكر آخر من نفس الخط. وهذا يعني أن العلامات التي يتركها التاريخ على خط سيرها ليس غفلا وهناك من أقر به.

وفي مجال العلوم الصناعية لقد قدم هيرل ( وحده ) نظرية في تفسير البنية، قام بتعديلها على ثلاث دفعات. لقد اقترح فكرة أولية عن شكل البلورة في المادة في عام 1960. ثم عدلها عام 1970 ثم أدخل عليها اقتراحات إضافية بعد عام 1970 مع زميله مورتون.

أما نظريات ما بعد الحداثة فقد ألحت على تفسير كل ظاهرة في سياقها. وهذا يعني إضفاء مرجعية تاريخية لها. فالمعنى متبدل بين لحظة وأخرى، وحسب اقترابه من المركز أو ابتعاده نحو الأطراف. وكان من أشد أنصار هذه الرؤية دريدا صاحب نظرية مركزية العقل الأوروبي ( اللوغو سينتريزم) ونقاشه ضد الفروض والواجبات.


الثابت والمتحول في الماركسية


وهذا يضعنا بمواجهة مشكلة دائمة. هل الماركسية نظرية خالدة تعيش خارج التاريخ. وهل البيان الشيوعي دواء صلاحيته مفتوحة ولا تنتهي؟!..

كما أرى إن عودة نظام الأفكار وعدم دخول بعض الأنساق في مرحلة الشيخوخة ليس حكرا على إيديولوجيا معينة ( ص 105). فالنقد البنيوي مثلا هو استرجاع لمفاهيم من عالم النقد الفني التحليلي. وبين الحلقتين حلقة ثالثة متداخلة هي الشكلانية الروسية. وأستطيع أن أجزم أن وراء الأخوة الأعداء ( التحليل الفني والشكلانيون الروس والبنيويون ) مصطلحات وتفسيرات تراها في إستاطيقا الإغريق. إن معظم العلامات الأساسية المفسرة للخيال الفني لدى الإغريق تعود للظهور بشكل متون وتصاوير تؤكد فكرة تكرار النموذج دون مساس بعموده الفقري. فالانعطافات والدلائل والشخصيات الحاملة لفكرة أو ثيمة تراها عند سقراط قبل أن تسمع بها من نقاد القرن العشرين في جميع أشلاء أوروبا الممزقة بالحروب والصراعات. وربما كانت مقولة روسيل أن حكمة الغرب أشرقت شمسها من اليونان تبرير معقول. فالشكلانيون الروس بمعظمهم هاجروا من روسيا واستقروا في العالم الجديد أو غرب أوروبا.

وهذا ينطبق على مانيفيستو الشيوعيين. مع فارق بسيط واحد. أنه لاقى الترحيب في موسكو بينما تعرض للقهر والتعتيم كل من خطاب جاكوبسون وباختين.

وإذا كان الثابت هو جزء من طبيعة الفكرة الجوهرية فالمتحول هو جزء مهم من طبيعة التطبيقات ذات الأثر الإجرائي.

والحديث عن بروسيا وثورة عمال النسيج في سيليسيا وسوى ذلك جرى على حساب قراءتنا الحالية لخريطة الفكر الماركسي وعلاقته بالدول والأنظمة. وأعتقد أنه كان من المفيد لو قدم لنا المؤلف فكرة عن التحول الجيوبوليتيكي لأوروبا. لقد اندثرت المملكة البروسية. ولا شك ترك ذلك أثرا عميقا على معطيات وتطور أفكار ماركس. وقل نفس الشيء عن سيليسيا. فقد كانت تتكلم بالألمانية قبل الحرب العالمية الثانية. ثم أصبحت تتكلم البولندية بعدئذ. إن مثل هذا الالتباس في الهوية يقود لإبطال مفاهيم وتثبيت مفاهيم. فالدور الإنتاجي لعمال سيليسيا تحول في ثمانينات القرن الماضي لوسيط ناقل للأفكار. وإن غالبية بروليتاريا تلك المنطقة تعمل حاليا في قطاع المواصلات. وشتان ما بين بنية عمال النقل وعمال الإنتاج. ولذلك انتقل مركز الثورة الديمقراطية الأخيرة من سيليسيا القرن التاسع عشر لغدانسك القرن العشرين.

مثل هذه المفارقات تركت فراغا بحاجة لبعض التوضيح منعا للالتباس.

في المقدمة تأتي مشكلة تحريف النظريات ( ص 136). من الصعب أن تسير نظرية على الصراط المستقيم وإلا تحولت لدوغمائية وجمود عقائدي. كل الأفكار تنتج براعمها الصغيرة في ربيع العمر. وهنا يمكن لي المقارنة مع الرعيل الأول من رجالات النهضة والتنوير عند العرب. فالأفغاني ورشيد رضا ومحمد عبده والكواكبي هم تحريف لمعنى الخلافة والسلطان الجائر. ولو أن الطبعة الثانية منهم أمثال مصطفى عبدالرازق وطه حسين استمروا على نفس المنوال لتحولوا لقوالب جامدة تعادي أبسط معاني التحرر. إن الخروج على النظرية والإضافات لها ليس تحريفا سلبيا ولكنه تحول إيجابي. وقد بين محمد الطالبي في عدة مناسبات أنه ليس بمقدورنا تجاوز مشكلتنا الوجودية مع التخلف إلا بالتخلص من الصف الأول من رواد التنوير. فهم جزء لا يتجزأ من تبرير الأمر الواقع وتثبيت العلل المتفشية. لقد حملوا في ثنايا أفكارهم رائحة الماضي العثماني. وبالتالي هم من أنقاض الإمبريالية العثمانية المهيأة للسقوط. ولم يحصل ذلك إلا على يد الجيل التالي الذي ألغى السابق والحالي، وردم الهوة بين الغائب والحاضر. والإشارة لثورة محمد حسين هيكل بطل ( مناظر وأخلاق ريفية). فقد قام بإبطال مفعول الواقع وأتاح للمخيلة أن تحدس بالبديل المفترض. وبعبارة أخرى إنه تجاوز ثوابت المؤسسة بمتحولات الخيال الفني للذات.

ويمكن أن نبني على ذلك موقف ماركس من الدين، وتبعات موقف الماركسيين ثم الدولة الشيوعية من الحياة الروحية للإنسان.

برأيي لم يعارض ماركس الدين، ولكنه وقف ضد الإكليروس. وشكك باستغلال السياسة للدين وتوظيفه لأهداف استغلالية تستعبد الإنسان وتكبل مهاراته في استعمال العقل ( ص 19). وبالعكس رأى ماركس الشاب أن المسيحية لم تفرض فرضا على العالم الروماني والإغريقي، ولكنها نتيجة منطقية لمظالم وتطورات تلك الحقبة ( ص35). لم يكن تفكير ماركس بسيطا ومختزلا ولكنه إشكالي. وقد وجد عدة منافع في الأديان كما أنه أسبغ على البورجوازية الصغيرة الثناء لدورها التنويري ( ص 35). ولم تصنف هذه الطبقة في عداد الأعداء النوعيين إلا حينما تعارضت مصالحها مع بيروقراطية الدولة. وكما نعلم الدولة لا تشترط تطبيق ماكينة الأفكار التي تبشر بها. ألم تحصل في الدولة الإسلامية انشقاقات دامية حولت الدين الواحد إلى ثلاثة حياض معرفية حملت السلاح بوجه بعضها البعض؟!!..



هوامش:


* الشواهد ليست بالحرف الواحد دائما، والأرقام بين قوسين تشير لرقم الصفحة التي وردت فيها هذه الشواهد من الكتاب بطبعته الأولى الصادرة عن دار ميزوبوتاميا في عام 2011.

1- غارودي والتحريفية المعاصرة - بيوتر فيدوسييف. دار الطليعة.1974.

2-

The Development of Ideas of Fine Structure. J. W. S. Hearle. Fibre Structure. The Textile Institute. 1963. England.







































































تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

مقتطفات من : كافكا في المحاكمة الأخرى بقلم : إلياس كانيتي ترجمة :

17-نيسان-2021

قصائد مختارة لمارلين مونرو

03-تشرين الأول-2020

قصة / كانون الأول / كريستال أربوغاست

12-أيلول-2020

مدينة من الغرب اقصة : تميم أنصاري ترجمة

22-آب-2020

قصائد لهنري راسوف ترجمة :

20-حزيران-2020

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow