Alef Logo
ضفـاف
              

أغوار الحلم هضاب اليقظة

أحمد اليعربي

خاص ألف

2015-12-14

(1)

لا يستمع إلى الموسيقى من يستمع لها دون أن تحدث فيه أثراً هو أقرب ما يكون إلى الخدر الذي يتنزّلُ على المرءِ عند الْحُلْم، و لأتجاوزٓ مسألة تنوع الأذواق الموسيقية وأثرها في إحداث الأثر، فإني سأحصر المسألة بالإعتماد على المعيار الشخصي/الذاتي؛ فلا يستمع إلى الموسيقى من يستمع إلى قطعة موسيقية تُعجبهُ دون أن تحدث فيه أثراً هو أقرب ما يكون إلى الخدر الذي يتنزّلُ على المرءِ عند الْحُلْم، و الأثر الذي أعنيه هو ذلك الأثر الآني/اللحظي، و هو آنيٌ و لحظيٌ لا من حيث مدته و إنما من حيث سرعة تنزُّله في روح السامع و نفسه.

وهذه الملاحظة تنطبق أكثر ما تنطبق على القطع الموسيقية المجردة من الكلمات المُغنَّاه، ذلك أن القطع الموسيقية فور إلتصاقها بالكلمات تنتج مولوداً جديداً لا هو بالموسيقى و لا هو بالكلمات، و غالباً ما يكون هذا التزاوج على حساب الموسيقى؛ فالكلمات دائماً ما تكون محدودة أمام إمكانات الموسيقى الفسيحة جداً؛ ذلك أن لغة الكلمات أكثر مباشرة في إتجاهها للمعنى من لغة الموسيقى، و بالتالي تبقى لغة الموسيقى مفتوحةً أبداً على معانٍ فسيحة و متجددة بصورة أكثر حيوية و نضارة.

إذاً فهذه الملاحظة تنطبق على الموسيقى الصرفة الخالصة، على أن إنطباقها يكون أكثر على القطع الموسيقية الأكثر تعقيداً، وأقل إنطباقاً على تلك القطع التي تتكون من إيقاعاتٍ بسيطة مكرورة؛ فالقطع الموسيقية المعقدة هي أشبه ما تكون إلى جبل عظيم فيه ما فيه من المجاهل و الأغوار و الصخور، إن أنت أدركت بعضه غاب عنك جله، أما كله فلا سبيل لك إلى إدراكه. في حين أن تلك القطعة الموسيقية البسيطة هي أقرب ما تكون إلى حقل صغير بهي نضر، يثير البِشر و الفرح في قلب صاحبه و الناظر إليه، تحويه العين بنضرة واحدة، و جماله مدعاة لأن يبحر الناظر فيه في أدغال من الفكر و سماوات من التأمل.

(2)

في النوم تغيب معظم أحاسيسنا، و يفارقنا إدراكنا و وعينا لما هو حولنا، بالنوم ندخل في عوالم جديدة، تفصلنا عن الواقع من حولنا، فمن هذه الناحية فقط يكون النوم في القصر المنيف هو النوم في الكوخ الصغير، و النوم بجانب وحش دميم هو النوم بجانب غيداء حسناء. ندخل في أحلام المنام، و تتملكنا أحاسيس جديدة، و إدراك و وعي مختلف يوسم بالحدة و الدقة و الدهشة، تصحو من النُّوم، فتبدأ في استعادة تفاصيل حلمك، تتذكر دهشتك و استغرابك حيال التفاصيل الكبيرة البديهية في دنيا الواقع، و تذكر ملاحظاتك الدقيقة التي استوقفتك في الحلم حيال التفاصيل الصغيرة التافهة ، تذكر دهشتك حيال السيارة التي مرت أمامك، و القطة الصغيرة التي تتسلق الجدار، و الشخص الذي يبتسم، و تذكر لحظتها أن نسمةً باردة هبت!!! ما الذي يحدث في الحلم؟ لما تتحول كل الأشياء البديهية الواضحة في دنيا الواقع إلى وقائع غريبة تثير الدهشة و تستلزم مزيداً من التفكر؟ كعبور السيارة مثلاً، و لماذا تستدعي انتباهنا تفاصيل صغيرة بمعايير دنيا الواقع، و نقف حيالها وقفة حيرة فعلية؟ كحادثة هبوب النسيم؟!، يبدو أن القيمة الدلالية التي نفترضها مسبقاً في كل حدث من أحداث الحلم تجعل نظرتنا حيال هذه الأحداث مشبعة بقدرٍ كبيرٍ من العمق، تلك النظرة التي تحاول اختراق ظواهر الحدث إلى ما هو أبعد؛ عن الغاية، عن دلالة الحدث، عن سر الرمز، وهذه المسائل لا تستكنه إلا بتفكر متأنِ -هذا على افتراض أن كل أحداث الحلم ذات دلالة خاصة-، و استعصاء الفهم يزيد من الالحاح في إعمال الذهن بغية إدراك المعنَى، و النتيجة هي أن الذهن يدخل في حالة فريدة من نشاط الوعي و توقده.

(3)

إن الحالة الذهنية المتوقدة التي تتلبس الإنسان حيال أحداث الحلم تعد مفارقة جديرة بالنظر، ذلك أنها تحدث أثناء النوم، و هي الفترة التي يتعطل فيها الوعي الإعتيادي، ففي قاع الأحلام تتلبسنا حالة من اليقظة التي لن توصف إلا بأنها حادة لو كانت في دنيا الواقع. و هنا أعود للملاحظة التي استفتحت بها هذه المقالة من أنه لا يستمع إلى الموسيقى من يستمع إلى قطعة موسيقية تُعجبهُ دون أن تحدث فيه أثراً هو أقرب ما يكون إلى الخدر الذي يتنزّلُ على المرءِ عند الْحُلْم، إذ تتنزل عليك حالة الحلم بكل ما فيها، فتنظر إلى الأشياء من حولك بصورة مختلفة، تستدعي انتباهك تفاصيل صغيرة، فتغدو كل منها موضوعاً للتطواف حوله، و التأمل فيه، تركز في وجوه الناس، في أدق تفاصيل وجههم، في انفعالاتهم، حركاتهم، طريقة حديثهم، تشعر وأنت تنظر إلى هذا التفاصيل بمخاض في أعماق أعماقك، لا تعلم ما هو، و لكنه يشعرك بالإرتياح، بالعلو، بالسمو، بالأسى الشفيف.










تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

لوح ساننتياغو

03-آب-2019

لوح ساننتياغو

19-آذار-2016

التبشير مُعطِّلاً

01-كانون الثاني-2016

أغوار الحلم هضاب اليقظة

14-كانون الأول-2015

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow