Alef Logo
دراسات
              

اللغة العربية العامية ونظرية المعرفة

محمد السبيعي

خاص ألف

2016-01-30

بدا اهتمامي في السنوات الاخيرة بدراسة الجدوى من الكتابة باللغة العربية الفصحى منذ وقت قريب نسبيا

ففي احدى ايام الخريف وبينما كنت اكتب مسودة اولى رواياتي طرات لي فكرة اخذت تكبر شيئ فشيئا مع مرور الايام

مفادها ماذا لو كتبت نفس القصة باللغة العربية العامية كيف سيكون وقعها طرح هذا السؤال سؤال اخر


مالفرق بين العامية والفصحى؟


اخذت انظر الى الفكرة من عدة جوانب نظرت اولا الى حياتي اليومية

فوجدت ان كل شيئ امامي من تلفاز الى وسائل التواصل الى ثرثرتي مع الاهل والاصدقاء

حتى رسائلي بل حتى الافكار التي تطرا لي و الاحلام التي اراها في المنام بل

حتى حديثي مع ذاتي او مع حبيبتي فهي جميعها بالعامية


فعندما استمع الى ام كلثوم وهي تغني بالعامية ليس كما هي تغني بالفصحى

فانا اشعر انني اقرب لكلماتها العامية حد انهامر دموعي في احيانا كثيره

على عكس الفصحى التي اشعر تجاهها بنوع من الجلال والاحترام


اذا الواعي والاواعي عندي ينبض بالعامية



ولوعدت القهقره الى ايام طفولتي ساجد اني قد تعلمت العربية العامية قبل الفصحى

وان اولى كلماتي كانت عامية واني لم اتعلم الفصحى الا في المدرسة وان جميع ذكرياتي باللغة العامية

فلماذا اذا اكتب بالفصحى طالما اني افكر بالعامية بل انا كائن عامي




من ناحية اخرى اللغة الفصحى لغة راقية وجميلة جدا اذا ماقورنت باللغة العامية

وهي ايضا لغة القرآن الكريم هي لغة الجاحظ والمعري لغة جواهرالادب والعقد الفريد

وهذا تراث عظيم ولاينكرة الا ظالم


اذا مالذي جعلنا ننظرالى اللغة العامية بمثل هذة النظرة مع اننا نسخدمها في جميع امور حياتنا؟


بحسب اطلاعي على بعض المصادر القديمة استنتجت ان احد الاسباب هو الدين او اللاهوت الديني

فلاننسى ان العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم ولغة الحديث الشريف وهو ايضاً لغة الفقة الاسلامي الذي ملئ المكتبات العربية بالمجلدات التي لاحصر لها

وجميعها بالفصحى وحتى الشعراء الذين كانوا يتغنون بالشعرامام الخلافاء جميعها او لنقل غالبيتها كانت بالفصحى

ولاننسى ان جميع الرسائل بين الملوك والسلاطين كانت بالفصحى اذا اللغة الفصحى لغة راقية وبالتالي هي لغة البلاط

وبطيبعة الحال ستكون اللغة العامية على العكس تماما فهي لغة الناس البسطاء وقد كانواالاغلبية

وهذا ايضا سبب استمرارها على الرغم بانها لم تدون كما يجب كما مع اللغة الفصحى الا انها حافظت على جوهرها الى يومنا هذا


مالذي اشعر به عندما اكتب او اقراء بالفصحى؟


اشعر باني افكاري ومشاعري جميعها تخرج مكبلة بقواعد الفصحى

فاللغة الفصحى وقواعدها مختلف تماما عن قواعد اللغة العامية (المتشربة داخلي)وهذا قيد خطير جدا

وهو مسيطر على الفضاء العقلي حد القدسية


فعندما تقرا (الفصحى) ستجد بان اصحابها ينتمون الى فضاء عقلي مختلف تماما عما نعيشة

فهي ليست واقعية فمهما اخذت تتخيل ما يكتبون فانك تقع لاشعوريا في مصيدة الاسقاط

ومقارنة ما نقراء بفضاء عقلك و اقصد هنا بالكتب الكلاسيكية


ناهيك انني عندما اقراء فانا في حقيقة الامر افكر باللغة العامية ولكني اقراء بالفصحى

وهو نوع من التناقض او نوع من الانفصام فالافكار تصلني بعدما تمر بفلتر

لايجعل الفكرة تصل بشكل مباشر وواضح بل يجعل الافكار اقرب للتشوه


لأن جميع كل تلك الكتابات لاتنتمي الى عصري من ناحية فانا اترجمها في اللاشعور بالعامية

لاجل فهمها او لاجل استيعابها في عقلي اي توظيفها وجعلها جزء مني اي من فكري


لاجل ذلك كلما قرات بالفصحى فانا لا اشعار بلانتماء لما اقراء

ولو كان بليغا جدا ويحمل نفس الهوية اي اللغة العربية


عندما اقراء لكتاب يكتبون بالفصحى في عصري الحالي

فان اللغة الفصحى التي يستخدمون ولو كانت اسهل من تلك التي لدى المعري

الا انها تجعلهم لاشعوريا يخرجون من عالمهم فكل المواضيع التي تكتب بالفصحى اكاد لا افهمها

الا بعد عناء خصوصا لو كانت فلسفيه وهذا يجعلني اتسائل

ماذا لو كتبوا افكارهم او ترجموها باللغة العامية هل سيكون وقعها مختلف؟


فعندما كنت اقراء لجاك دريدا ومنهجه في التفكيك الذي كنت اسمع عنه ولكني لم استطع فهمه في يوما من الايام

او ولم اقابل من يستطيع شرح فلسفتة لي كان بين يدي كتاب عنوانة المهماز واساليب نيتشة من دار الحوار مترجم بالعربية الفصحى

اكاد اشك ان من ترجمها وهما مترجمان اثنان اشك انهما قد اعتزلا الترجمه فورا بعدما انهيا هذا العمل فالموضوع من الصعوبة والتعقيد

بحيث يسبب عقد للقارئ وللمترجم على حد سواء فانا حرفيا لم استطع فهم اي شيئ فاسلوب الكاتب محيرجداً شعرت باحباط شديد فكيف لا استطيع فهم اي شيئ

اين الخلل اهي لغتي العربية كنت مصمما على فهم هذة الفلسفة ومن محسن طالعي ان لغتي الانجليزية قوية

فاشتريت نفس الكتاب باللغة الانجليزية واخذت اقراءة بصبر نملة من حسن حظي ان مترجمه الكتاب التي ترجمه العمل من الفرنسية الى الانجليزية

وضعت في الكتاب الكثير من الشروح بلغة جداً سهلة جعلتني انكب على قراءتها اكثر من نص دريدا نفسة

الذي اريد قولة هو انني كنت اقراء بالانجليزية ولكني كنت اترجم بالعامية لنفسي في عقلي اللاواعي وهما تكمن سر قوة اللغة العامية

فقد استطعت استيعاب ولو بعض اسلوب دريدا استطعت اخذ صورة ن مالذي يريد قولة

فتخيل لو ان نفس الذين ترجموا العمل اعلاه الى اللغة العربية قد ترجما نفس العمل الى اللغة العامية

اليس سيكون هذا نقله مهمه بالخصوص ان فلسفة دريدا من الفلسفات الجديدة والمهمه


استطيع الزعم ان سبب عزوف كثيرين من الناس عن الكتب الفلسفية بالذات هومايصاحب ذلك من شعور بعدم استيعاب مايكتب

فهي تكون بالعربية الفصحى وقد تحتاج احيانا الى اكثر من معجم مساعد لفهم فصل واحد ناهيك عن كتاب كامل

فالذي يحاول ان يقراء فلسفة باللغة العربية الفصحى في الغالب لايستطيع ربط الكلمات بالمدلول او ماهوالمعنى او المقصود فالخلفية الثقافية للموضوع شبه ضبابية في الغالب

الا لو كان هذا القارئ حفيداً للجاحظ وليس كما يزعم ان بعض انه بسبب تحريم رجال الدين للفلسفة هو سبب عزوف الناس عن قراءتها

قد نسمع مقولة من تمنطق فقد تزندق قد يكون هذا احد الاسباب في ابتعاد بعض الناس عن اخذ الفلسفة على محمل الجد

لكنه ليس السبب الحقيقي الذي اراه ان اللغة العربية الفصحى هي السبب الجوهري

فقد اصبحت شيئ فشيا بعيده عن الانسان العادي فاللغة العربية ليست كما كانت ايام المعتزلة لغة العلم والمعرفه فمع تطوراللغة العامية من ناحية

وتكلس الفصحى من ناحية وسرعة الحياة من ناحية اخرى جعل الأنسان العادي لاشعوريا ربما رهبه يبحثون عن المواضيع اسهل بل اقرب الى السطيحه

كتلك التي تجدها في الجرائد او المجلات فهي بنظرهم اقرب للاستيعاب ولو كانت بالفصحى اسهل من تلك المواضيع الفلسفية العميقة العصيه عن الفهم

فلو تخيلنا مثلا وجود كتاب فلسفي مترجم للعامية (رسالة النفس لأبن رشد مثلاً) فانه سيكون ثورة وتطور مهم في تاريخ اللغة العربية

اي في العقل الجمعي العربي فتخيل ان العربي العادي استطاع قراءة ابن رشد فكيف سيكون حالنا بعد ثلاثون سنه


هل للغة العامية قواعد؟


نعم لها قواعد وهي اكثر غنى واقرب للفهم من الفصحى ولكن بسبب النظره الدونية لها فهي لاتدون

بل تتناقل من من الاباء الى الابناء من جيل الى جيل وهي كامنة في عقولنا وهي في تطور مستمر

فعندما اتذكر احاديثي مع جدي اذكر انه كان يتكلم بلهجة (لغة عربية عامية) مختلفة كليا عما اتكلم ولو كانت من نفس المنبع

فنحن الاثنان نعيش في نفس المدينة الا ان لغتنا مختلفه فلغتي مليئة بالكلمات الغربية المعربة

فلنقارن اذا لغة جدي العامية مع لغة والده العامية او جده العامية وجميعهم من نفس المنطقة

استطيع الزعم ان لغتهم العامية ايضا تختلف وهذا دليل ان اللغة العامية تتطوربسرعة كبيرة

عكس العربية التي تكلست وهذا شيئ ايجابي فاللغة العامية لغة مرنة قابلة لاستيعاب اكبر قدر ممكن من الافكار




هل يعني هذا ان اللغة العربية الفصحى تموت؟


لا لم ولن تموت ولكن اللغة الفصحى اصبحت لاتقوم بوظيفتها للمعرفة او للتعلم كما كانت قبل سقوط الخلافة العباسبة

فهي اشبه بلغة البلاط وليست لغة الحياة التي نعيشها فاللغة العربية العامية تطورت لم تتوقف بسقوط الخلافة

اما الفصحى فاصبحنا نحن العرب نتشبث بها ونجترها اجترارا حتى تكلست ربما بسبب خوفنا على وحدة هويتنا العربية

او ان الفصحى باللاشعور الجمعي يعني لغة القرآن الكريم


فيجب اولا ازالة تلك الهالة عن اللغة الفصحى فاذا كانت هي لغة القران الكريم

لتكن اذا في بيوت الله وليكن لها كل الاحترام والتقدير


ماعدا ذلك فاليكن جميع مايكتب من صحف ومجلات وافكار وادب ومسرح وكل اشكال المعرفة الهندسية والدقيقة القانون والمحاسبة لتكن جميعها باللغة العامية

لنعطي هذة اللغة المهمله بعض الاحترام لنقوم بفتح هذة اللغة لنقم بثورة علمية تترجم فيها جميع الاعمال المهمه الخالده الى اللغة العامية

فبهذا سيكون عصر انوارجديد عصر فجر جديد لنا نحن العرب

وبهذا سيصبح الجميع يفكر ويقراء ويكتب ويتكلم على نفس الخط من غير تلعثم او ارتباك


ولن ترى مناظرة كتلك التي كانت بين محمد اركون ورجل الدين الذي هزمه فقط

لان لغه محمد اركون العربية الفصحى اضعف من ان يناظر

فلو كانت بالعامية لكان شيئ اخر


توفيق الحكيم واللغة العامية


قبل عشر سنوات قراءت لاول مرة رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم

فقد نصحني احد اصدقائي باني لو اردت ان اتعلم اساسيات الكتابة المسرحية

علي ان اطلع على اعمالة قبل شكسبير لانة اسهل واقرب للفهم على حد علمه فذهبت الى مكتبة المتنبي

وسالت موظف المكتبة عن اجمل كتب توفيق الحكيم لاني اثق في رأية فاشرالى برواية عوده الروح

اشتريت الكتاب وعدت الى المنزل وكلي شغف في قراءة الكتاب وقبل ان اشرع في القراءة استاذنت من امي بان تصنع لي كوب القهوه الذي احب

مسكت الكتاب الاسود بكلتا يداي كان مغلف بغلاف بلاستيكي شفاف يعكس ضوء الغرفة الخافت

مزقته برفق كم اعشق رائحة الكتاب بالخصوص لوكان جديدا

اخذت انظر الى صورة توفيق الحكيم بكل احترام واجلال

رجل في السبعينيات يعتمر قبعه على طراز الرسامين الفرنسين وفوقة معطف صوفي يكلف ثورة تخيلت نفسي مكانة

فتحت اول فصل وشرعت بالقراءة فصدمت فقد اكتشفت انها رواية باللغة العامية شعرت بغضبا شديد

لاني كنت اظن ان الفصحى فقط هي لغة الادب اما ما سواها فهو شيئ سوقي لايستحق حتى الجهد

كم كنت غبيا لأني فوت على نفسي قراءة كنز من كنوز القرن العشرين بسبب تبجحي بالفصحى
بعد ثمان سنوات وبعد تحرري من سحر اللغة الفصحى اخذت ابحث عن كل تلك الاعمال المهمه التي باللغة العامية

فوجدت نفس الكتاب عودة الروح امامي وقد غطاه الغبار نفضت التراب بمنديل

وشرعت اقراء ولم اصدق ما قرات


فقد استطاع الحكيم ان يجعلني اعيش الرواية بكل حذافيرها كانت الحبكة مشوقة والقصة قريبة من النفس فضاءها هوالزمن الجميل لمصر

قبل ثورة سعد زغلول باشا

اذا مالذي جعلني التهم الكتاب خلال ساعات

ماهو الشعور الذي التمسته من قبس نار توفيق الحكيم

انها اللغة العامية التي جعلتني اتعاطف او اغضب من بعض شخصوها

فعندما وصف عمته في الرواية شعرت تجاهها بعطف وشفقة

كيف تكونت لدي كل تلك المشاعر اليس لانها كتبت بالعامية

اي قريبة جدا مني قريبة من اللاواعي قريبة من ذاتي اكثر من لو انها كانت بالفصحى



محمد السبيعي

2016


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

مقدمة لتاريخ الموسيقى الغربية الكلاسيكية - القرون الوسطى

06-شباط-2016

اللغة العربية العامية ونظرية المعرفة

30-كانون الثاني-2016

اللغة العربية العامية ونظرية المعرفة

30-كانون الثاني-2016

فصول من رواية العلاج بين يدي الشيخ

22-نيسان-2014

الشجرة المقدسة ـ قصة

02-تموز-2012

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow