Alef Logo
المرصد الصحفي
              

السيرة الضاحكة للخوف!

منذر المصري

2017-09-30

1- (على الله)
يتباهى عمي، أبو زوجتي، بوصوله لسن المئة، مكذباً التاريخ الوارد في بطاقة هويته:1924. فمن الطبيعي، تلك الأيام، يقول، أن يتأخر الآباء في تسجيل أبنائهم بضع سنين. وقد اكتسب عمي (أبو كروان) خلال هذا العمر، حكمة عميقة، لا يبخل بتقديمها لي كلما حدث وقمت بزيارته، في محله لبيع المنظفات والمواد الغذائية، ساحة الشيخ ضاهر، وسط المدينة، أو في بيته، الذي لا يبعد أكثر من خطوات عن بيتي، ورغم ذلك فهو لا يزورني أبداً، لسبب وحيد، هو أنه لا يزور أحداً، ولا حتى ابنه الوحيد الساكن تحت بيته. صادفته، ذات مساء، أنا زوج ابنته منذ 30 سنة، قادماً باتجاهي، فألقيت عليه التحية:"أهلين..عمي". أجابني:"أهلين جار".
ولعلمه أنه لدي أصدقاء ومعارف شتى، عكسه تماماً، فقد رغب بتنبيهي لأمر في غاية الأهمية، وهو أنه يتوجب علي، هذه الأيام، ألاّ أثق بأي شخص:"جارك.. صديقك.. أخوك.. إذا سألك عن رأيك فيما يجري في البلد، قل له، كما أقول أنا، خذها مني: "على الله". ولأظهر له اهتمامي، وقناعتي الكاملة بكل ما قاله، كعادتي دائماً، سألته: "ومارأيك أنت.. يا عمي؟". رمقني بتلك النظرة، وأجاب بحزم:
"على الله".
2- (أمريكا والسعودية تراقبان هاتف ن.ل)
(ن.ل) روائية معروفة، تضمنها كتاب 100 امرأة في تاريخ سوريا، لكنها اليوم، خارح دائرة الاهتمام، فللعمر حقه، وقد شارفت صاحبة أبكر رواية سياسية سورية: (مشانق سميراميس)، على نهاية العقد الثامن من عمرٍ قضته في الأدب والثقافة و.. التمرد، دون زوج وابن و..صديق، فالجميع أعداؤها، ويدبرون لها المكائد. ثم جاءت، ما تسمونها (ثورة)!.. تقول، لتطفئ حياتها، كما أطفأت البلاد وحولتها إلى عنوان روايتها الأخيرة: (أرض الليل). تحيا وحيدة في بيت قديم عالي السقف وكالح الجدران، ترتاب بكل من حولها، فهناك من يدس لها السم في الملح، ويستخدم المرحاض في غيابها، تعرضت للخطف مرتين...!، وإذا رغبت بالاطمئنان عليها، فليس الاتصال الهاتفي الطريقة المثلى لذلك، لأنها متأكدة، ولديها عشرات الأدلة!، من أن هاتفها موضوع تحت المراقبة!؟:
-"ومن يراقبك؟"
-"الجميع.. الجميع"
-"سيدتي... يستطيع النظام مراقبتك، فهو يتحكّم بالمقاسم والخطوط، ولكن المعارضة ليس لديها أية إمكانية داخل البلد".
تفنجرعينيها وتقول:"منذر...إذا أرادت أمريكا والسعودية مراقبة خط (ن.ل).. ألا يستطيعون!؟".
3- (الخالات الثلاث تحت المراقبة)
سمعت نبأ خطوبة قريبة لي، في الخارج، فرأيت من الواجب تهنئة خالاتها الثلاث، اللواتي يعشن على رواتبهن التقاعدية، في بيت موصد الأبواب والشبابيك دائماً، فإذ بأصغرهن، وقد تجاوزت الستين بعدد من السنين، تجيبني على الهاتف، بأنهن، ومنذ زمن، على قطيعة كاملة مع ابنة اختهن، وأنهن براء منها ومن أفكارها. مما دفعني لأن أقوم مع زوجتي بزيارة مسائية للخالات، لنطيب خاطرهن، ونعتذر عن الاتصال، فكما يبدو، كان متسرعاً وفي غير محله. إلاّ أنهن، استقبلننا باعتذار شديد عن ردهن الجاف وغير اللائق، فهن سعيدات جداً بخطبة ابنة أختهن، مهما كانت أفكارها ومواقفها، التي، حسب علمي، لا تتعدى التعليقات الساخرة على الفيس بوك، فهن يحببنها ويعتبرنها ابنتهن الأعز، إلاّ أنه لا يمكن لهن التصريح بذلك.. فهاتفهن مراقب من قبل المخابرات!؟.
4- (مفاتيح على الشجرة)
أضعت مفاتيحي، وهذه المرة، كامل مفاتيح، البيت والمحل والمرسم والسيارة. وأضعت فوقها أياماً عديدة، بحثاً عنها، ولا فائدة. المفاتيح تبخرت، وعليّ الآن أن أبدل الأقفال جميعها، وما يتطلب هذا من وقت وجهد وتكلفة. فإذ بجاري السمّان يخبرني بأن هناك سلسلة مفاتيح ضائعة لدى المصبغة القريبة من بيتي. وهذا ما حصل، لكن صاحبها وعاملتيه، أخبروني إنهم حقاً وجدوا سلسلة مفاتيح تطابق وصفي، وإنهم احتفظوا بها ريثما يسأل عنها صاحبها، لكنهم خافوا من إبقائها أكثر، كما خافوا من تسليمها لقسم الشرطة، فربما حدثت سرقة، أو جريمة، لهذه المفاتيح علاقة بها، فكان أن ارتأوا تعليقها بفرع صغير..على الشجرة المقابلة!:
-على الشجرة!..أي شجرة؟
-هذه
-على أي غصن؟
-هذا
-وأين المفاتيح؟
-في الحقيقة.. بقيت معلقة أياماً ثم اختفت، فظننا أن صاحبها رآها وأخذها.
5- (النعمة الكبرى)
مؤخراً، زرت عمي في بيته، بمناسبة داء عضال أصابه، ظننا أنه لن يبرأ منه أبداً، لكنه فعل، فقد عالجه، على طريقته المعتادة، بالصوم عن كل شيء ماعدا العسل: [.. فيهِ شِفاءٌ للناس] ن-69. يلعق منه يومياً، على الريق، ملعقة كبيرة طافحة، ترفع الجرعة عند إصابته بأي مرض؛ وجع بطن، صداع في الرأس، التهاب رئتين، أو سرطان بروستات، إلى ملعقتين، ومثلهما قبل النوم. فكانت فرصته الأخيرة لأن ينقل لي خلاصة حياته: "يابني..لا يوجد نعمة أكبر من نعمة الخوف"!؟..

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

السيرة الضاحكة للخوف!

30-أيلول-2017

: هل كلّ السوريين في الخارج خائنون وفي الداخل موالون

03-أيلول-2016

وقت بين الرماد وحديقة قصر الماء في (سيت)

10-تشرين الثاني-2010

منذر يرد.. الشعر العربي الآن لا شيء يموج على صفحته، ولا شيء يغضّن جبينه.

18-كانون الثاني-2010

الشَيطانُ الَّذي يَحيا في فَمي

04-أيار-2009

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow