Alef Logo
ضفـاف
              

نوار بلبل سلالة مسرحية مستمرة

فارس الذهبي

2017-11-04


نوار بلبل ممثل ومخرج سوري يمشي مع طيف هاملت في العراء العربي

حينما نتحدث عن نوار بلبل الممثل والمخرج المسرحي فإننا نتحدث عن سلالة من المسرح السوري الصافي النقي، تلك السلالة المستمرة منذ ما يقارب الخمسين عاماً، مع اتخاذ صانع المسرح والكاتب والمخرج القدير فرحان بلبل من مدينة حمص منصة كبرى لإنشاء مسرح طليعي ومتميز خاص كانت البداية في بلد لا يعترف إلا بالمركزية وبأحادية المنهج والرؤية، وحتى أحادية الخشبة المسرحية التي كرست واحتكرت في مؤسسة مديرية المسارح والموسيقى في العاصمة.

وكان لزاماً على أيّ مسرحي شاب أو طالب احتراف المسرح أن يشق طريقه إلى مدينة دمشق ويقدم أوراق اعتماده لدى مديرية المسارح فيها كي يستطيع الانخراط في العملية المسرحية المربكة والمعقدة في سوريا، حيث يتم تعاطى المسرح مع الجمهور المخدر أصلاً والمبعد عن الفعل والفضاء العام.

كان على سبيل المثال ولا الحصر فواز الساجر المخرج المسرحي وصاحب المنهج الكبير، وهو أصلاً من مدينة منبج، وكان سعدالله ونوس أعلى وأوضح صوتاً في الكتابة المسرحية الصدامية في سوريا من طرطوس، وكان كتّاب آخرون مثل مصطفى الحلاج ووليد فاضل ووليد مدفعي وممدوح عدوان أسرى بوابات المسرح، حيث يخرج الكاتب والمخرج والجمهور برفقة بعضهم البعض يسيرون بقرب الجدار ويطلبون السترة من الأجهزة التي تراقب، بعد أن أشعلوا الصالة بما يشبه المظاهرات، حيث يوضع المتلقي أمام جرعات من المواجهة مع واقعه اليومي متأملاً في مصيره وعلاقته مع محيطه الأفقي والعمودي.


بعيدا عن العاصمة

لكن ذلك كان يحدث في مدينة دمشق فقط، بينما يصغي المهتمون في عموم الجغرافيا السورية بشغف لأصوات التصفيق هناك من بعيد، وكان الصوت غالباً لا يرجع الصدى.

في ذلك الوقت اختار فرحان بلبل أرضاً خصبة، مدينة حمص التي كانت من أوائل المدائن الشامية التي تلقفت الفنون والآداب، حيث كان من المعروف عنها خروج أهلها عن بكرة أبيهم لمتابعة عرض مسرحي أو مشاهدة فيلم سينمائي، أو حجز كرسي في صالة ضخمة لمناقشة أدبية أو فكرية.

في تلك المدينة حيث كان الرائد المؤسس داوود قسطنطين خوري قد مهد الطريق، وتلقف منه تلميذه فرحان بلبل الشعلة وبدأ في تأسيس ما عجزت عنه مؤسسات الدولة، ألا وهو تمهيد الطريق لإنشاء فرقة مسرحية محترفة مكونة من هواة وعشاق هذا الفن البديع، وعليه دق فرحان بلبل نهضوي المسرح أساسات التقاليد المسرحية في حمص العدية، واخترق جدار الصمت والتهميش المفروض عليها فنياً وعملياً أسوة بباقي المدن السورية المنتشرة حول العاصمة، حيث يتركز الفعل فقط. فأطلق في بدايات عام 1973 ما عرف حتى اليوم باسم “فرقة المسرح العمالي في حمص”.

نوار بلبل يطور عمله باستمرار، بدءا من تأسيسه "فرقة الخريف" رفقة شريكه الممثل والمخرج رامز الأسود، حين أطلق الاثنان عرضين هما "حلم ليلة عيد" و"المنفردة" جابا فعليا أهم مهرجانات العالم وحصدا عددا كبيرا من الجوائز المسرحية على صعيد التمثيل والإخراج والأداء

التمرد على الأيديولوجيا

في تلك الفترة كانت الأفكار الاشتراكية واليسار يقتحمان بلا هوادة رؤوس وعقول المنظرين والفنانين والمثقفين والمفكرين وبلا أدنى شك المسرحيين المؤمنين بحق بتلك الأفكار. وكانت الواقعية الاشتراكية هي المنهج العام السائد للتعبير عن أفكار المهمّشين والطبقات الكادحة لتحقيق قسط ما من العدالة الاجتماعية والمساواة التي كان البلد يغلي بصمت من أجلها، حيث كان العمال والفلاحون ممن قامت ثورة الثامن من آذار باسمهم، يشعرون بعدم توافق وتلازم التنظير السياسي مع العمل الميداني، وبأن الدولة أخلت بعهودها معهم مجدداً.

انبرى المؤمنون بحق بتلك الأفكار لكسر إرادة الدولة وتأسيس ما عرف في سبعينات القرن العشرين بالمسرح العمالي في كل من حلب وحمص كتجارب تقدمية تطبيقية ميدانية لدفع النظرية نحو الشعب (أو على الأقل ما تبقّى من شرائحه المتماسكة)، ودمج الحالمين مع الحلم، وكانت المفاجأة المرعبة هي في نجاح هاتين التجربتين اليساريتين في كلتا المدينتين بعدما التف العاملون من ممثلين وموظفين وعمال وهواة وأساتذة مدارس حول فرحان بلبل ليعملوا مع بعضهم البعض لتحويل الفكرة إلى حقيقة.

كانت العروض تتالى سنوياً وبنجاح جماهيري كبير في مسرح حمص المركز الثقافي، عروض ونصوص من العالم قدمت للجمهور الحمصي ومن ثم اندفع فرحان بلبل لكتابة وإعداد نصوص أكثر دقة في توصيف الحالة السورية وتقديمها وتشذيبها على الخشبة وأثناء البروفات، فقدم روائع مسرحية عرفت في سوريا فيما بعد من مثل “الممثلون يتراشقون الحجارة” و“القرى تصعد إلى القمر”، في مختبر مسرحي حيّ ومباشر مع فرقته التي أصبح الجمهور الحمصي يدرك تقاليدها وأعرافها.

لكن كانت الحالة الاشتراكية في أوج نموذجيّتها في تلك العروض حيث الفرقة التي تعمل طوال السنة على البروفات تمول العروض بنفسها بعد دعم لا بأس به من النقابة ومن ثم تحاول من الإيرادات البسيطة تهيئة المناخ المناسب لتبنّي العمل المسرحي القادم، بل ويتحدث أعضاء من تلك الفرقة الهامة في تاريخ المسرح السوري عن ذهاب أعضاء الفرقة بعيداً في نمذجة عملهم حتى خارج الخشبة والبروفة، أي في الإجازة الصيفية والحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية، حيث كان النظام المالي لأعضاء الفرقة اشتراكياً حقيقيا، دون أيّ فساد أو خيانة، كما تعوّدنا في قراءة تاريخ أيّ فرقة مسرحية أو فنية، وكان الفائض المالي لأعضاء الفرقة هو ما يحدد مواعيد اللقاءات الاجتماعية والمناسبات التي كانت أيضاً بتمويل من الأعضاء، وحتى الإجازة الصيفية التي يشترك فيها أعضاء الفرقة مع أسرهم في الساحل السوري في طرطوس القريبة من حمصهم.

الزمان الصادق كانت فيه العروض المسرحية متجانسة بين الفكرة والمنهج وبين التنفيذ والتطبيق. وكان الأهم برأيي في كل تلك التجربة هو تأسيسها لتقاليد مسرحية ترسّخت في حمص كمجتمع وكمدينة وكسلطة سياسية باتت تتجنب التعاطي الأمني مع الفرقة لمعرفتها بقدرة الفرقة على اختراق البنى المجتمعية وتسييس رأي عام وثقافي في عموم المدينة.


مسرح بلبل يبدو وكأنه ينتقل بفرقة المسرح العمالي الحمصية السورية كاملة إلى ذلك المركب الذي ضم في جنباته سيرفانتس وموليير
ومن تلك الفرقة انطلق أغلب فناني المسرح الحماصنة، ومن كواليسها وعلى مدرجات عروضها تكونت ذهنية وعلاقة الإنسان الحمصي مع المسرح ومع السياسة والأدب والفن. ففي بلد كسوريا لا يمكن لأيّ فعل أن ينأى بنفسه بعيداً عن السياسة، وحتى إن كان النأي بحد ذاته هو المقصود، فيكون دلالة سياسية أيضاً.

فمنذ العرض الأول للفرقة والمعنون بـ“الحلّاج” والذي أدّى فيها أدوار البطولة عبدالقادر الحبال وأحمد منصور وعمر قندقجي وأكرم خزام وبسام شاويش وفاطمة الضميراوي وعبدالكريم عمرين وصباح الضميراوي وعاصم مدور وباسم الخطيب، كان التسييس والدلالة والترميز محور العمل الفنّي للفرقة التي تمدّدت وتقلّصت طوال سنوات السبعينات من القرن الماضي ولاقت تهميشاً ودعماً متفاوتا وصولاً لإنشاء مهرجان حمص المسرحي عام 1988 والذي كان شرارة ومدماك إعلان مسرح حمص كعلامة فارقة في المشهد المسرحي السوري عامة.


صلابة المسرحي الوالد

من ذلك الرحم وفي تلك الصالات والأجواء وتجارب الأداء والبروفات الطويلة الممتلئة بدخان السجائر والضحك والرقص والشجار وهدوء شوارع حمص ليلاً، ربّي ونشأ نوار بلبل، الذي قرر ألا بديل عمليا لحياته إلا في هذا المجال الذي كبر وهو يحضر عروضه، مسرحيةً تلو الأخرى.

ولكنه ما استطاع أن يكون صلباً كوالده في مقاومة المركزية واختيار حمص كمركز لفعله المسرحي، فامتصته دمشق بزهوّ معهدها العالي للفنون المسرحية الذي درس في كنفه وعلى أيدي أبرز أساتذة المسرح في عهده الذهبي، فبرز في رائعة المخرج العراقي عوني الكرومي برفقة زملائه في عرض التخرج البارز “عرس البرجوازي الصغير” الذي حقق نجاحاً فائقاً نسبةً إلى كونه عرض تخرّج دفعة مسرحية في داخل أسوار المعهد العالي للفنون المسرحية.

ومن “العرس” إلى “فرقة الرصيف” جاب نوار عدداً من دول العالم وهو يقدم مونودراما “إسماعيل هاملت” وبعدها “ذاكرة الرماد” من إخراج رولا فتال. وبذلك كان الابن يحقق تمرده ومعارضته المسرحية شكلاً ومضموناً عمّا ربّي عليه، وكان تطبيقاً عملياً لأفكار أبناء جيله في رفض كل الأيديولوجيات والعودة والانتصار للإنسان وهمومه الصغيرة وأحلامه الكبيرة، ومن “فرقة الرصيف” إلى تأسيسه “فرقة الخريف” برفقة شريكه الممثل والمخرج رامز الأسود، حيث أطلقا عرضين هما “حلم ليلة عيد” و“المنفردة” جابا فعلياً أهم مهرجانات العالم وحصدا عدداً كبيراً من الجوائز المسرحية على صعيد التمثيل والإخراج والأداء.

ولكن كل ذلك كان قبل عام 2011 الذي شهد انطلاق الانتفاضة السورية كجزء متمم من الربيع العربي الدامي الذي قلب كل الموازيين والمفاهيم، وبعد انفراط عقد “فرقة الخريف” كنتيجة لما حدث ولتهجير نوار عن دمشق وحمص، انقلب سليل العرق المسرحي الأصيل فنياً وبشكل كامل، وفي حالة إشراق وتنوير مسرحية، قرر إرجاع العمل المسرحي إلى أهله، والعودة بالمسرح من المهرجانات وبهرجة العالم إلى خيم اللجوء والأطفال حيث المسرح في أعلى حالاته لا يتعدّى كونه ترفاً ورفاهية في ظل انشغال الأهالي بالمأكل والتدفئة ومبادئ الحياة الأساسية.

حيث عمد نوار إلى صدم عوالم اللجوء واللااستقرار بأكبر تقاليد مسرحية على وجه الأرض فأنجر عمله الأهم في مخيمات اللجوء والمعنون بـ”شكسبير في الزعتري” والذي شكل صدمة كبيرة كما أراد هو في المصادقة على أن الإنسان والمسرح يتفقان في أصعب ظروف المعيشة وأقسى شروط الثقافة وهي ثقافة اللجوء، واستطاع برفقة مئة طفل جعل هاملت يسير بين خيم اللاجئين السوريين في مخيم الزعتري الشهير وجعل صرخات الملك لير مسموعة في كل الأرض انطلاقاً من خيمة صغيرة مهملة فيه.

رائعة المخرج العراقي عوني الكرومي "عرس البرجوازي الصغير" تعد الباب الذي حقق نجاحا فائقا لنوار بلبل. ومن بعدها "العرس" ثم "فرقة الرصيف" ليحقق الابن تمرده ومعارضته المسرحية شكلا ومضمونا عما ربي عليه، وكان تطبيقا عمليا لأفكار أبناء جيله في رفض كل الأيديولوجيات والعودة والانتصار للإنسان وهمومه الصغيرة وأحلامه الكبيرة

رحلة روميو وجولييت

بعد الزعتري انطلق بلبل إلى دار الجرحى وفيه أنجز “روميو و جولييت” بين عمّان وحيّ الوعر، حيث كسر عبر خدمة السكايب حصاراً كان خانقاً على ذلك الحي الحمصي، فعاد إلى مدينته الأثيرة في مسرحية افتراضية تكون فيها جولييت في حمص و روميو في عمان حيث يقيم، بعد هذا العرض توجه بثقة إلى قصص اللاجئين وعرض “سفينة الحب” الذي قدمه في المركز الثقافي الفرنسي في عمّان ليسجل عرضاً عن فرقة مسرحية تعتلي مركباً للهروب إلى أوروبا وعلى هذا المركب تقوم بأداء مجموعة من العروض العالمية التي تدربت عليها، وكأنه ينتقل بفرقة المسرح العمالي كاملة إلى ذلك المركب الذي ضم في جنباته سيرفانتس وموليير وأرستوفان وجولدوني وصولاً إلى غوته الألماني، حيث يغرق الجميع في النهاية كما غرق المسرح السوري بكل أحلامه وتجاربه في خضم غرق المجتمع السوري أيضاً في فوضاه الناجمة عمّا يحدث في سوريا.

في ذلك السياق الممتد من فرحان إلى نوار بلبل نجد قراءة طويلة وتسجيلا وثائقيا لمراحل تطور المسرح السوري منذ سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم، نستطيع قراءة مراحل تطور هذا الفن عبر هذه السلالة المسرحية النبيلة، فمن الواقعية الاشتراكية وصولاً إلى تشرد الفرقة المسرحية وركوبها سفينة للوصول إلى أوروبا نقرأ حال المسرح والمسرحيين كما حال الإنسان والمجتمع السوري، وهكذا بعد أن طوّب فرحان بلبل حمص من مدينة مهمشة في زمن الاستبداد الأول إلى عاصمة للفن المسرحي في سوريا، كسر نوّار الابن الحصار عنها في مسرحه المغترب وكله شوق لها، ليعود إليها بمسرح مختلف تماماً ليتمّم سلسلة تطور المسرح الحمصي كما تراها هذه السلالة.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

نوار بلبل سلالة مسرحية مستمرة

04-تشرين الثاني-2017

ملحمة بين النجوم وسؤال الدين والعلم ...

27-كانون الأول-2014

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow