Alef Logo
ابداعات
              

سانتا

غياث منهل

خاص ألف

2017-12-09

بدأت مؤخرا بالتعود على سرد الحكايات للصغيرة قبل النوم. أحاول أن أعطي هذه المهمة الروتينية مساحة من الجدية. جزئيا أعتبرها تمرينا لنفسي في اختلاق القصص وتركيبها، وهي مهمة تبين إنها مختلفة تماماً عن اختلاق القصص على بياض الأوراق والشاشات. صغيرتي المشاكسة لا تسمح للتفاصيل أن تختلط ببعضها البعض. لا تسمح لملاحظات جانبية غير مهمة أن تستطرد. لا تترك دقيقة خالية من التشويق تأخذ حصةً من وقت قصتها الثمين. تتدخل معدلةً التفاصيل، تسألني عن معاني الكلمات المستعصية عليها، تتأكد من معاني كلمات سبق أن شرحتها لها. تراجع معي تفاصيل أخرى كلما بدت رثة الترتيب غير متسقة. تتسائل عن وجوه أشخاص قصتي الخياليين وملامحهم. تربط كل ذلك بمن تعرفه من أبطال عالمها الصغير. تقارن وتستنتج، تمهدُ للخلاصات التي تتلائم مع ما تتشوق له أكثر وتعدلُ النهاياتِ التي لا تعجبها عادة.
منذ أيام وهي تلحُّ على أن يأتينا سانتا كلوز إلى المنزل. أحاول عبثاً إقناعها بأنه هناك في أماكن أخرى من العالم حيث الكثير من الأطفال الجياع في مخيمات الدول الفقيرة، يفعل اشياءَ أهم من تغليف لعبتها المفضلة وتوصيلها. لكنّها تصرُ على أنّ عليه أن يأتي رغم كل شيء. لعبةَ "فروزن" باكياس العيد اللماعة لا تكفي. على الشيخ البدين بلحيته الثلجية وخدوده الموردة أن يحضر شخصياً ليكتمل العيد. البارحة أخَذَتِ القصةُ مساراتٍ ملتوية وهي تكررُ سؤالها لي عن وجه سانتا الذي أتحدث عنه. قفَزتْ إحدى تعليقاتي غير المناسبة إلى متن النص، كنتُ أحاول أنْ أرسلَ رسالة مخاتلة للاوعيها البض: "ليس على سانتا أن يكون أبيض الشعر موردّ الوجه، يمكن لسانتاك هذا أن يحمل اسماً آخر، بابا نؤيل مثلاً كما كنا نسميه". حاولتُ التراجع عن هذه الملاحظة الهامشية بعد أن غيرتْ ملامح وجهها حزناً وغضباً على بطلها الحبيب. لقد قلتها بصوتٍ عالٍ اذن، لم أكن أحدث نفسي فقط. ندمتُ على ما فعلته بها، حاولت الاعتذار. لا نملك نحن الملوثون بالشكوك والاسئلة إلا أن نزرعها في أذهان غيرنا، نحسب أننا نحسن صنعاً بتعليمهم. ننثرها حولنا في كل شيء علّها تثمر شيئا بلا اكتراث لما نخلفه من آثار. البياض ليس هو النمط الافتراضي، كنت أريد أن أقول لها. نعم ربما لم يكن من الضروري تعليمها إنه واحد من بقية الألوان لا غير، قلتُ لنفسي مؤكداً رجاحة ما فعلته بقصتها. بإمكان سانتا أن يكون سانتا بلا وجهٍ وردي وشعرٍ أبيض. لا حاجة لتوضيح أن كل تلك المحاولات لم تجدي أمام إصرارها على أنّ سانتا هو سانتا ولتذهب وجوه قصصك الأخرى إلى الجحيم.

تتضاءل مشاكساتها كلما ازدادت نعاسا، كذلك تتضاءل محاولاتي للسيطرة على القصة وتوجيهها، تنساب الأحداث وتستطيل عندما أتعب، تسقط بعضها اعتباطاً وتتولد غيرها بلا اتفاق. حاولت جاهداً ابتكار نهايةٍ سعيدة للقصة قبل أن تغفو تماما، يسهل الأمر قبل أن تتشابك خيوط القصص عادة. دائما ما تخاتلني النهايات المتشابكة وينتهي الموقف بأن ينام أحدنا قبل الآخر. تاركا أطراف الحكاية معلقة على شباك النهايات المفتوحة.

وجدتها البارحة تهزني بشدة لتذكرني إنني كنتُ قد تركت سانتا على الطريق السريع بعد أن تعرضت عربته لحادث بسبب تناوله كمية مفرطة من الحلوى قبل النوم. هل كانت الحلوى هي السبب؟ هل كان حادث سيرٍ أم عبوة ناسفة على جانب الطريق؟ لا أتذكر بالضبط. تختلط الأمور عادة في مثل هذا الوقت.
تعطلت بنا السيارة ونحن نبحث عن الرجل العجوز وسط الغابات الغارقة بالثلوج. أغراني منظر الثلج اللامع تحت النجوم وأضواء الطريق السريع وعدم قدرتي على فعل الكثير باستراق النظر إلى حزام التلال الساحرة التي تحيط بالبلدة الصغيرة التي انتقلنا إليها قبل مدة. طالما سحرتني هذه التلال الخضراء صيفا، الرمادية شتاءا، والبيضاء هذه الليلة. لم أتذكر متى بدأ الثلج بالتساقط. لا أتذكر بداية شيء عادة. كنت غارقاً في أحد أحلام يقظتي (على ما أظن) عندما أدركت إنني مزقت إطار إحدى العجلات منذ وقت طويل. ركنتُ السيارةَ على مدخل طريقٍ ترابي لا يبعد كثيرا عن قريتي الصغيرة الغافية على شط الدغارة وسط بساتين نخيلٍ لا تشبه غابات الغرب الامريكي الاوسط هذه بشيء. لا أدرى ما الذي جمع المكانين الليلة. كنتُ قد توقفت منذ زمن طويل عن عقد المقارنات اللا مجدية بينهما. لا فائدة. أنت هنا الآن وهذا ما يهم. لم أنزلق أو أرتطم بشيء. لم أفقد الوعي أو أتسلل إلى حلمٍ ما. كان كل شيءٍ حقيقياً بما يكفي. حقيقيٌ كفلمٍ متسارعٍ لا تلحق أن تفكر خارجه للحظة. أدعي إنني أجيد إدارة أحلامي عادةً، أتقن الإنتقال بين بعدٍ لآخر من أبعاد هذا الوجود المشتت، لكنني مظطرب التفكير الآن. لا يشبه نهر البوفالو شط الدغارة من قريبٍ أو بعيد. لا يشبه الثلج هنا مستنقعات الطين التي تخلفها زخة مطر نادرة هناك. لكنّ برد الشتاء مشابهٌ لبعضه على أية حال. أن تتعطل بك السيارة في مكانٍ منقطع هناك هي تجربة ليست بعيدة تماما عن حادث مشابه على الطريق السريع 49. تنتظرك الوحدة القاتلة وجها لوجه، حاجتك المخيفة للآخرين. الإنسان كائن محتاج في أحد تعريفاته. وجودك تحدده شبكة حاجاتك، مجاملٌ بطبيعتك، منافق إذا دعت الحاجة، لكنك وحيدٌ بامتياز. تشعر بأنك عارٍ وسط برد لم تعرف له مثيلاً. على أحدهم أن يتوقف ويفعل شيئا في النهاية. هذا ما حصل معي مرارا. عرفّتني حوادث الطرق وقد عشت بعضها على معادن البشر. أوقَفَتِ السماء لي أمريكيين ومكسيكيين. أوقفت لي سكيرين وشرفاء، عرض الجميع مساعدتهم فيما أتذكر. ليس لي بعدها أن أطلق حكما على هذا أو ذاك. أعادت السماء إيماني مرةً وقد حصل لي حادثٌ مشابه. طلبت من أحدِ السكيرين الذي عرض علي المساعدة يوما أن يذهب سريعاً، كنت مرتبكا من شخصه المضطرب أولاً، لكنني أشفقت عليه عندما أدركت إنه كان يريد مساعدتي وحسب. أخبرته أنني كنت قد طلبت مساعدة الشرطة قبل توقفه. إرتبك الشاب الأمريكي الأبيض، كان رث الملابس مضطرب التصرفات، رائحته سيئة وأثر الحشيش بادٍ عليه.

"هل تعني أنّ الشرطة قادمة إلى هنا؟ اللعنة يا رجل، أنا ذاهبٌ من هنا، كنتُ أريد مساعدتك فقط."

" لا عليك،" ودعته باسما وقد استعدت إيماني بالإنسان، أعادت السماء ثقتي بالأرض. لم تأت الشرطة اللعينة ليلتها. كان علي الإنتظار لوقت طويل قبل أن ينقذني متطوع آخر. تمنيت أن أردها لأحدهم يوما، الإنسان هو الإنسان، والسماء هي السماء. لكن سماء الليلة قاسية البرد. "سوف يأتي من يمد يد المساعدة بالتأكيد،" حاولت طمئنة نفسي ومن معي. المشكلة إننا خرجنا لتقديم المساعدة لأحدهم أصلاً، هذا ما أتذكره. البرد هو البرد، لا أدري لمَ خرجت في جو مضطرب كهذا فانا عادة ما أفضلُ دفءَ الاسرّة وحميمية الأحلام الهادئة. بإمكان الأحلام فعل الكثير دون المجازفة. بإمكانك أن تبقى دافئا على الأقل. سيأتي أحدٌ للمساعدة حتما. حلمتُ بدفئ الفراش بعد أن ينتهي كل هذا. لم تكن السيارة باردة تماما في بداية الأمر. أدركت بعد قليل إنني لوحدي هنا، وإن ضمائر الجمع في الجمل السابقة افتراضات لم تتحقق، لا أدري مالذي جاء بها. لا أدري إن كنت قد اصطدمتَ بوعلٍ شاردٍ أو إنّ الإطارات التي كنت قد استبدلتها قبل شهر قد انزلقت بسبب الثلج فأصابها حجر ما. حذرني أصدقائي الذين كنت معهم قبل قليل من القيادة في الثلج. زوجتي لا تحب السياقة في الليل. وأنا كذلك. أفضل دفء المنزل عادة. أفضلُ اختلاق القصص للصغيرة وتصديقها. لا يسقط الثلج في قريتي والقرى المجاورة عادة. يكفي الحديث عنه لتخيله. لكنني أرتجف منه الآن. لا مكان للثلج هناك. لا أدري لم أصرُ على استحضار الهنا والهناك. ربما الحنين إلى لهيب الصيف الحارق. قليلٌ من صيفك ذاك يا رب. قليل منه على هذا البرد. قليل من دفئ أولئك الناس وبرد هؤلاء. لمَ لا يتوقف أحدهم الآن، مرت سيارات عدة، اكتفى البعض بتخفيف السرعة قليلا قبل تغيير رأيه، لوكنت هناك فقط لوقفت لهم في وسط الشارع، لم يكونوا ليتركوني هكذا. لكن هؤلاء ليسوا بأسوء من أولئك. لن يتوقف أحدهم لغريب هكذا، ليس في أيامنا هذه. هنالك الكثير من الدماء والضجيج والصحراء المتعطشة لكل شيء. وهنا الكثير من الضجيج في نهاية الأسبوع هذه. الثلج عالم آخر بالنسبة لي كان علي اكتشافه. الثلج يطمر قلوبهم كما يفعل لنوافذ سياراتهم المسرعة. كانت تجربة مثيرة أردت بغباء خوضها. لا أعرف لماذا كنتُ وحدي هذه المرة. كان المفروض إننا خرجنا مع بعض. خرجنا لفعل شيءٍ نبيل ما، لمساعدة أحدهم. أعتقد إن أشياء كهذه مازالت تحدث. لنفترض أنّ أحدهم ينتظر هناك محاطاً بالثلج وألعاب الصغار المبعثرة. حياة أحدهم مهددة بالخطر بسبب إطار سيارة لعين، ينبغي فعل شيءٍ إزاء هذا. هذا ما أردت فعله، وهذا ما قادتني اليه قدماي، هذا ما قادتني إليه أخلاق قريتي ودفؤها الذي لم يفارقني.

وجدتُ الشيخَ الهرم بلحيته القذرة ينتظرُ على جانب تلٍ من الطين اليابس الذي تخرجه الحفارات الزراعية وهي تعيد شق جدول الماء الصغير الذي يروي حقولَ القمح والمراعي المتناثرة على امتداد شريط الأفق الذي تصنعه بساتين القرية البعيدة. لا أفقَ هنا ولا نخيل. جبال الأوزارك تحيط بالبلدة الغارقة بغابات البلوط والثلج. يبدو إنه اصطدم بما اصطدمت به سيارتي قبل قليل. عرفت هذا بعد أن قررت التخلي عنها التوجه إلى البلدة مشياً. أعرف هذا التل الذي ينبشه الشيخ جيدا، نفسه التل الذي صَنَعته الحفارات. قريتي هنا. تاريخي مدفون في هذا الطين الذي لا أدري ما الذي جاء به الساعة حولي. يبدو أن العجوز يبحث عن شيء في هذا الطين. يبدو أنه متأكدٌ من وجود شيء ما. وجدته منهمكاً يحفر بيديه العاريتين ويزيح التراب. سألته عما يفعل. همهم لي وهو يرتجف. طلبَ مني بإشارة أن أشاركه البحث. استنتجت أنه يخبأ هداياه لأبناء القرى المجاورة هنا. قال إن عربته لا تكفي لحمل الهدايا لابناء هذا النهر جميعا. لا يحفل أبناء البلدة الشقر بهدايا العجوز كثيراً. يجالسهم في المول فيلتقطون له صوراً كثيرة. تمسك صغيرتي يديه البيضاوين محاولة التأكد، "إنه حقيقي بما يكفي." تصطنع ابتسامة تعرف إنها سترضينا، تتعلق بعلب الهدايا الفارغة التي تزين مكانه. يرفض بعض الأطفال التقاط الصور معه. يجادل بعضهم بأنه كذبة يحاول الكبار استخدامها لخداعهم. لا أصدق أبناء بلدتي الامريكية عادة فيما يقولون. لطيفون جداً ومؤدبون. أطفالهم لا يشتمون حتى. كيف تصدقُ طفلاً لا يعرفِ الشتيمة! هل هو حقيقي إذن، هذا الشيخ الذي أمامي الآن، لم لم يأتي إلي إذن قبل قليل؟ تذكرت إنني جئت لمساعدته منذ البداية. تنتظر العجوزَ مهامٌ جسام في هذه البلدة إنْ أراد إضاعة عيد ميلاد آخر في هذه الرقعة من العالم. أفهم رسالته الإنسانية في الوصول إلى رقاع أخرى منبوذة، أعرف أن لديه أشباه هنا وهناك، يرتدي أحدهم بنطالا قصيرا ويقود دراجة. يفرح به الصغار وينتقل بينهم بخفة ورشاقة، يناولهم الحلوى ويأخذ التبرعات من آباءهم. لكن مالذي جاء بهذا إلى هنا في هذه الليلة؟ ربما كان هذا خطأه منذ البداية. كيف تصطحب عربةً بزلاجات ثلج الى أرض سبخة يا عم. ألا تعرف عن "السلاّبة" والسعالي وذئاب الليل هناك! كل ما كان يفعله الرجل طوال أيام السنة هو إخفاء هداياه على جانبي النهر ليسهل عليه توزيعها ليلة العيد. شكى لي من إن آليّة التوزيع باتت مرهقة لشيخ كبير مثله. لم يعد يقوى على حمل الأكياس لمسافاتٍ طويلة. لكن ما الذي يفعله غير ذلك. ليس لشيخ مثله أن يتقاعد هنا، لا يفهم قيمة لنفسه غير ما يفعله. تتبّع شغفه عندما كان يافعا كما نصحوه. "إفعل شيئاً واحداً تحبه، أتقنه. إفعله بتفان، وسوف يلوي لك العالم رقبته ليتقبل شغفك وتفانيك". آمنَ العجوز طوال عمره بما يفعله. لم يتقن شيئا آخر. ارتدى لحية صناعية عندما كان صغيرا، لكن لحيته الآن أكثر حقيقية من كل حكايات الأطفال كما أخبرني، وضع كل طاقته وافكاره في توزيع الهدايا. لم يهمّه من أين تأتي الهدايا. أهل الخير كثيرون. الآباء غالباً ما يفعلون كل شيء، لكن على أحدٍ ما أن يقوم بالمهمة الرئيسة. أن يوصل كل شيء إلى مكانه الصحيح لتستمر القصة. على أحدهم أن يقوم بذلك على أية حال. لا ينبغي أن يدرك طفلٌ في أرجاء العالم أنّ سانتا قد اختفى. كل ما عليه أن يفعله هو توزيع ما يحصل عليه. إيصال الهدايا إلى الجميع وفي الوقت المناسب.
صارحت الشيخ بأنني كنتُ كافراً بالقصة من أساسها قبل تلك الليلة.

-"."لا عليك، الجميع يعتقد ذلك، أعني الكثير منهم

ذكرت له أفلام العيد وإعلاناتها الحمراء التي سخّفَت الحكاية. حدثته عن دروس الرأسمالية التي تشيّء الفرح الساذج للأطفال وتجعله سلعةً موسمية. كان يهزّ برأسه بينما أفرغت جعبتي من أفكار عبأتها برأسي كيفما اتفق انتظارا للقاء الشيخ، انتقاما لطفولتي التي ضاعت بلا حكايات متشابهة ربما. قال لي إنك تفسدُ كل شيءٍ على الصغيرة بهذه الطريقة. كنتُ مستغرقاً بالقصة، لم أنتبه لما كان يشير إليه وهو يعضُّ على شفته الوردية المنتفخة. أجبته بامتعاض

"أنا هنا بسببك يا سماحة الشيخ." لم يفهم الكلمة قبل الأخيرة. لم أحاول الترجمة.

"من السخرية أنّ ما تفعله الآن إنسانية مقيتة في نظر البعض. الحبُ ضعفٌ وهزيمة يا شيخ. القوة الحقيقية، الحرية الحقيقية أن لا تحتاج إلى مثل هذا الحب لتحقق ذاتك. ألّا تحتاج لأنْ تثبت شيئاً، لا يكترث أحدٌ بما تفعله."

"ما الذي تهذر به؟" ينتفض العجوز بوجهي. "ألا تكتفي من هذا اللغو بدل مساعدتي! لا يحتاج الأمر إلى فذلكةٍ وكلام. إفعل شيئاً صغيراً جيداً. شيءٌ واحدٌ صغيرٌ كل مرة. هل هذا صعب؟ لا تجيدون سوى الكلام اللعين والثرثرة."

نواصل الحفرَ والتنقيب عن أشياء العجوز. يصف أكياس الهدايا إلى جانب تل ترابي صغير. يخرج عظمة حسبتها قرنَ أحدَ وعوله التي دفنها الحادث تحت كومة الثلج والصخور التي جرفها سفح التل القريب. لا يسقط الثلج من حيث أتيت. لا يزور سانتا أطفال القرى النائية التي لا أسماء لها في الخرائط. لا يعرفُ أطفالنا سانتا كلوز حتى. نستمر بالبحث. تتغير رائحة التراب. رطوبته ولزوجته هي الأخرى تزداد حدة. نُخرجُ سلةً من الأصابع المقطعة. أصابعَ صغار مازالت تمسك دميتها. أعرف الدمية جيداً كما أعرف الطين ورائحته. يزيحُ الشيخُ الترابَ عن الدمية. يخرجُ كارتوناً من كيسه الأحمر ليغلفها. يحدثني عن تدوير الهدايا والأطفال المحتاجين، عن العالم المهدد بالخطيئة. يقارنُ بين أنواع التراب الذي نسينا قيمته وفقد أثره في حياتنا. نستمر بالبحث عن أكياس الشيخ وهداياه التي يتذكر جيداً إنه خبأها هناك في أحد التلال التي لم نفتشها بعد. خبأها ليسهل عليه توزيعها على القرى المجاورة، لكنه لا يجدها الآن، ولا أكاد أجد القرى التي يتحدث عنها الشيخ.

قبل أن نستسلم للتعب والبرد، قبل أن تتمزق أيدينا. يُخيل إليَّ إنني أمسكُ حفنة من تلك الأصابع. أتلمّستها جيدا وأنا أحاول إخفاء ارتباكي. أصابع أطفالٍ صغارٍ مغطاةٍ بالدم البارد والتراب. يمسك يدي إصبعان أليفان بتفانٍ كبير، أمسح عنهما الترابَ. أقبّلهما فيختفي ثلج أمريكا وبردها اللعين فجأة. يختفي الشيخ وبزته الحمراء الداكنة. يختفي كل شيء فيما يشدّد الاصبعان تمسكهما بي. أتحسّسهما جيدا. أتحسّسُ المفاصلَ الصغيرة التي تلتف حول خنصري. ملمسها أكثرُ حقيقية من دميةٍ مدفونة وسط هذا التراب! دفؤٌ صغير بهما يشي بغير الذي أراه، تتشوش الرؤية. يزداد البرد. أزيح التراب عنهما، يمسكا بي بشدة. يطلبا مني أن أدعهما يناما بسلامٍ هذه المرة فقط. أعيد التراب بسرعة وأهز رأسي للشيخ الذي يستمر بنبش بقية التلال الممتدة إلى جانب النهر.

- "لا شيءَ هنا."

بينما كان ضوء الفجر يقترب كنا نسمعُ أصواتَ جرافاتٍ تعملِ على امتداد النهر الذي كان أقرب مما كنت أظن. لم تكن جرافات الثلج التي كنا ننتظر. لم تكن شركة الطوارئ التي اتصلنا بها بلا جدوى طوال الليل. كانت جرافات عسكرية و أخرى مدنية تحمل الكثير من الأعلام. أعلام فريق البلدة لكرة القدم. أعلامٌ سوداء وأخرى يتوسطها خنزير الولاية المقدس. كشف ضوء الصبح الزاحف خلف التلال وجه صاحبي الشيخ. لم يكن أبيضا متورد الخدين كما ظننت. لم يكن شعره أبيضاً بعد هذه الليلة الطويلة. صراحة، لا أتذكر له وجهاً محدداً، بينما كانت بزته بلون الدم اليابس.

سألتني الصغيرة عن معنى "الجرافات" و"المقبرة". سألتني عن وجوه أطفال القرى البعيدة وأسماؤهم. وقبل أن أجيبها، جرّت يداها الصغيرتان يدي وهي تطلب إخفاء دميتها عن الشيخ ذو الوجه الأحمر واللحية البيضاء.




* كاتب واكاديمي من العراق مقيم حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية


















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الوسواس الخناس

20-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

يتساءل كثيرون من قراء ألف عن سبب الأصرار على نشر الأدب الإيروتيكي، وما غايتنا منه.. أقول لهؤلاء تعالوا نتفق على أن الفجوة كبيرة جدا بين المؤمنين بالعلمانية والمؤمنين بالتحرر، التحرر...

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow