Alef Logo
دراسات
              

الطائفية وصراع المتشابهات 7

مروان عبد الرزاق

خاص ألف

2017-12-09

ثانياً: الإشكالية العسكرية

وكما التقط الشعب بعفويته شرارة انطلاقة الثورة السياسية، كذلك، ومنذ بدايات (٢٠١٢) وبالعفوية ذاتها عرف بأن هذا النظام لا يمكن إسقاطه إلا بالقوة. وكل الذين كانوا ضد هذا الانتقال، هم أنفسهم الذين وقفوا ضد الثورة منذ بداياتها، بحجة أن النظام قوي ومتماسك ولا يمكن إسقاطه، وعلى الشعب أن يبقى خانعاً ومستكيناً، حتى ينهار النظام تلقائياً نتيجة أزماته بدون عنف، أو بواسطة قوة خارجية على الطريقة العراقية.

إن الانتقال إلى الكفاح المسلح هو انتقال موضوعي في مسار الثورة، ولابد من حدوثه، وليس انحرافاً كما يراه البعض، الذين يرون أن هذا الانتقال هو الذي كان النظام يسعى إليه من أجل سحق الثورة عسكرياً، وأن العنف لا يُولد إلا العنف، والعنف لا يجلب إلا الخراب والدمار، وليس الحرية والديمقراطية. وهنا نجد أنفسنا أمام مغالطة واقعية وتاريخية أيضاً.

وبدلاً من الوقوف ضد هذا الانتقال، ووصفه بالعسكرة، والاختباء خلف شعار "لا، للعنف"، كان المطلوب من الديمقراطيين، أن ينظموا هذا الانتقال ويعملوا على تكوين قيادة سياسية-عسكرية مشتركة، وتنظيم جيش وطني ثوري يعمل على إسقاط النظام، لأن هذا النظام لا يمكن إسقاطه إلا بالقوة، بدلاً من الاختباء وراء السلمية المزيفة، واللاعنف البريء! سواء في مكاتب إسطنبول المكيفة، أو في الحديقة الخلفية للنظام.

كان المطلوب الوقوف إلى جانب "حسين الهرموش" و"لواء الضباط الأحرار"، ثم تشكيل "الجيش السوري الحر" بقيادة "رياض الأسعد" في (آب2011)، وتنظيم هذه النواة وتعميمها في كل الأراضي السورية، بإشراف قيادة وطنية سياسية وعسكرية موحدة.

نعم، إن عبارة "كان المطلوب" استفزازية وفوقية ولا معنى لها عندما نقرأ التاريخ الذي قال كلمته بانتهاء الحدث. لكن الاستفزاز وتحميل المسؤولية مطلوبة أحياناً عند مراجعة التاريخ وخاصة للذين تبروظوا في مراكز تمثيل الثورة واحتكار هذا التمثيل، واعتاشوا على أموالها، ويتباكون بعد ست سنوات من عمر الثورة، بأن الثورة انتهت وفقدنا القرار الوطني المستقل!!!

وثالثاً: الانقسام المجتمعي تجاه الثورة.

إن انفجار المجتمع وانقساماته عبر عن صراعات وتحالفات مختلفة. مثل الانقسام الطبقي بين البرجوازية المدينية وخاصة في حلب ودمشق، وانضمامها إلى النظام مقابل باقي فئات الشعب. وحتى الطبقة الوسطى، والتي ضمت الأطباء والمهندسين والمحامين، لم تنضم للثورة. وأغلب المنضمين للثورة كانوا من أصول ريفية. كذلك هناك انقسام وتناحر مناطقي توضح بجلاء مع تشكل الفصائل العسكرية.

وأيضاً انقسام بين المدينة والريف، بشكل عام، بحيث ظهرت الثورة كأنها ثورة أهل الريف. ووصف الثورة السورية بالريفية لعدم اشتراك سكان المدن الكبرى بها، لا ينقص من قيمتها، رغم أن ذلك ساهم في إضعاف عوامل نجاحها.

لكن الانقسام الأخطر الذي واجه الثورة هو الانقسام المجتمعي العمودي، الديني والمذهبي والقومي، وكان هذا الانقسام موجوداً قبل الثورة، إنما كان مستتراً بفعل القمع الأمني، وبانتظار لحظة انفجاره. ومع الثورة انفجر المجتمع إلى مكوناته التاريخية القديمة، ما قبل الوطنية: سنة، وشيعة، وعلويين، ومسيحيين، وآشوريين، وأكراد، وعرب، وتركمان..إلخ . وتحولت الثورة تدريجياً لتصبح ثورة قسم من الشعب، ضد القسم الآخر.

ومع عدم توفر إحصائيات دقيقة لهذا الانقسام، إلا أنه يمكن الاستفادة من بعض الدراسات الأولية كمؤشرات عامة، مثل المسح الاجتماعي الذي يشير إلى ان (٨٥،٩٪ من أهل السنة مؤيدين للثورة، و(٩٣،٧٪) من الشيعة والعلويين معارضين، و(٥٣،٥٪) من المسيحيين مؤيدين، و٥٣،٥٪، و٤٣،٨٪ من الإسماعيليين والدروز معارضين). (المسألة الطائفية في سوريا-مسح اجتماعي للتوجهات-اليوم التالي-ص٢٠). وهذه الأرقام عامة لا تتناقض مع رؤيتنا الواقعية المباشرة.

ومن المفيد الإشارة في المسح السابق، أنه من بين الأغلبية المؤيدين للثورة (٥٧،٢٪)، كانوا يرون أن الدافع الرئيسي للثورة هو "استبداد النظام، وسعي المتظاهرين لإقامة دولة مدنية ديمقراطية"، و(٢٨،٧٪) بسبب "التعرض للتمييز الطائفي وسيطرة العلويين على الدولة". ودلالة ذلك أن حوالي ثلث المؤيدين للثورة كانوا مندفعين بالدافع الطائفي، رداً على طائفية النظام، والذين شكلوا الأرض الخصبة لنمو الإسلام السياسي، وسيطرته على المناطق المحررة من النظام. وهذا يؤشر أيضاً إلى أن المجتمع لم يتجاوز الفظائع التي ارتكبها النظام في الثمانينيات من القرن الماضي.

وخطورة الانقسام العربي الكردي تأتي بالمرتبة الثانية، وهو لا يشبه الانقسام الطائفي العدمي. إنما الخطورة في انفصال الكرد عن الثورة، والعمل على مشروعهم القومي الخاص. وهذا بسبب العقلية الشوفينية العربية-الكردية التي تنكر الحقوق القومية للأكراد عند النظام والمعارضة، لكن النظام استطاع تحييد الأكراد، في حين فشلت المعارضة بذلك.

إن تركيز البحث على الصراع الطائفي ليس لأنه الوحيد، أو حتى الأهم. انما لأنه الأخطر. إنه صراع عدمي يجر المجتمع إلى الوراء. وعمل على تشويه وانحراف مسار الثورة. من ثورة حرية ضد الاستبداد، إلى حرب أهلية عدمية مدمرة.

رابعاً- صعود الأصولية المذهبية، وصراع المتشابهات

-١-

لم يكن صعود الأصولية المذهبية في المنطقة صدفة أو ظاهرة عارضة في الصراع الدائر. وهناك أسباب تاريخية تعود للماضي البعيد. إلى الموروث الديني القديم، والذي يتضمن تيارات متعددة بداخله، معتدلة وأصولية وسلفية إلخ .. فالأيديولوجيا الدينية-مثل أية أيديولوجيا مغلقة- كما تتضمن التسامح، والمحبة، والسلام. كذلك تتضمن أيات القتل والقتال، والفتح والجهاد، تحت شعار العودة للسلف الأوائل.

والتاريخ القريب، خلال القرن الماضي، أفرز ثلاثة منابع للقوى السلفية والجهادية، والتي شكلت الأرضية الأيديولوجية والسياسية لصعود الأصوليات من جديد. وهي: الوهابية السعودية، والإخوان المسلمون، والأيات الشيعية في إيران.

فالوهابية السعودية أرست دعائم دولة "الأمير والشيخ"، منذ أواخر القرن التاسع عشر، بموجب اتفاق بين الشيخ "محمد عبد الوهاب"(١٧٠٣-١٧٩١)، وأمير الدرعية "محمد بن سعود"، منذ (١٧٤١)، وتعاقد علني "بين سلطة زمنية وسلطة روحية، بحيث تمنح السلطة الروحية الشرعية والطاعة للسلطة الزمنية، مقابل أن تقوم السلطة الزمنية، بدعم وتمكين السلطة الروحية". (عبدالله المالكي- دولة الأمير والشيخ-الوهابية والسلفية (الأفكار والآثار-الشبكة العربية للأبحاث والنشر-مجموعة باحثين-ط١-بيروت—٢٠١٦-ص٤٩٨). ورداً على شروط الأمير بأنه على الشيخ أن "لا يتركهم ويستبدلهم بغيرهم، وأن يسمح له بالغنائم، فالأمير معتاد على أكل الحرام"، قال الشيخ "أنا أبقيك على ما أنت عليه من أكل الحرام، وأنت تتركني أسكن عندك وأقوّم الدين، فرضي ابن سعود بذلك"(الوهابية والسلفية-المرجع السابق-ص٤٩٣).

وكان للخطاب الوهابي استراتيجيتان: الأولى في مرحلة الخروج وتأسيس الدولة، ومضمونها: التكفير، والجهاد، والولاء والبراء. والثانية بعد حصول التغلب واستقرار الدولة ومضمونه: شرعية المتغلب، والسمع والطاعة، ووجوب النصيحة السرية" (المرجع السابق-ص ٥٠٠-٥٠٨).

وقد حافظ الشيخ والأمير وأحفادهما على الاتفاق حتى الآن. وحافظ الوهابيون على استراتيجيتهم سواء في الإمارة الأولى التي انتهت على يد العثمانيين في بداية القرن التاسع عشر (١٨١٤-١٨١٨)، أو عند تأسيس المملكة السعودية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى، والمستمرة حتى الآن.

وقد انضوى أحفاد الوهابيين تحت راية عبد العزيز وحرروا مكة والمدينة والعديد من المدن عند تأسيس المملكة الجديدة، للمرة الثانية. ولكن روح الوهابية القديمة كانت حية، وعادت في خضم الفوضى التي نتجت عن انهيار الإمبراطورية العثمانية. ولذلك تمردوا على الآباء، واعترضوا على الملك لعلاقته مع الإنجليز، ورسمه الحدود الجغرافية للدولة الناشئة، بحجة ضرورة استكمال القتال والتوسع لنشر الدين، واحتجاجاً على الآباء الذين يبررون للملك سياسته في بناء الدولة بأسلوب براغماتي مستند إلى استراتيجية "السمع والطاعة".

ومع أنه تم حسم الصراع عسكرياً لصالح الملك مترافقاً مع فتاوى العلماء الوهابيين الكبار-الآباء- في المملكة، ضد المتمردين في ثلاثينيات القرن الماضي، والذين أطلق عليهم اسم "الإخوان الوهابيين" أو "الوهابية الجديدة". إلا أن الصراع بين الوهابيتين القديمة والجديدة بقي مستمراً. "وهابية تؤمن بالواقعية والبراغماتية"، تعمل وفق مبدأ السمع والطاعة للملك، وتتأقلم مع تحديثاته، وتجعل من كل المعارضين، كفارا وزنادقة إلخ . "ووهابية تؤمن بالوفاء لتعاليم العهد القديم"، متمردة على الواقع القائم. والوهابيتان "وجهان لجوهر واحد، وهو إدعاء كل طرف بأنه يمثل الدين الحق، ويملك الحقيقة الدينية المطلقة"(المرجع السابق-ص٥١٢)

وفي محاولة لتفسير الازدواجية التي نلاحظها لدى النخبة السعودية في الموقف تجاه "داعش"، قسم مع داعش، وآخر ضدها. يرى "الستير كروك-(Alastair Crooke) أن الحسم العسكري ضد "الإخوان الوهابيين" (لم يؤدِ إلى موت رؤية الإخوان، إنما تراجعت، ولكنها بقيت مسيطرة على بعض مفاصل النظام، وهذا هو مصدر الازدواجية المذكورة".

(Alastair Crooke – مقالة-لا يمكنك فهم داعش، اذا لم تكن تعرف تاريخ الوهابية في السعودية- ترجمة موقع راقب "RaQeb"- http://raqeb.co/2014/08/%D9%84%D8%A7)

وبعد الحسم العسكري عمل الملك على "تغيير الوهابية بالقوة من كونها حركة جهادية ثورية قائمة على التطهير الديني التكفيري، لتصبح حركة دعوية محافظة اجتماعياً وسياسياً ودينياً وأن تعمل كمؤسسة تبرر الالتزام بالولاء للعائلة ولسلطة الملك المطلقة" وبعد اكتشاف النفط، وللسيطرة الفعلية على منابع البترودولار في سبعينيات القرن الماضي "وبغرض الحصول على مكانة دبلوماسية كدولة قومية إلى جانب أمريكا وبريطانيا، أُبعد التيار الإخواني المتحمس عن البلاد بتصديره للخارج، من خلال نشر ثورة ثقافية بدلاً من الثورة العنيفة في أنحاء العالم الإسلامي ".

"إلا أن هذه "الثورة الثقافية" لم تأخذ منحى إصلاحياً معتدلاً. فقد كانت ثورة قائمة على فكر محمد عبد الوهاب الذي قامت دعوته على تطهير الإسلام من كل ما ارتبط به من بدع ووثنيات" (Alastair Crooke-المرجع السابق).

"وبظهور الثروة النفطية-كما يكتب الباحث جيل كيبيل-تمثلت الأهداف السعودية في إيصال ونشر الوهابية في جميع أنحاء العالم الإسلامي.. أي العمل على "وهبنة" الإسلام، وبالتالي اختزال الأصوات والآراء الدينية المتنوعة في "عقيدة واحدة"، تتجاوز الحدود القومية، وقد تم-ومازال يحدث-استثمار مليارات الدولارات في هذا الشأن تعبيراً عن القوة الناعمة للسعودية.. وتصاعد هذه القوة الناعمة، والرغبة السعودية في السيطرة على العالم السني، على حد سواء مع العمل على تعزيز مصالح الولايات المتحدة، فقد رسخت بالتزامن، الوهابية دراسيا واجتماعيا وثقافيا في مختلف انحاء العالم الإسلامي" (Alastair Crooke-المرجع السابق).

ويرى المالكي "أن معظم منظري القاعدة والجماعات الجهادية التي تتبنى نهج العنف والإكراه ينطلقون في أطروحاتهم وتأصيلاتهم من كتابات العهد الوهابي القديم. وحين يقوم اتباع الوهابية اليوم بما يعرف بالسلفية الحركية بمواجهة تلك الوهابيات المتطرفة ومجادلتها وربما الصراع معها. فهم لا يفعلون شيئاً سوى أنهم يعيدون نفس الصراع الذي حصل بين الوهابية المتصالحة والمتحالفة مع الدولة، والوهابية المتمردة والمقاتلة"(الوهابية والسلفية-المرجع السابق- ص٥١٢)

والإخوان المسلمون منذ تشكلهم في مصر (١٩٢٨)، وانتشارهم في سورية ولبنان منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عملوا على التأسيس للسلفية الجهادية، وجر المجتمع إلى الماضي، بدعوتهم لإقامة الدولة الدينية تحت شعار "الإسلام هو الحل"، وفق "الأصول العشرين" التي أرساها "حسن البنا" للجماعة والتي تؤكد في الأصل الأول أن "الإسلام دين شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً. فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة". وكذلك الدعوة إلى العودة بالإسلام إلى منبعه الصافي "القرآن والسنة المطهرة.

ويكتمل المشهد مع انتصار الأيات في إيران، وتأسيس دولة "ولي الفقيه" والعمل منذ البداية على تصدير الثورة، والتأسيس لأصولية شيعية مقابلة للأصولية السنية. وبدأت بنشر الحوزات الدينية، وانتعاش الطقوس الشيعية، وتقديم الدعم والتحالف مع النظام السوري، والمعارضة العراقية الشيعية، وإنشاء تنظيمات طائفية في كل المنطقة، مثل حزب الله في لبنان. وأصبحت السعودية وإيران قطبي الطائفية الرئيسيين في المنطقة.

وصعود الأصوليات السنية والشيعية، لا يُفسر فقط بانتشار المنظومة الفقهية الدينية، التي تشكل الحاضنة الأيديولوجية للأصولية الجهادية. إنما هناك عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، ساهمت في هذا الصعود، وعملت على تغذيته وإبرازه من جديد.

والنصف الثاني من القرن الماضي كان مشبعاً بالصراع الطائفي. وأولى الحروب بعد انتصار الأيات في إيران، كانت الحرب الإيرانية-العراقية (١٩٨٠-١٩٨٨)، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا وهم "يحملون مفاتيح الجنة". وبغض النظر عن الأسباب الفعلية للحرب، والتي تتلخص في مجملها بالسيطرة على الشرق الأوسط والخليج، إلا إنه كان للتجييش الطائفي دور بارز في تعبئة المقاتلين، والشعبين الإيراني والعراقي. وهذا ساهم في الفرز والتخندق المذهبي الطائفي السني-الشيعي في المنطقة ككل. حيث وقف النظام السوري إلى جانب إيران، ودول الخليج والسعودية إلى جانب العراق.

وترافق ذلك مع الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989)، والتي انتهت بشرعنة الطائفية السياسية في لبنان، وتصفية الحركة الوطنية اللبنانية على يد النظام السوري، ثم تصفية المقاومة الفلسطينية وإخراجها من لبنان، بمشاركة إسرائيل، وتصفية بقايا المقاومة الوطنية اللبنانية في الجنوب اللبناني، على يد حزب الله.

لكن الحدث الأبرز في التاريخ الراهن للمنطقة، هو الاحتلال الأمريكي للعراق (2003) واستبدال سلطة صدام حسين، بسلطة شيعية موالية لإيران. وانفجار المجتمع وبروز كافة مكوناته التقليدية. وسادت الفوضى، وغاب النظام وحل مكانه نظام طائفي-شيعي جديد مشحون بالحقد والانتقام والثأر من النظام السابق والطائفة السنية. وبذلك أصبحت الأرض خصبة لعودة الصراع الطائفي على المكشوف، وفتح البوابة الكبرى حتى يتصاعد إلى أبشع درجات القتل الطائفي. والمستمر حتى الآن.

وظهور داعش في العراق، هو "نتاج طبيعي لاحتلال أمريكا للعراق.. والانحياز إلى طائفة وإهمال وإذلال أخرى، انطلاقاً من نزعة الانتقام والثأرية. وزادت هذه النزعة بعد تبني بعض أبناء الطائفة السنية نهج المقاومة للاحتلال والعملية السياسية المنبثقة من رحمه"(عبد الباري عطوان-الدولة الإسلامية "الجذور، التوحش، المستقبل"-دار الساقي-بيروت-ط١-٢٠١٥-ص١١)

ويرى "كروك" "أن داعش حركة وهابية بشكل عميق. ومن جانب آخر فهي شديدة التطرف بطريقة مختلفة. ومن الممكن أن ننظر إليها جوهرياً باعتبارها حركة تصحيحية للوهابية المعاصرة". "وقد تمتعت "رؤية الإخوان"- ولاتزال تتمتع- بدعم العديد من الرجال والنساء والمشايخ البارزين. وبمعنى من المعاني، كان أسامة بن لادن تمثيلاً دقيقاً للازدهار الذي حدث مؤخراً لدعوة الإخوان"(Alastair Crooke-المرجع السابق).

وتتشابه الوهابية الأولى عند تأسيس المملكة وخلال مسيرتها، مع داعش وتأسيسها "للدولة الإسلامية "، في كثير من النقاط، وأهمها: الجهاد والعودة للسلف الصالح، والتكفير، والتوحش، وطاعة الخليفة-الأمير. والكثير من الحدود التي فرضت على المجتمع، مثل: قطع الرؤوس، والجلد، والرجم،،إلخ

ومقابل داعش ومشتقاتها، تشكلت المتشابهات عند الطائفة الشيعية مثل: فيلق بدر وعصائب أهل الحق، والنجباء، ولواء أبو الفضل العباس، وجيش المهدي، وجيش المختار. إلخ .

فابن لادن، والظواهري، والقرضاوي، والخميني، والأيات الشيعية، والفصائل العسكرية الجهادية، لم يهبطوا علينا من المجهول، ولم يخرجوا من أقبية المخابرات المحلية أو الأجنبية، إنما هم نتاج التراث والثقافة الدينية المسيطرة. وصراعها الراهن هو استمرار للصراعات الطائفية التاريخية، وإن اتخذت أشكالاً وآليات جديدة، على أيدي أقطاب الطائفية الكبرى، السعودية وإيران، وصراعهم للسيطرة على المنطقة. والبحث عن الدين الصحيح، هو طريق شائك ولانهاية له. لأنه بالأساس ليس هناك دين صحيح ودين خاطئ. إنما هناك دين واحد يتم تأويله وتوظيفه من مواقع ومصالح دنيوية مختلفة أو متناقضة، وكل فرد أو مجموعة تفسره وفق هذه المصالح.

وبالتالي لن يصمد طويلاً التفسير المؤامراتي السهل لصعود الأصولية السلفية والجهادية التي سيطرت على الساحة. كالقول بأن "داعش" والنصرة ومشتقاتهم صناعة أمريكية، أو أنها صناعة النظام وإيران. لأن هذه التفاسير لم تقرب بنية هذه الأصوليات، ومصادرها الأيديولوجية والاجتماعية والتمويلية. واللجوء إلى العوارض الجزئية للظاهرة مثل: الدعم الأمريكي للقاعدة في أفغانستان، ودعم النظام السوري للفصائل الجهادية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وإخراج الجهاديين من السجون بعد الثورة، والذين أصبح بعضهم قادة لهذه الفصائل، إلخ . لا يفسر صعود الأصولية في المرحلة الراهنة وخاصة بعد ثورات الربيع العربي. إنما تبقى هذه العوامل مساعدة لتقوية الأصوليات واستمرارها.

ضمن هذا المناخ جاءت الثورة السورية، تطالب بالحرية. وللأسباب المتعددة التي تم ذكرها سابقاً، بدأت لوثة الطائفية تلوح في الأفق منذ نهاية العام الأول من عمر الثورة

وكنتيجة أولى للفشل في الاستجابة للإشكاليتين السياسية والعسكرية خلال المرحلة التأسيسية. بدأت تبرز إلى السطح مؤشرات الانحراف للثورة منذ بدأية (2012). والتي بدأها النظام بالتجييش الطائفي ووصف الثوار بالإرهاب والمؤامرة الوهابية الخارجية الذين يريدون قتل الأقليات. وحصر التظاهرات وانطلاقتها من الجوامع.

وفي مواجهة ذلك استمرار العفوية السياسية عند شباب الثورة الممثلين في "الهيئة العامة للثورة، واتحاد التنسيقيات"، والذين كانوا مسؤولين عن تنظيم المظاهرات واستمراريتها. وبداية سيطرة الإسلام السياسي على الثورة ومنذ الأشهر الأولى، (العرعور مثلاً، ودعوة الظواهري للجهاد في سورية في "حزيران2011"، والإخوان المسلمين في المجلس الوطني). حيث بدأ "المجلس الوطني" منذ تأسيسه (تشرين الأول-2011) باستجداء التدخل الخارجي على الطريقة العراقية والليبية. وبدأت تبرز الشعارات الدينية في المظاهرات وعبر تسمية أيام الجمعة. حيث يُلاحظ العفوية والإسلاموية في دعوة فئات المجتمع المختلفة للانضمام للثورة، عبر تسمية أيام الجمعة مثل: الجمعة العظيمة، آزادي، العشائر، الشيخ صالح العلي. وهنا نلاحظ أن استحضار أرواح الشهداء لم يتم بصفتهم الوطنية، إنما بصفتهم الدينية والمذهبية (العلويين والمسيحيين. إلخ )، أو بوصفهم كتلاً أو كانتونات بشرية خاصة في المجتمع مثل: الأكراد والعشائر. وكأنها دعوة للانضمام لأهل الثورة وهم "السنة". في الوقت الذي كان فيه "العرعور" وغيره، يعملون علانية على أبشع أنواع التحريض المذهبي ضد النظام، رداً على تجييش النظام للطائفة العلوية وباقي الطوائف، ضد الثورة باعتبارها إرهاباً سلفياً سنياً سيقذفون بالعلويين في البحر!

وهذا بدوره أفسح المجال لبروز منظمة القاعدة (النصرة، والدولة الإسلامية )، واستيلائهما على مساحات واسعة من الأرض، وتكاثر الفصائل العسكرية الإسلامية ، على الأرض السورية كالفطر، والتي بلغ تعدادها بالمئات. والتبدلات التي طرأت على الجيش الحر وقياداته الذين تحولوا إلى "أمراء حرب" وارتباطهم بالممولين السلفيين من السعودية وقطر وتركيا، والنزوع نحو التشدد الديني، وتصفية الطليعة الأولى من شباب الثورة، إما بالاعتقال والتصفية من قبل النظام، أو من قبل التنظيمات التكفيرية الجديدة. وأصبحت الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحرية، والعلمانية، والجيش الحر تهمة عقوبتها الإعدام، عند النظام والفصائل الجهادية التكفيرية المعارضة.

ومن المفيد التوقف عند بعض العوامل الموضوعية لبروز الأصولية.

-٢-

الجهل المقدس، والتأخر التاريخي

الجهل المقدس هنا ليس "عدم المعرفة" بالمعنى القاموسي. (أو الجهل بالمعنى الإيجابي الذي يكون دافعاً لأسئلة جديدة، لاكتشاف ظواهر جديدة لم تكن معروفة من قبل. وبذلك يكون "محرك مقدمات المعرفة جميعاً". أو الجهل بالمعنى السلبي، أو الجهل الواهم، "الذي يوهم بأننا نفهم، في حين إننا لا نفهم". " وإنك لا تجهل الأشياء الأهم وحسب، وإنما تظن أنك تعرفها أيضاً" والذي أطلق عيه أفلاطون تسمية "الجهل المزدوج"). (توما دوكونانك-الجهل الجديد ومشكلة الثقافة-ترجمة منصور القاضي-المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر-بيروت ط١-٢٠٠٤-ص٥-٦)

وإذا تجاوزنا الجهل بالمعنى العام. فإن الجهل بالمعنى الإيجابي غير موجود في منطقتنا. إنما السائد عندنا هو الجهل الواهم، أو الجهل المزدوج، والمنتشر بشكل واسع عند الطبقة السياسية أو المثقفين بشكل عام، وكذلك الجهل المقدس عند الأصولية الدينية بشكل خاص.

ويعمل (Olivier Roy -أوليفييه روا)-وهو باحث فرنسي مختص في الأصوليات- في كتابه "الجهل المقس" على تفسير صعود الأصوليات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، استناداً إلى علاقة الديني بالثقافة، وانسحاب الديني من الثقافة واعتبارها دنيوية وثنية من جهة، ودور العولمة من جهة أخرى.

وعند الديني (يثير مفهوم الثقافة مشكلة لدى الإنجيليين والسلفيين، ولابد من التخلص من الثقافة المهيمنة، وتجاهل الثقافة الوثنية لإنقاذ صفاء الأيمان، والخلاص عند الديني لا يتطلب معرفة بل إيماناً، وهذا هو الجهل المقدس) (أوليفييه روا- الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة- ترجمة صالح الاشتر-دار الساقي- بيروت- الطبعة الأولى-٢٠١٢- ص28). و(المقصود عند الديني ليس معارضة ثقافة رديئة بثقافة جيدة، إنما معارضة الثقافة بالإيمان، والعودة إلى الأزمنة الأولى للأنبياء) (المرجع السابق-ص٢٢٨). لأن المعرفة برأي الديني لن تضيف شيئاً إلى الإيمان وكتاب الله. وبذلك يكون الجهل المقدس هو تقديس للجهل بالمعرفة والفلسفة والفنون والأفكار التنويرية والثقافة عموماً. إلخ

وإذا كانت الدولة الديمقراطية العلمانية-الأوروبية- التي فصلت الدين عن الدولة وعن البنية الثقافية، إلا أنها (لم تُزل الديني. إنما أظهرته كديني محض) (الجهل المقدس-المرجع السابق- ص21). وهذا ساهم في ظهور الأصوليات مثل الخمسينية البروتستانتية وانقلابها عل الثقافة المحيطة بها. (المرجع السابق-ص٢٢- الخمسينيون أو العنصريون، نسبة إلى عيد الخمسين، أو عيد العَنصَرة. اتباع حركة دينية بروتستانتية ظهرت في الولأيات المتحدة في بداية القرن العشرين. تُولي الروح القدس أهمية كبيرة. وتشدد على ضرورة تجديد الصلة بالكنيسة البدائية، وعمادة الروح القدس، ومواهب الشفاء، والتكلم بعدة لغات. ويتميزون بالأصولية الدينية والأجواء الحماسية لاجتماعاتهم. يقدر عددهم بنحو (٦٠) مليون مؤمن معظمهم في الولايات المتحدة).

وفي تاريخنا العربي الإسلامي وُصفت ثقافة ما قبل الوحي بالجاهلية أو الوثنية. وحين تم الانتقال من الجماعة الدينية إلى المجتمع السياسي (اقليم ودولة) اندرج الديني في المنظومة الثقافية، وانزلق ليتم (تدجينه)، ويعمل على تبرير النظام السياسي والاجتماعي، وامتلك بذلك حق الرقابة على الإنتاج الثقافي، ومازال يحتكر هذا الحق حتى الآن، كما هو حال الأزهر، والمراجع الشيعية، وتكفيرهم، وحتى قتلهم لكل مفكر متنور.

ويرى أوليفييه أن (ثمة ظاهرتان تلعبان دوراً رئيسياً في طفرة الديني اليوم هما: زوال الصفة الإقليمية، وفقدان الهوية الثقافية. وزوال الصفة الإقليمية تتم بانتقال الاشخاص، وخاصة انتقال الأفكار والمواد الثقافية والإعلام وأنماط الاستهلاك عامة في فضاء غير اقليمي) (المرجع السابق-ص٢٨).

و(إن انسحاب الديني من الثقافة ظاهرة جوهرية لتطور الديني في الحقبة المعاصرة، وهو نتيجة للعولمة ووسيلة لها في آن. وتفسر نجاح الإشكال الأصولية للديني) (المرجع السابق-ص١٨٠) وأن (عودة الديني المعاصرة هي نتيجة للعولمة..والعولمة خلقت سوقاً عالمياً للديني) (المرجع السابق- ص ٢٤٨-٢٥٣).

فالتطور في وسائل الاتصال، وانتشار الفضائيات الدينية المذهبية بالمئات ساهم إلى حد كبير في انتشار الديني من جديد، والتي عملت على تكريس خطاب الكراهية الديني والمذهبي. وتؤجج الصراع الديني والطائفي بالإضافة إلى دوره في تجنيد الإرهاب الديني وانتقاله بسهولة من بلد إلى آخر.

ويشير تقرير البث الفضائي العربي، إلى تنامي القنوات الفضائية العربية الدينية بنسبة (٥٠٪) خلال الفترة(٢٠١١-٢٠١٤)، حيث بلغ عددها (٩٥) قناة، والقنوات الإخبارية (٦٨). (http://alarab.co.uk/?id=46571 ). ويشير تقرير أصدرته جامعة نورثويسترن في قطر، حول نفس الفترة بأن عدد القنوات الدينية السنية وصل إلى (٥٥)، وتضاعفت القنوات الشيعيية من (٥) إلى (١١)، والمسيحية من (٢)، إلى (٩) ( http://www.raialyoum.com/?p=404681). ويمول هذه القنوات: السعودية، والإمارات العربية، وقطر، وإيران. http://www.al-masdar.net

وبالتأكيد الانسحاب الراهن من الثقافة يُحدث عدوانية مزدوجة داخلية وخارجية تتمثل في إصدار الفتاوي التكفيرية، وإجراءات ضد اللاديني أو الرماديين وتكفيرهم وحتى اغتيالهم، مثل فرج فودة، حسين مروة...إلخ . وتتحول المسافة بين المؤمن وغير المؤمن إلى حاجز (ويرى المؤمنون فاتري الأيمان والخامدين جزء من العالم الدنيوي والوثني) (المرجع السابق ص٣٨) ولذلك تضع الحركات الدينية قواعد متزمتة مثل: التدخين وشرب الكحول ومراقبة السلوك الجنسي، والسينما والتلفزيون والمسرح والرقص..إلخ .

وتتشارك الأصولية المسيحية مع الإسلامية بالدعوة إلى العودة إلى الأزمنة الأولى للرسل، أي للمسيح ومحمد. لكن الفرق جوهري بين عودة الأصولية الدينية في الدول العلمانية مثل الخمسينية البروتستانتية، والأصولية السلفية الشيعية والسنية مثل: زينبيون، وفصائل أهل الحق، وطالبان وداعش والنصرة، أن الأولى مجموعات مغلقة، سلمية، تمارس طقوسها ضمن القانون العام ولا تفرض نفسها على أحد، ولا تسعى للسلطة. أما التنظيمات السلفية والجهادية، فهي سياسية عسكرية عنيفة، تسعي لفرض نفسها على الجميع بالسعي للسيطرة على السلطة، وأن تُعيد المجتمع كله إلى العيش كما كان أيام الرسول. والسبب أن الدول المتقدمة أقامت دولتها الديمقراطية الحديثة، ونحن فشلنا حتى الآن في ذلك وما زلنا خاضعين لأنظمة استبدادية، وأيديولوجيات مذهبية قاتلة.

وهذا ينقلنا إلى مفهوم أشمل وهو مفهوم (التأخر التاريخي)، عند ياسين الحافظ. وكما يوجزه أحد دارسيه بأنه (تأخر سياسي في المقام الأول. وهو تأخر في الذهنية ثانياً. وتأخر في النسيج السوسيولوجي الذي يحكم العمارة المجتمعية ثالثاً. وهو أبعد وأعمق من مسألة التخلف الاقتصادي، والتأخر التقني والتكنولوجي رابعاً. وخامساً هو منجدل مع أساطير ألهوية السرمدية والرسالة الخالدة (للأمة) التي لم تنوجد بعد. وسادساً التأخر التاريخي متراكب مع وضعية السديم البشري والاختلاط والظاهرة القطيعية التي تمنع التشكل الطبقي من جهة، ومن جهة ثانية تسحق الفردانية وتذوب الفرد في سديم القطيع إضافة لترسيخ العقلية الذكورية وتعميقها) (منير الخطيب-مفهوم التأخر التاريخي في ترسيمة ياسين الحافظ النظرية-http://republicdialogue.blogspot.com.tr/2015/03/blog-post_95.html

فالتأخر التاريخي والجهل المقدس كمعطى موضوعي عام هو الذي أفرز الأنظمة الاستبدادية-العائلية والقبلية والطائفية، في المنطقة عموماً، والتي لا تختلف من حيث الجوهر عن السلطنة العثمانية، والسلوكية التي كانت سائد في تاريخنا القديم. وتحالفت مع المؤسسات الدينية التي قدمت الشرعية، وعملت على إبقاء المجتمع كرعية مهمتها تمجيد السلطان والتسليم بالقضاء والقدر، ومحافظاً على بنيته كمجموعات مذهبية أو عشائرية منغلقة على نفسها.

والجذر الأساس لصعود الأصوليات في الشرق الأوسط، هو الفشل في إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة أو "الدولة-الشعب" التي تعبر عن كل مكونات المجتمع، هو الذي أفسح المجال لاستمرار البنى الاجتماعية التقليدية وأيديولوجياتها، منذ عهد الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي. وهذه الأنظمة التي استولت على السلطة في منطقة الشرق الأوسط-العالم العربي- كانت ذات بنية طائفية مذهبية وعائلية وقبلية، حتى لو اكتست بقشرة قومية أو علمانية كما هو في سورية والعراق. فالبنية المذهبية للنظامين في سورية والعراق، حيث المجتمع متعدد المذاهب والقوميات، هي التي استدرجت إلى الساحة المذهبيات الأصولية الشبيهة والمتعاكسة، لتدخل البلاد في صراعات مدمرة للوطن.

ومن الطبيعي، والموضوعي أيضاً، "أن ينفجر المكبوت والمحتقن تاريخياً بكل قيمه وصديده الطائفي حتى يشبع انفجاراً "(هاشم صالح-الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ- دار الساقي-بيروت-2015-ص24) ويفرز مكوناته، ويعيد صراعاته التاريخية التقليدية، وأخطرها صراع المتشابهات الطائفي والممتد في تاريخنا القديم، وكأننا لم نخرج منه، والذي عاد إلينا بكل أشباحه ليسيطر على الحاضر من جديد.

والاستبداد المترافق مع الجهل، والتأخر التاريخي، لا يشمل فقط النظام السياسي الحاكم، إنما يشمل كل البنى المجتمعية والسياسية والعائلية. ومع أن الأنظمة أوجدت مؤسسات حديثة، وتعليم، وجامعات. إلخ . واستوردت التقنيات الحديثة، إلا أنها لم تستورد، أو لم تنشئ الأسس المعرفية والعلمية لمنتجات الحداثة، إنما حافظت على بنيتها التقليدية. وأحد المؤشرات على ذلك هو نسبة إنفاقها على البحث العلمي، والتي لا تتجاوز (0,1%) من الناتج المحلي الإجمالي، في حين نسبة الانفاق في إسرائيل تبلغ ( 3,9%)، وهذا يعادل ضعف الانفاق في البلدان العربية مجتمعة.(عفيف رحمة-البحث العلمي في سوريا-حقائق ومؤشرات-http://thevoiceofreason.de/article/6220).

ويقابل الأنظمة الإسلام السياسي الذي يقدس الجهل، بدعوته للانسحاب من المعرفة والثقافة بأنواعها المتعددة، ويعمل على إعلاء شأن وقيمة العلوم الدينية والشرعية، ويقلل من أهمية العلوم الدنيوية، ويضيف إلى ذلك احتقاره للمجتمعات الأوروبية وانظمتها السياسية، والاجتماعية، ويعتبر أن المجتمع الإسلامي هو الأفضل وفق قاعدة " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ". ولذلك يرفض الإسلام السياسي الديمقراطية ويستبدلها بالشورى، أو يختزلها إلى صناديق الاقتراع كوسيلة للوصول إلى السلطة، ويرفض الدولة الديمقراطية العلمانية، ويستبدلها بمفهوم متلبّس مثل الدولة المدنية بمرجعية دينية. وضد العلمانية باعتبارها كفر. ورفض الحرية عموماً وحدها بحدود الشريعة. إلخ

والقوى الوطنية الديمقراطية ليست بأفضل حال. ولم تشكل بعد فضاءها الخاص بها. إنما بقيت إما ملحقة بالأنظمة الاستبدادية، أو ملحقة، أو تتمسح بالإسلام السياسي، وداعميه. كما حصل في المجلس الوطني ثم الائتلاف. والقبول بصيغة الدولة المدنية "التعددية" والتي تم تعميمها ليرددها الجميع بدون أي تعليق. والقبول بالإقامة في أحضان الدول الإخوانية والانصياع لأوامرها.

وبعد أن تم تصفية جيل الشباب الثوري الأول الذي أشعل الثورة، سواء على يد النظام أو الكتائب العسكرية المعارضة. نلاحظ: أولا: أن كل التيارات السياسية في المعارضة لم تخرج من عباءة الذهنية الثقافية الاستبدادية، التي تسيطر على عقولنا وسلوكنا منذ مئات السنين. وثانيا: أن الانتقال منذ بدايات القرن الحالي، من الأيديولوجيات الضيقة الاستبدادية-الإسلامية والقومية والليبرالية واليسارية- إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يكن انتقالاً حقيقياً، لأنه لم يستند إلى حامل سياسي واجتماعي فعلي لأفكار التنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان. وأن القشرة الديمقراطية التي ألصقها السياسيون على وجوههم لم تكن كافية لتستر عورات الأيديولوجيات القابعة في العقول القديمة. ويبدو صحيحاً القول " بأن الأفكار الجديدة تعيش طويلاً في كهوف المنظومة الفكرية القديمة قبل أن تخرج إلى الوجود". ومما سبق من الطبيعي أن تملأ أشباح الماضي الأرض والفضاء.

***

إن نقل أو نشر أي شيء من هذه الدراسة دون تفويضٍ مباشر من الكاتب" مروان عبد الرزاق " يعتبر خرقاً لقوانين الملكيّة الفكرية ويحاسب عليه ضمن القوانين المتداولة.


نهاية الجزء السابع / القسم الثاني
ألف / خاص ألف.
يتبع ..









































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

الطائفية وصراع المتشابهات الجزء الأخير

23-كانون الأول-2017

الطائفية وصراع المتشابهات الجزء الثامن

16-كانون الأول-2017

الطائفية وصراع المتشابهات 7

09-كانون الأول-2017

الطائفية وصراع المتشابهات 6

02-كانون الأول-2017

الطائفية وصراع المتشابهات /4

10-تشرين الثاني-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow