Alef Logo
دراسات
              

قابيل: والحديث مع الله.. بداية الخلق بين الثواب والعقاب!

مروان عبد الرزاق

خاص ألف

2020-03-07

عنوان الرواية مستمد من بداية البشرية، مع آدم وحواء، وهم أبناء الله، للروائي البرتغالي "جوزيه ساراماغو"، وترجمة علي صالح، والتي يكشف فيها عن التطورات التاريخية للبشرية كما وردت في الكتاب المقدس "التوراة". ورأيي أن نضيف للرواية بعض المقتطفات المختصرة حول النظرة المسيحية والإسلامية للموضوعات التي عالجتها الرواية، حتى نتمكن من الرؤية بشكل أشمل.

-١-

آدم وحواء في الجنة ينعمان بوفرة الطعام والشراب. وقد خلقهما الله من "الغبار والرماد"، بحسب الكتاب المقدس اليهودي، وعند المسيحيين تم خلق حواء من ضلع آدم. وعلمهم الكلام بأن غرز الله لسانه في حلق آدم ليقول "أنا آدم أول مواليدك"، وفي حلق حواء لتقول "أنا حواء السيدة الأولى".. إلا أن حواء رأت في المنام "أفعى دفعتها لتأكل من الشجرة"، ارتكاب "الخطيئة الاصلية" للبشرية. فحضر الله وهو يلبس تاجاً ثلاثياً على رأسه، ويستخدم ببراعة الصولجان، ويقرر "اخرجا من الجنة"، وأنت يا حواء ستلدين وأنت تتألمين، وستأكلون أعشاب الحقول، "وستعودان إلى الغبار والرماد"، وغطاهما بجلد سميك من الحيوانات لأنهما كانا عاريين. حيث اكتشفا أنهما عاريين، بعد الخطيئة.


وفي القرآن الكريم، خلق الله السماوات والأراضي والماء، وخلق الملائكة من "النور"، والجن من "النار". ثم "خلق الإنسان من عَجَلٍ" - أي آدم. وخلقه من الطين، الذي مرّ بمرحلة الحمأ المسنون، ثم مرحلة الصلصال كالفخار، إلى أن تم نفخ الروح فيه، وخلق حواء-واسمها من حور العين في الجنة، أو لأنها خلقت من جسم حي- من الطين أو من ضلع آدم. وهذا يتفق مع المسيحية أيضاً. وعلمهم جميع الأسماء للإنسان والحيوان، وأمر الملائكة بالسجود لآدم، لأنه "خليفة الله في الأرض". فسجد الجميع، عدا الشيطان، أو إبليس "الذي رفض السجود لآدم، باعتبار أنه خلق من النار، وآدم من الطين"؛ وهل "تجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟" وكان رد الله "إني أعلم ما لا تعلمون"، فطرده الله من الجنة. إلا أن الشيطان، ونفسه الإبليس "الأفعى"، قال لحواء أن تأكل من الشجرة المنتصبة في منتصف الجنة، والمخصصة لله نفسه، حتى يصبحوا من الخالدين، أو الملائكة، وهذا رأي المسيحية أيضاً.

وردّت حواء على الإله "أنت لا تريدنا أن نأكل من الثمرة لأننا سنفتح أعيننا ونعرف الخير والشر كما تعرفه أنت" وهنا يقدم قابيل تصوره الأولي بأن "الله لم يفسر ذلك بصورة مقنعة، لأن العقول بدائية جاهلة، وقد اكتشف الاثنان عريهما، فكيف يمكن أن نرى أبناءنا إذا استمر عمى الأب والأم، وكان يمكن أن يضع الشجرة في مكان آخر بحيث لم يستطيعوا الوصول إليها". لكن الله أراد ذلك.


-٢-

وعندما نزلوا إلى خارج الجنة، في الصحراء القاحلة لا يعرفون ماذا يأكلون، حيث بدؤوا بأكل الأعشاب وثمارها. لكن حواء وآدم عادا إلى حارس الجنة "أزائيل" يطلبان الطعام، فزودهما بالخضار والفواكه، وأخبرهما أن عليهما إشعال النار كي يجدا التجار العابرين وينضما إليهم. وهنا سألت حواء "وهل يوجد بشر مثلنا"، أجاب الحارس: بـ نعم. وعلمهما كيف يشعلان النار "برأس السيف المتوهج حين يلامس القش تشتعل النار" ولإطفائها بنفس الطريقة. وانضموا للقوافل لأنهم "أبناء الله". وبواسطة المجرفة والمناجل أصبح قابيل مزارعاً، وهابيل أصبح مربياً للمواشي والخرفان. وبعد أشهر أرادوا أن يقدم للإله قرباناً. لكن نباتات قابيل الذابلة لم يرتفع دخانها سوى أقدام قليلة وعادت، يعني أن الله رفضها. والدخان الذي انبعث من اللحم الذي قدمه هابيل ارتفع نحو السماء، وتلاشى في الفضاء اللامتناهي، وكان بذلك الله مسروراً. وأعادوا التجربة مرة أخرى فكانت النتيجة نفسها. فقرر قابيل قتل هابيل في المزرعة بفك حمار، وتركه للوحوش، حيث كان الذباب أمام عيني هابيل وفمه. وهنا حضر الله شخصياً بتاجه الثلاثي وصولجانه حتى يحاكم القاتل، الذي قال لقابيل "أنت قتلت هابيل" الشخص الطيب الذي يحب الإله والبشر، فرد قابيل، "أنت هو الشخص الذي قتله، ويجب قتلك أنت، لأنك كنت قادراً على منعي من قتل هابيل، لو أخفيت عظم الفك الذي قتلت به"، "وهل سأعاقب على جريمتي"، ورد الله "هذا تدنيس للمقدسات، والثأر من الآلهة غير مفيد لأن الآلهة لا تموت"، "ولمس الله جبين قابيل حيث ظهرت بقعة سوداء، وهي علامة إدانتك، وستكون هائماً ومشرداً على وجه الأرض، وستكون خاضعاً لحمايتي واستهجاني، ولن يكون أحد قادراً على قتلك".


وتتفق المسيحية مع الطابع العام لمقتل هابيل باعتباره المحب لله، ولأن "صوت دمه صرخ لله من الأرض" والقاتل وهو قايين، أو قابيل الذي أخفى الجثة، وهو المجرم الذي يتم إخراجه من عباءة الله وتشرده مع زوجاته في ديار الكفر، مع مراعاة عدم قتله. ويبدو أن المسيحية مثل الإسلام تعتبر أن الذرية البشرية هي من عند آدم وحواء. وفي الإسلام إضافة حول الخلاف بين قابيل وهابيل حول الزواج. حيث من المفترض أن يتزوج كل ذكر من الإنثى المولودة في الحمل الثاني، وكانت زوجة هابيل أجمل، والخلاف أدى بهم إلى القربان لله، وخسر قابيل، وقتل هابيل، وتعلم من الغراب الذي دفن غراب آخر ميت، بأن يدفن أخاه.

أما الحوار بين الله وقابيل فتلك هي قضية الروائي الذي استمد معلوماته من التوراة.

-٣-

ونتيجة للقرار الإلهي، ترك قابيل ديار أهله متوجهاً نحو الشمس، وقطع الصحاري والبراري والمزارع، وهو على حمار، إلى أن وجد شيخاً ومعه خروفان، وسأله عن البقعة في جبينه، فقال له "إنها وحمة"، لكن الشيخ عرف أنها عقوبة من الله. وأشار له بالطريق إلى "بلاد التائهين"، وهي بلاد المشردين والهائمين. ولما وصل إلى المدينة، وجد نفسه متعباً وجائعاً، ووجد المشرف على البناء، وأطعمه، وقال له قابيل "أنا مزارع"، لكن المشرف لم يجد له مهنة المزارع، ودفعه ليعمل في "غرفة الدوس"، وهي الغرفة التي يدوسون فيها المواد المخصصة للبناء، وصاحبة المدينة هي "ليليث" وزوجها اسمه "نوح"، وهي ساحرة، وشريرة، وبوسعها أن تدفع أي رجل إلى الجنون بأسحارها. وظل كذلك إلى أن كشفته ليليث، وأرسلت له خادماً كي تجلبه إلى القصر، وأودعته إلى جاريتين كي تغسلاه بالماء الدافئ، وتزيلا عنه أوساخ الدوس. وخلال غسيله وقف عضوه، وبملامسته من قبلهما، قذف في وجهي الجاريتين وعلى فميهما، فكان اليوم جميلاً بالنسبة لقابيل الذي لم يكن له علاقة بالنساء من قبل، وبالنسبة للجاريتين. وقامت ليليث بتوظيفه كحارس لها في بوابة غرفتها على أن لا يسمح لأحد بالدخول إليها حتى لو كان زوجها، وودعته وهي تلامس ثدييها، وبطنها، وفخذيها أمامه، كي تفتح ساقيها ويسهل اختراقها. وظل كذلك لأيام، حتى استدعته إلى غرفتها، متجاوزاً أسحارها، وشعوذتها المنسوبة إليها، وظلوا يمارسون الجنس ويطلقون صرخاتهم كمن أصابهم الجنون، وكانوا عاشقين يلتهمان بعضهما بصورة لامتناهية، أحدهما الآخر، للوصول إلى اللذة الجنسية، لعشرات المرات في اليوم الواحد. وبعد أسابيع من النشوة والمداعبة والجنس، شحب لون قابيل، وأصابه الهزال والصفرة، فقررت ليليث أنه عليه أن يذهب بمشوار ورؤيته للشمس، وأن يأكل جيداً. وفي إحدى المرات، وبتخطيط من زوجها الذي قرر أن يقتله. أرسل له العديد من العبيد ليقتلوه، وهو في مشواره اليومي، لكنهم فشلوا في ذلك، لأن الله يحميه من القتل، وتحول السيف في يد العبد إلى حية "كوبرا"، بثت الرعب في قلب العبد، وهرب ومرافقوه من أمام قابيل. لكن ليليث أصرت على زوجها إعدامهم. وبعد أسابيع اكتشف هابيل أن ليليث أصبحت حاملاً، والولد القادم سيتم تسميته باسم نوح، لذلك قرر الرحيل من المدينة، بعد أن أقنع ليليث بأن تقدم له حماراً جيداً، وملأت خرجيه بالطعام والشراب.


وأسطورة "ليليث"، من السومريين في "٢٠٠٠ق م"، وكانت تعيش في جذع شجرة الصفصاف التي اقتلعها جلجامش، فهربت في البراري، وكانت علاقتها مع الثعبان كبيرة، أو الثعبان الأكبر، وهو رمز للخلود الإنثوي مثلته عشتار وغيرها. وكانت تغوي الرجال في الطريق وتقودهم إلى معبد الآلهة حيث تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة، وسميت كذلك ب "البغي المقدسة".

وفي الميثولوجيا اليهودية كانت "ليليث" وتعني "الليل" من اللغة الأكادية، أي ليل الرجال. وكانت زوجة آدم قبل حواء، لكنها لم تقبل بسيطرة آدم عليها، فهربت منه وأصبحت عشيقة الشيطان تلد منه كل يوم مائة طفل. وحين أمر الله بعودتها ولم تعد هددها بأن يقتل أطفالها المئة كل يوم، فانتقمت بذلك أن تقتل الأطفال. وتعرف باسم "الشيطان الشيطاني" التي تشارك الرجال في خنق الأطفال حديثي الولادة. وهي التي أغوت حواء للأكل من شجرة المعرفة، ويعتقد "المدراش" أن ليليث كانت مسؤولة عن الانبعاثات الليلية للرجال النائمين كي تستهلك السائل المنوي منهم وتنجب الأطفال الشياطين.

وفي المسيحية تكرار لأسطورة ليليث التوراتية. وفي الإسلام رفض لهذه الأسطورة، إلا أنه يمكن القول بأن ليليث هي زوجة إبليس الذي رفض السجود لآدم في الجنة. وهي التي جعلت حواء كأفعى تأكل من شجرة المعرفة في الجنة.

وتعتبر ليليث المتمردة رمزاً تاريخياً لمساواة المرأة مع الرجل وحقها في الحرية واللذة والسعادة، وهي جميلة وشهوانية تمتلك القدرة على التفوق، وظهرت في العديد من الدراسات الأدبية الأوروبية، كامرأة جميلة وشهوانية، أو دور الجنية والموت. إلخ..


-٤-

وفي سفره المتواصل من بيت "ليليث"، وخرجيه الممتلئة بالطعام والشراب، وصل إلى جزائر "سدوم وعمورة"، والتقى إبراهيم وزوجته ساره. وكيف كان إبراهيم ينفذ أمر الله بأن يضحي بابنه إسحق، حيث وثقه ووضع الحطب تحته لإشعاله. إلا أن قابيل كان بجانبه ومنعه من ذلك، بحجة أن الله يقبل بالحَمَل بديلاً عن الابن، وكان الملاك المرسل من الله تأخر قليلاً، لعطل في جناحه. وقال قابيل "أنا الملاك الذي أنقذ الطفل، لتأخر الملاك". وعندما قرر البشر بناء برج عالٍ للتفاهم مع الكهنة والله، لكن الله رفض ذلك، "واستبد به الغضب"، وعمل على تدميره، وهو برج بابل المشهور في كل الديانات. وقال قابيل "إن تاريخ الجنس البشري هو تاريخ سوء تفاهماتنا مع الله، لأنه لم يفهمنا، ونحن لم نفهمه".

والتقى قابيل مع الله شخصياً، يرافقه اثنان من الملائكة يتفقدان "سدوم وعمورة" نتيجة الظلم الواقع عليهم. فاحتج إبراهيم بقتل الله للبشر ويمكن أن يكون فيهم خمسون بريئاً. فرد الله "لو كان هناك عشرة أبرياء فلن أدمر المدينة". وذهب قابيل وإبراهيم إلى "لوط"، ابن أخ إبراهيم، وأخبراه بتحذير الله، فأخذ إبراهيم زوجته وأولاده خارج المدينة، وكذلك لوط. إلا أن الله لم ينتظر حتى "أمطر سدوم وعمورة بالكبريت ومحا المدينتين، وسوّاهما بالأرض"، وبقيت زوجة لوط في المدينة حيث عصت الأوامر، فتحولت إلى عمود من الملح. ولذلك قال إبراهيم لقابيل "إلهك ليس مثل إلههم"، إله الكنعانيين، و"كان يوجد بين القتلى، أطفال أبرياء، آه، يا إلهي".


وقصص إبراهيم عديدة عند التوراة والإسلام. وهو أبو الأنبياء جميعهم بمن فيهم محمد. وتسمى الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام بالديانات الإبراهيمية. وكان نبياً، ويدعو إلى عبادة الله، مع أنه سجد "لشعب الأرض" وهذا مخالف للتعاليم الربانية. والإسلام وصف إبراهيم وأولاده وزوجاته بالصورة الحسنة. فهو لم يكن يهودياً ولا مسيحيأ، بل كان حنيفاً مسلماً، وكان وصفه بالتأوه والحلم والإنابة، وهو الخليل، وباني الكعبة، وهو مع الصالحين يوم القيامة. وفي الإسلام قتل الله مجموعات كبيرة من السكان لأنهم لم يعبدوه. مثل قوم "ثمود"، حيث أرسل الله جبريل وصاح صيحة قطعت قلوبهم وتركتهم جثثاً هامدة في بيوتهم، وقوم "لوط" الذين يمارسون الفاحشة الجنسية، فخسف الله فيهم الأرض وأمطرت عليهم الحجارة، بمن فيهم زوجة لوط. وقوم "عاد" وهم من العرب العاربة، فأرسل لهم الله ريحاً، قطعت أجسادهم، وأحرقت بيوتهم ومحاصيلهم. وقوم "مدين" الذين يسكنون النقب في فلسطين، ويعبدون شجرة "الإيك"، وبصيحة من الله أصبحوا جثثاً هامدين. وحرق أملاك قارون، لأنه كان متكبراً وكارهاً للبشر، وغرق فرعون في البحر عندما كان يلاحق مع جيشه موسى.


وهنا نجد أن عملية قتل أهالي سدوم وعمورة، مع أطفالهم الأبرياء ليست بمفردها، إنما كان القتل لكل من يعبد غير الله، أو يعبد إلهاً آخر.


-٥-

وفي البراري والصحاري يسير قابيل، والشمس تحرق جبينه الملطخ بالبقعة السوداء، إلى أن وصل إلى صحراء سيناء، والناس متجمهرون يسألون عن الإله موسى، الذي صعد إلى الجبل منذ أربعين ليلة ولم يتلقوا منه أي خبر. فاجتمع البشر مع أخيه هارون وصنعوا العجل الذهبي كأنه الإله. وحين هبط موسى كسّر العجل الذهبي وجاءه الأمر من الله بأن " اقتل أخاك وصديقك وجارك، وعليك أن تنتقم لأهل إسرائيل من أهل مدين"، وجمع أصحابه وقتل ثلاثة آلاف رجل، ثم توجه إلى أهل مدين وقتل الآلاف واغتنم الآلاف من الأغنام والماعز والنساء. وفكر قابيل "بأن فكرة الله عن القتل والحرب، فكرة جيدة، فهي تجلب الآلاف من الغنائم والنساء".


وكان الله يقاتل لأجل الإسرائيليين ضد العموريين، حيث السماء خلت من الغيوم، وأدخلت الرعب في قلوب العموريين، من أجل أرض الميعاد، وستكون كنعان وهي الثمرة الناضجة بين يديك.

والحمار هو الذي يقوده أينما يريد، إلى أن وصل إلى بلاد التائهين، إلى "ليليث"، حيث أنجبت ولداً اسمه "إينوك"، وتم تسمية المدينة باسمه أيضاً. وكانت أريحا قد دمرت برجالها ونسائها وأطفالها وغنمها وماعزها، بواسطة صفرة انبعثت من أبواق مصنوعة من قرون الكباش. وقال قابيل إلى ليليث "إن ربنا خالق السماوات والأرض هو معتوه تماماً، لأنه يقتل، وهو مسؤول عن موت آلاف البشر، من رجال وأطفال"، وردت ليليث عليه بأن "الله لا يمكن أن يكون شريراً، ولو كان كذلك لما أصبح إلهاً، والشر يقوم به الشيطان".

إلى أن وصل "بلاد الأوز"، حيث التقى الملاكان الذي التقاهما في سدوم، والقائمان على أن لا ينفّذ الإبليس ما تم الاتفاق عليه مع الله. وأخذوه إلى رجل يدعى "جوب"، وهو مثال الإيمان والتقوى وقويم الأخلاق. لكن تم قتل الأبناء والثروات والخدم والأطفال، بريح هوجاء. وسقطت نار من السماء وأحرقت كل شيء، وأمره الله أن يضرب جوب فكساه بالبثور من رأسه حتى أخمص قدميه، وأصبح يكشط الصديد المنبعث من ساقيه بكسرة من إناء الفخار. وظل صابراً ومؤمناً وفي رده على زوجته التي تريد أن تلعن الله "إذا كنا ننال الخير من الله، فلماذا لا ننال الشر أيضاً"، والله لم يفعل شيئاً لإبليس الذي صنع ذلك. وقال قابيل "إنه اتفاق المغامرين بين الله والشيطان، وهذا لا يبدو عادلاً من طرف الله"، و"الرب يجب أن يكون واضحاً وشفافاً، كلوح من الزجاج، إنه باختصار لا يحبنا"، "وهو لم يهبني الحياة، بل إن أمي وأبي هما اللذان وهباني الحياة ولم يتدخل الله في ذلك".


وفي الإسلام كان أيوب يعيش في "حوران"، وكان صاحب أموال وأرزاق، إلى أن ابتلاه الله بالجذام والأورام في كل جسمه، عدا قلبه ولسانه، فانفض عنه الناس وكانت زوجته تعمل لدى الغير لمعيشته، حتى باعت ضفائرها مقابل الطعام، وبقي كذلك ثمانية عشر عاماً، حتى استجاب له الرب، وفجر ينبوعاً من الماء اغتسل فيه أيوب وذهبت كل الأمراض. وسفر أيوب عند المسيحية مشابهاً لما ورد في القرآن الكريم.


-٦-

ووصل قابيل إلى المياه الزرقاء والسماء الزرقاء. وهناك وجد نوح وزوجاته وأولاده، مع العديد من الملائكة الذين يصنعون زورقاً من "الغوفر". والتقى قابيل مع الله شخصياً مع ملائكته حيث قال الله " الأرض عاث فيها الفساد، وإنني لا أجد فيها سوى الفساد، وسأدمر الأرض وسكانها بفيضان من المياه، وكل شيء سيموت، ومن كل نوع حيوان بالجنسين سيوضع في السفينة، عدا نوح وزوجاته وهو الشخص العادل والصادق الوحيد في أرضه، الذي سيصحح أخطاء الماضي ويسوق الظلم بعيداً عن الأرض". وأكملت الملائكة "بأننا لا نعتقد أن الجنس البشري يستحق الحياة، بمن فيهم الأطفال الذين تعلموا الفساد من آبائهم". وحين حمل الملائكة السفينة إلى البحر، هطلت الأمطار من السماء بهدير يصم الآذان، وغرق أهل الأرض. وقابيل الذي عاشر زوجات أبناء نوح، وقد ماتت أزواج نوح، ونوح قذف بنفسه في الماء ومات غرقاً. وفي حوار بين الله وقابيل الذي رفض القتل، ورفض أن نوح بقادر على رفع الظلم والفساد. لذلك قال الله لقابيل "أنت القاتل، كيف تجرؤ على تحطيم خطتي، أنت قتلت هابيل، أنت القاتل الحقير الخسيس الشرير"، و "ستموت ميتة طبيعية في الأرض الخالية من البشر، والطيور التي تعيش على الجيف هي التي ستلتهم لحمك". ورد قابيل "لست حقيراً مثلك، أنت قاتل الأطفال في سدوم وغيرها، وبإمكانك أن تقتلني، والطيور الجارحة التهمت روحي منذ زمن بعيد"، ومازال الحوار مستمراً، وبذلك تنتهي رواية قابيل لساراماغوا، الحائز على نوبل للآداب.


والصيغة الأقدم عن الطوفان كانت في العصر البابلي القديم "٢٠٠٠ق م"، وهناك أكثر من نسخة حول الطوفان القديم، الذي صورته التوراة كقصة دينية، وخصصت نوح منقذاً للبشرية، حيث يتم تصويرها كما وردت في التوراة والمسيحية والقرآن. وفي التوراة يبقى نوح، و"يندم الرب لفعلته، ووعد أنه لم يدمر البشرية مرة ثانية". وفي القرآن عندما يعجز نوح عن هداية قومه، يغرقهم الله في بحور من الماء، وتكون نجاة نوح وبعض من وضعهم في السفينة.


-٧-

من حيث النتيجة، إنها رواية ذات سرد بسيط، ولغة عادية مفهومة من قبل الجميع، تشرح وجهة نظر البشر، أي قابيل، تجاه أفعال الله ببني البشر، سواء بخلقهم داخل الجنة وإخراجهم من هناك، وجعل الإبليس يترصد أفعالهم، ويوجههم تجاه الشر، والقتل المجاني للبشرية وآخرهم الطوفان. فالحديث بين الله والبشر يحث على المتعة، ومقاومة الله في أفعاله تدفع البشر في التفكير والتعقل. وإذا كانت التوراة تبحث في لقاء البشر مع الله، فلماذا الإسلام غير قادر على ذلك. وكم تمنيت أن تكون الرواية إسلامية. أين الروائيون العرب الذين يستنطقون التاريخ الديني كما تم تصويره مثل ساراماغوا، ونحن نجد أن أغلب القصص التوراتية هي قصص في الإسلام، أم أن الشعور بالخوف من القتل كما هو "سلمان رشدي"، هو الذي يمنعهم عن ذلك؟ وهل يتم الإصلاح الديني بدون ضحايا، كالضحايا في أوروبا عندما تحدثوا عن الاكتشافات العلمية والدينية؟ أو كسقراط الذي تناول السم بكل شجاعة، دفاعاً عن أفكاره؟ فحديث البشر مع الله وشراكته المعلنة مع الشيطان ممتع، ويكشف الزيف للبشرية التي مازالت تتقاتل من أجل الحسين وعثمان. والدم الداخلي ما زال ينزف كينبوع دائم في صراعات دينية طائفية بغيضة.


















































تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

ردّاً على " قُحولة الرأي" لدى كاتب شيوعي ومعتقل سياسي!

27-آذار-2021

الذكرى العاشرة للثورة السورية

20-آذار-2021

قابيل: والحديث مع الله.. بداية الخلق بين الثواب والعقاب!

07-آذار-2020

الطائفية وصراع المتشابهات

07-كانون الأول-2019

الطائفية وصراع المتشابهات الجزء الأخير

23-كانون الأول-2017

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow