Alef Logo
الغرفة 13
              

تنكّر البعض لثورة السوريين وجدالات بعض الفلسطينيين

ماجد كيالي

2018-01-13

لم تعرف التجربة التاريخية صراعًا سياسيًا جرى الاختلاف عليه، في الرأي العام، كما بخصوص الصراع السوري، وهو ما نلاحظه في الانقسام العمودي في الرأي العام العربي (وضمنه الفلسطيني)، تمامًا مثلما بين السوريين أنفسهم، بغض النظر عن فهمنا إلى أن وسائل التلاعب والإخضاع والسيطرة، التي انتهجها النظام منذ نصف قرن ضد السوريين، وسيطرته على الموارد والتعليم والإعلام ومؤسسات الدولة، وكونه أكبر موظّف في البلد، لعبت دورًا في ذلك، أي في خلق طوائف أخرى من السوريين، إن صح التعبير، ضمنها طائفة الخائفين وطائفة الحائرين وطائفة المنتظرين، هذا إضافة إلى طائفة المؤيدين.

بَيد أن هذه البلبلة في التعاطي السلبي مع الثورة السورية، أو في الاعتراض عليها، وربما تأييد النظام، إنما تنبع من أسباب عديدة، أولها، ضعف الكيانات والحراكات السياسية في العالم العربي، ولا سيّما في سورية. وثانيها، سيادة أنظمة الاستبداد (جمهورية أو ملكية)، التي تحرّم السياسة والمشاركة السياسية. وثالثها، غياب علاقات المواطنة والديمقراطية، إذ حتى الأحزاب والفصائل السياسية لا يوجد فيها ديمقراطية. ورابعها، الخوف من أي جديد واستمراء العيش على القديم.

غير أن هناك سببين آخرين: أولهما (وهو الخامس في التعداد)، يتعلق بأن مجمل الكيانات السياسية أو الأيديولوجية العربية، القومية والشيوعية والإسلامية، على ضعفها، وبما لها وما عليها، لا تضع قضية الإنسان/ الفرد/ المواطن/ المستقل (عن الانتماءات الأولية) على رأس سلم اهتماماتها. ومعلوم أن تلك الكيانات تتحدث دائمًا باسم القوم (الأمة العربية)، أو الطبقة، أو الأمة (الإسلامية)، لذا فهي لا تولي قضية الحرية ولا المواطنة مكانتها اللائقة في ثقافتها السياسية، علمًا أن هذين عماد أي نظام ديمقراطي، فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية من دون حرية أو مواطنة، ولا الحديث عن مواطنة من دون حرية. وكما نلاحظ فإن مجمل تلك التيارات تتحدث عن حرية الشعب أو الأمة، كتعبير عام للتلاعب والمخاتلة؛ إذ إن الحرية معطى فردي، ويتعذر القول بحرية شعب من دون مواطنين أحرار ومتساوين. ولعل هذا الوضع هو الذي يغذي تخلف إدراكات قوى يسارية وقومية لمعنى الثورة السورية، وتنكرها لتضحيات السوريين وعذاباتهم في كفاحهم من أجل الحرية والمواطنة.

وثانيهما (السادس في التعداد)، يكمن في أن الثورة استدرجت خارج مسارها الطبيعي، في فترة مبكّرة، بأخذها نحو العسكرة، من قبل قوى مرتهنة من الخارج، وبسبب تشجيعات خارجية، كما أنها أزيحت عن مقاصدها الأساسية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، لصالح خطابات طائفية تتغطّى بالدين، وتنمّي التعصّب الديني والطائفي، لا سيّما أن تجربة غالبية هذه القوى في العسكرة وفي المناطق المحرّرة كانت وبالًا على السوريين أنفسهم، وأسهمت في تشويه صورة ثورتهم، في الخارج. وبالأخير فإن الارتهان للقوى الدولية والإقليمية، بدل الاعتماد على الشعب، أدى إلى إخراج السوريين من المشهد، أو من معادلات الصراع، ما أدى إلى انعكاسات سلبية في الرأي العام.

في المحصلة؛ إن كل ذلك مؤسف ومحزن ومؤلم، لا سيّما مع وجود قطاع من الفلسطينيين، بخاصة في الأراضي المحتلة (48 و67)، وهم ضحايا ظلم واضطهاد، وطلاب حرية وكرامة وعدالة، يفترض بهم أن يتضامنوا مع ضحايا مثلهم، ومع حقهم بالحرية والكرامة والعدالة ذاتها التي يطلبونها لأنفسهم، لا سيّما أن نكبة السوريين ضاهت أضعاف نكبتهم.

معلوم أن ذلك ليس بالقياس إلى حجم الأهوال التي اختبرها السوريون، في المجازر والقصف بالبراميل المتفجرة وتشريد الملايين والغرقى في البحر والموت تحت التعذيب؛ إذ إن الجريمة جريمة مهما كبرت أو صغرت، بالوسائل الناعمة أو الخشنة، ولا يوجد جريمة تجبّ أخرى، أو مجرم يبرر أو يزين آخر، وإنما لأن الفرق الجوهري، والأكثر إيلامًا، يكمن في أن “إسرائيل”، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والمصطنعة وغير الشرعية والمجرمة، ضنينة بحياة أي يهودي، وإن كان في أقاصي الدنيا، أي إنها مجرمة بحق الفلسطينيين، أعدائها، في حين أن النظام السوري يقتل ويدمر ويشرد في شعبه.

في هذا الإطار، ثمة بعض الفلسطينيين يتناسون، أيضًا، أن الأنظمة العربية تدخلت في ثورتهم، وأن زعيمهم ياسر عرفات كرّس شعاره: استقلالية القرار الوطني الفلسطيني في مواجهة التدخلات الفجّة للنظام السوري (والعراقي والليبي)، وأن هذا النظام عمل كل جهده لإضعاف المقاومة الفلسطينية، وضرب الحركة الوطنية اللبنانية، والتعامل مع كل منهما كورقة في جيبه لتعزيز مكانته الإقليمية. أيضًا، يتناسى هؤلاء سجل هذا النظام في التضييق على الفصائل الفلسطينية في سورية، ومساهماته في حروب المخيمات، وجرفها، من تل الزعتر والضبية، أواسط السبعينيات، إلى صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة أواسط الثمانينيات، إلى نهر البارد في أواسط التسعينيات.

بعض من هؤلاء لا يريد ملاحظة حجم التدخلات والتلاعبات الخارجية في سورية، وانعكاساتها السلبية الخطيرة على ثورة السوريين، والتي تتوخى وأد توقهم للحرية والديمقراطية، تمامًا مثلما حصل مع حركتهم الوطنية التي جرى التدخل فيها، والتلاعب في مساراتها، لإيصالها إلى ما وصلت إليه، أي القبول باتفاق أوسلو 1993، وإقامة سلطة تحت سلطة الاحتلال، أو تحت سقف الاحتلال، أو سقف الوطن بحسب تعبيرات النظام السوري. المشكلة، أيضًا، أن البعض يأخذ على السوريين تلقيهم الدعم من هذه الدولة الخليجية أو تلك، بدعوى أنها رجعية وحليفة الإمبريالية، في حين أنهم يتناسون أنهم وفصائلهم، وضمنها اليسارية، عاشوا، وعملوا الكفاح المسلح، لعقود، على الدعم من الدول الخليجية ذاتها، وأنهم إلى حد الآن ما زالوا يعيشون عليها وفوقها أموال الدول الإمبريالية المانحة، ناهيك أن فصائلهم تلك عملت ما عملته في الأردن ولبنان، في استقراره السياسي والاقتصادي باسم المقاومة، وهي الحجة ذاتها التي يتحدثون فيها عن سورية.

في الغضون، يلفت الانتباه أن هذا البعض، وعلى الرغم من تحديده طبيعة “إسرائيل”، باعتبارها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ومصطنعة ولا شرعية ومتوحشة، وباعتبارها في الوقت نفسه دولة ديمقراطية إزاء مواطنيها (والقصد مواطنيها اليهود طبعًا)، يعتبر ذلك كمديح لـ “إسرائيل”، وكأن وصف إحدى نقاط تفوق العدو خطأ، أو أنه يجب أن تبقى جاهلًا نقاط قوته وتميزه على الأنظمة العربية. بل إن بعض هؤلاء يرفض الإقرار بديمقراطية “إسرائيل” (أعيد نسبة لمواطنيها اليهود والتي فيها هوامش اضطرارية لمواطنيها الفلسطينيين)، في حين أنه يمدح نظام الأسد، الذي بات له وعائلته في الحكم نصف قرن، والذي يمكن أن يغيب أي شخص في سجونه، عقدًا أو عقدين، على مجرد رأي أو بيان!

قصارى القول، مطلوب بعض الحساسية الأخلاقية في التعامل مع قضية السوريين، مع آلامهم وتضحياتهم، فقضية فلسطين قضية عادلة ونبيلة، لكنها عندما تغدو مجرد قطعة أرض أو قضية سلطة وفصائل ومتفرغين، أو عندما توضع في مكانة مضادة لقضايا الحرية في العالم العربي؛ تفقد بعضًا من معناها وصدقيتها… فالعدالة لا تتجزأ والحرية لا تتجزأ.. ولا توجد قضية تحل محل قضية أخرى، لا مركزية ولا غير مركزية. فلسطين هي معنى للحرية والكرامة والعدالة، فلا تقتلوا هذا المعنى.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

تنكّر البعض لثورة السوريين وجدالات بعض الفلسطينيين

13-كانون الثاني-2018

فلسطيني.. سوري واحد. الحرية لا تتجزّأ

16-كانون الأول-2017

المعارضة السورية بين مؤتمري الرياض وسوتشي

25-تشرين الثاني-2017

إيران في دائرة الاستهداف الأميركي

11-تشرين الثاني-2017

هل يتقدم النظام؟ أو لماذا يبدو كذلك؟

09-أيلول-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow