Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الفراق / أنجلينا بولنسكايا ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2018-02-10

*مع محبتي وأسفي

لا زلت شابا بنظري. تسللت شمس أيلول الميتة من خلال غطاء النافذة ودخلت لمطبخنا البائس. وأنارت وجهك. أنا أعلم أنها النهاية. الحياة سقطت مثل سفينة ضربتها الصخور. ودفن معظمها تحت الأمواج المزبدة. ووصل الضوء البعيد من ألسنة النار إلى الشاطئ. الأدوات والكتب والأشياء واللوازم الصغيرة انزلقت على السطح المائل، وغاصت الآلات الموسيقية الوترية في الظلام وعزفت آخر ألحانها، وأصبحنا في فخ من المياه الهائجة.

رأيتك بين أوراق الخريف المتعفنة. في وشاحك الملفوف وأنت تتقدم في دربك كأننا بنفس العمر. وعصاك بلون الفطر، التي تنتهي من الأعلى بقبضة حمراء (كي لا تسقط منك) تزيد من عمرك. هذه العصا مصنوعة بيد رجل لم يعد بيننا. إنه زوجك وأبي الثاني. وبعد أن قطعت ساق أول فطر عملاق، استدرت للخلف. كان قلبي مفطورا من الحزن. هذا العام مناسب للفطر. يقول الناس عنه:" قوت الحروب". منقط بنقاط صفر محمرة، من الأبيض وحتى لون الشوكولا البنية – هكذا هي رؤوس الفطر. تعبت ذراعي من السلة الثقيلة. نقلتها من ذراع لآخر. لا زال أمامنا واجب العودة من خلال غابة البتولا على طول الطريق الزراعي، الملوث بمياه المطر، وحتى الطريق العام. وهذا يعني أن نخوض هنا حوالي عشرين دقيقة. ولا يزال هناك المزيد من الفطور التي تظهر من بين الأعشاب. ويبدو أنني سمعت صوتا قريبا. فصنعت لك إشارة لتلزم الصمت. ورأييت رجلين كبيرين يقفان على قمة التلال قرب الخندق. الأول وهو الأكبر بالعمر له تاتو السجون، وكان يلعب بسكينة. وفوقه سحابة من دخان السيجارات. وكان الإثنان يتبادلان الكلام. ولكن لم أسمع ماذا يقولان. وقفت جامدة. وأمسكت أنفاسي.

غصن شجرة منهارة أصبح عند قفا حذائي. وخشيت أن أتحرك، حتى لا يصدر عني صوت. من الخطر على النساء أن تتجولن في الغابة. أي شيء يمكن أن يحصل. وحينما يختار القدر رجل امرأة ويختطفه، تحمل سلاحه وتتابع. الآن التلال فارغة. والإثنان رحلا، ولكن الخطر لم يذهب من الأجواء. وقد يبس فمي من جراء التوتر.

وصلنا إلى سيارتنا في الظلام. حجبت نور السماء غيوم سود بلون الحبر. وهناك حزمة غير واضحة المعالم تذوب في الغرب. وغابت الشمس وأصبح ظهري فجأة بارد الملمس. وطار السنونو على طول خطوط التوتر العالي. لم أشاهد هذه الطيور الهائجة بأجنحتها المدببة في حديقتنا منذ فترات طويلة.

كان بيت الطيور القديم فارغا، فقد هدم نقار خشب العش، وألقى محتوياته على الأرض- أغصان صغيرة وأعشاب جافة سقطت على الأرض. وربما زوج من السنونو لا يزال يحلق فوق رؤوسنا. ولكن ليس بوسعي أن أراها الآن. والمشهد تقريبا كان مؤلما لي. والعش ليس بحجم مناسب أبدا لنقار الخشب. وقطعة من ألياف العش التصقت بمدخل بيت الطيور، وسوف ترتعش في الهواء حتى يجرفها المطر بعيدا.

ولآخر مرة قبل الشتاء ذهبت إلى الغابة. ومن يعلم متى سأعود. وهل سيكون بمقدورنا أن نستمر أقوياء، ولا نلقي أسلحتنا؟. وبعدنا، لن يأتي أحد. أنت بجانبي، وقطرة من الماء علقت بتجاعيدك. وها نحن نتماسك بأيدينا.

وقبل أن نترك عدة بلدان وأمسيات ودقائق، سأدعك وحدك. وإلا كلانا سنكون متآكلين، والفأر البدين الذي لعبت معه قطتنا، أمور، منذ عدة سنوات مضت، وأوراق النخيل العريضة والتي تطورت من بذور إسبانية، ستنتظر معك. كان الفراق يلفحني بهوائه منذ الدقيقة التي ذكرت فيها اسمك. ولأنني لم أتعلم كيف تتصرف الزوجة أو الأم، بقيت ابنة أبدية، لكن من يتحمل هذا الخطأ؟.

ومن يتحمل غلطة غرق التيتانيك؟.

القدر، أم رماد القلب المتألم؟.

كان للخريف رائحة التفاح. وهناك الكثير منه هذا العام. وكانت تسقط ثمار التفاح على الأرض وتقرع قرعات مكتومة. واليوم هو يوم خاص، وعلينا أن نمر فيه.

زارني كورانوف ظهرا. بعد عشرين عاما من الشراكة المستمرة انتهى كل شيء بحادثة واحدة. كان علينا إسكات الذكريات لأنه لا يربطنا الآن شيء. ما عدا الموت. ولا تزال لدي ذكرى غامضة من الماضي. كيف جاء إلى جانبي وطبع قبلةة على شعري و عنقي. وحاليا لم أعد أعرفه. رأيته أمامي كأنه غريب. جلسنا عند طاولة مطوية ومطلية ولها سيقان ترتعش، وتثير الشفقة والهزء وكأنها شاة في المسلخ. ولأول مرة لعدة سنوات لم نرفع السقف المخطط بالأزرق والأبيض، ولم نحمل كراسي الهواء الطلق والطاولات إلى الشرفة. ولم يعد لدينا من يفعل ذلك عووضا عنا. ثم لم يعد هناك سبب لذلك.

"هل ترغب ببعض القهوة؟".

نظرت إلى عينيه مباشرة لأفهم الخيال التوراتي الكامن في يهوذا.

قال المسيح:" أي شيء تفعله افعله بسرعة That thou doest, do quickly". وبعد ذلك نهض يهوذا وأقدم على الوشاية بالمسيح للجنود مقابل 30 قطعة من الفضة.

قال كوزانوف:" تعلمين أنني بغاية السعادة". كما لو أنه في مسرحية لتشيخوف، وكان ينظر لشجرة تفاح كبيرة لم تقلم لفترات طويلة. أجبته:"لن تكون سعيدا أبدا"، ووضعت أمامه كوبين من القهوة. "أنت لا تعرفين كيف تحبين". حركت رائحة القهوة المكثفة أشجانك أكثر من الشراب ذاته. لم يكن لديه شيء يخفيه. مجرد فراغ مريض في عينيه. وجه رجل تطويه حياته. وقد دفعت الحياة له المكافأة المناسبة، وأجبرته على التهام الخبز الذي لا يتوفر دائما. هذا قبل ليلة رأس السنة عام 1989. وسقط الثلج الرطب على شعري المكشوف. وأنا مرعوبة، ولا يحميني شيء غير شبابي. كنا نقف على الرصيف الذي تضربه الرياح، بانتظار القطار. أنا والشاب الذي لا يمكنه رفع عينيه عني. هناك "بيت" زجاجي مزود بمنصات للجلوس. وكان مزدحما. وكان الثلج لا يزال يهبط. من غير أية أوهام سألته:" ماذا تريد مني؟".

كما يبدو نحن زملاء مدرسة. كان على وشك القيام بشيء ما لكن فجأة تخلى عن مساره وتبعني. كنت هائجة لأنني لست بحاجة لصبي ورائي. قال:"أنا ألكسندر"، وجلس بجواري. نظرت للنافذة وأنيرت المباني الإسمنتية بإضاءة المحطة الخفيفة. وأصبحت تشبه محطة فجرتها القنابل. حدقت به مباشرة، كما أصنع الآن، وهمست: "ليس لديك أمل".

ولكنه كان عنيدا ولديه رغبة وهوس بالتملك حتى لو أن ما يفكر به ليس له. الطبقة، الأفكار، التربية، كل شيء مختلف. وهو ما سنلاحظه لاحقا. ولثلاث سنوات وقف أمام الأبواب يصغي لصراخي الجنوني. مرضي، وأحلامي المضطربة، تحولت بالتدريج إلى أنقاض. استلقيت على الأرض، وحدقت بعتلة السقف. قلت وأنا أعود بذهني من الماضي بصعوبة:"وعدت أن تصحبني إلى البندقية".

"نعم، فعلت ذالك".

وقضم قضمة من تفاحة ناضجة. وسالت منها عصارة وتركت بقعا رطبة على بلوزتي الحريرية.

"احزر ماذا؟".

"ماذا؟".

"القطة تتمرغ بساقي شخص يرمي لها الطعام. وأنت قررت أن الطعام يكون أطيب لو تناولته من طاولة الآخرين؟. أنت في الفخ. وليس لديك مهرب يا ألكسندر".

أطفأ سيجارته قبل أن ينتهي منها. رجعت بظهري وأسندته على مسند الكرسي. كم هي السماء مخدرة. وكم هي الأغصان كثيفة. ولكنها ليست خضراء بعد الآن. ماذا حصل لها؟. ولماذا اصفرت أوراقها الإبرية؟.

بعد وفاة زوجها ذهبت المرأة إلى البندقية، ولا تزال في العزاء، وهناك دون أن تتوقع، تقابل رجلا شابا. إنها تمطر. أينما كان مكان الحبكة فهي تمطر. وتسقط قطرات على النافذة. وسيول تهطل من أنابيب التصريف. ومظلة مثبتة عند المدخل تترك خطا رطبا على البلاط. وكلاهما تغمره العواطف. وهي تزيد على عمر الشاب بحوالي أحد عشر عاما. احتلا غرفة في أحد الفنادق. ثم ذهبا إلى سان ماركو. وشربا النبيذ. وتجولا حول المتاهة الضيقة في أرجاء البندقية. ثم شربا مجددا النبيذ ودخنا السجائر. يا له من جو هادئ. ولا يزال بوسعك سماع صوت قطرات المطر في الخارج. كان جمال البندقية غريبا.

وهناك شيء طارد فيها. يوجد القليل من السياح – فالموعد ليس في فصل السياحة والمدينة مغطاة بالضباب، وها هو يلتف حول أعمدة النور، ويجعل الضوء قطنيا.

لا يوجد هناك ولو مشهد واحد مفتوح. وهذا كأنه يحصل لك، من تدفق الدم إلى الوجه، وإلى الأماكن التي لا تغطيها الجوارب، ومن الارتطام صدفة بالطاولات في الليل إلى المشاعر السعيدة التي تسبب بها المرح والعزلة التامة. كان الوقت متأخرا بالنسبة لها. لماذا تأتي السعادة متأخرة؟. حينما ترفض الروح إيحاءاتها. قالت مبتسمة:"الجو بارد".

لف الرجل ذراعيه حول كتفيها، اشترت قناعا كرنفاليا من أحد المخازن. لقد تصرفت هكذا مع زوجها. وقد أحضرا تذكارا بسيطا من عدة بلدان وعلقاها على الجدران. سألت المرأة وهي تتحسس بيدها الريشات الملونة:" هل تعجبك؟".

أومأ. ومع ذلك كان القناع ينفره. لقد حلمت دائما بالبندقية. وهي تتنسم عبير قطر الندى والبيوت القديمة. قالت المرأة:"كما تعلم، في الأمسية الماضية حلمت ببنت من أيام شبابي. وفي آخر سنة من أيام المدرسة بدأت بإنفاق وقتها منع بنت أخرى. وتركتني وحيدا. مر الوقت. وبعد عدة سنوات التقينا. ولكنها لم تخبرني بسبب قطع علاقتنا. لم يكن بمقدورها ذلك. ولم أسامحها. ولكن لم تكن لدي رغبة بالانتقام. غير أن الألم كان لا يطاق. في تلك اللحظات كان كل شيء قد أصبح بلا معنى. والأسوأ أن يتطور الألم إلى كراهية".

"زوجك...".

هزت المرأة رأسها.

"كلا. لقد مات. مات للتو".

وقفا ونظرا إلى الأمواج.

قال:"أنت لست مثل الآخرين".

و في اليوم التالي جلست في صالة الفندق مع كوب قهوة وبين يديها جريدة. كان الإفطار قد انتهى أوانه والنادل نظف الطاولات.

"ماذا تقرأين؟".

"كل إنسان لديه الحق باختيار منفذ للنجاة طوعا، هل هذا صحيح؟".

نظرت المرأة إليه.

سألها ثانية:"ماااااذا؟".

"هذا صحيح. كنت أقرأ مقالة. عن القتل الرحيم. وهو يكلف ثلاثة آلاف فرنك بالنقود السويسرية. وخمسة آلاف للتخلص من الرماد.".

ثم ضحكت. وانتهت زيارة البندقية. واختفت المرأة. ولم ترد على هواتفه. وكان بيتها مغلقا. إنما جارتها النحيلةـ التي تحمل ابنها المريض بين ذراعيها، فقد خرجت لترى من يدق الباب.

قالت: "ليس لدينا جرس. ولا يوجد أحد ليستبدله". وكانت بنت بعمر أربع سنوات، وشعر غير مشذب، تمسك بتنورتها.

أردفت الجارة وهي تداعب ابنها:" هل تبحث عن رقم 30 #؟ جانا رحلت".

قال الرجل بدهشة:"ماذا يعني أنها رحلت. إلى أين؟".

مدت يدها إلى جيب ثوبها المنزلي وسحبت ورقة. وقالت :" عليك أن تشاهد اللسان البحري، ولا أعرف ما معنى هذا؟". ثم صفقت الباب. في الظهيرة اجتمعنا في المقبرة. وقالت الأم:" قف هنا يا ألكسندر".

و ذهبت لشراء الزهور الصناعية. انتظرنا في السيارة بزجاحها المشقوق. كان داخل السيارة في حالة فوضى، وكل أنواع النفايات على الأرض. قالت:" أنت معتاد على التفكير بتنظيف كل شيء على الدوام".

أجاب:"صحيح".

الطريق الذي بلا نهاية.

تبادلنا ملاحظات حادة. وكل حركة بالرأس، كل التفاتة، كلمة – كذبة. ودخل الهواء إلى تحت جلدنا. ولم يسمح لي كورانوف بالانصراف. وكانت المعرفة بالنسبة لي لا شيء سوى أنها سم. والرأس الحجري الجديد، والذي اخترناه لأسبوع كامل في آب المنصرم، أعيد إلى مكانه. الثالث من الأخير. انتهى العمل. لا توجد ورقة عشب واحدة. وغطى العمال كل شيء بالرمل.

ونادى كورانوف حفار القبور كأنه يتفق معه على شيء:"كيف حالك يا إيفان". كأنه حفر القبر برفقته. ولم يلتفت إيفان له، أو كأنه أصبح أصم.

وعلى امتداد أربع سنوات استقرت الكومة. صليب أبيض صغير على غرانيت أسود. ونظر أمواتنا نحونا. كان نصف بروفيلهم ظاهرا للعيان، وعلى وجوههم ابتسامة.

وأعولت ماما. ولم أكن أعلم كيف أبتعد عن هذه اللوعة المضغوطة. ثم خرجت وتجولت حول المكان، واقتلعت النباتات النامية من أشجار جار الماء الصغيرة.كانت ناعمة، مثل أطفال في بواكير عمورهم. والسفينة التي كنا نبحر عليها، والتي صممها مهندسون وقادها أفضل قبطان في العالم، ارتطمت بجبل من الجليد.

سأل كورانوف ونحن نعود على أعقابنا:" متى ستغادرين؟".

"في غضون أسبوع".

"هل حصلت على أوراق الطلاق؟",.

"كلا".

من حسن الحظ أن والدته لم تسمع كلماتنا. وكانت ممددة بالجوار. على بعد مسيرة خمس دقائق. رافقنا إلى استراحة وشربنا فيها النبيذ "الأسود" كذكرى أخيرة.

قلت:"وداعا".

"وداعا".

قلت بعد صمت قصير:"آه، حسنا، هناك شيء آخر".

جمد كورانوف في مكانه للحظة.

"بعض الناس حقا متميزون".

ومن خلف الزجاج السميك كنت أشاهد سيارة الرياضة تستدير بدورة كاملة. ناديت على النادل وطلبت زجاجة أخرى. كان النبيذ لاذعا جدا وأحرق جوفي. ولكن لم أثمل به، وماما لا تبكي بعد الآن. وكانت تواصل الكلام بلا تلكؤ. نسيت كل شيء عن ابن خالي. وكانت هي تتبعنا مثل خيال. مثل خيال أخيها الميت. وفعلا أرادت أن تقترب من زوجي السابق. كي تشفق عليه مثل أي امرأة روسية تقليدية. وتفقد نفسها بين أحضانه. مثلما تشفق على أي مقعد أو مشلول. وأن تضع كل تضحياتها في تصرفات كلامية كما لو أنها ليست لي. بعثرت الصور القديمة على الطاولة، ونظرنا على شبابنا الذي طال أمد موته.

قال ابن خالي فجأة:"حان الوقت لنسيانه".

"النسيان؟".

عضت شفتيها.

نظرت بإمعان في وجهها الخالي من التعابير. لقد ملأ الله الفراغ. التطرف الديني لا يعترف بالروح. وفي قلب أناس من أمثالها يوجد فجوة أو حفرة فقط. ومن خلال هذه الحفرة يتدفق تيار لا نهاية له من القواعد الدينية. وصلت السيارة العمومية. وقدنا ابن خالي إلى شقتها الفارغة وذهبنا إلى البيت.

"كم؟".

قال سائق السيارة العامة بتعجرف:"سبعمائة".

من غير المجدي النقاش معه. امرأتان في الليل. امرأتان في الغابة. كنا محاطين بعالم تحتله الوحوش.

هذا ليس هم – نحن ضيوف عليهم. أنار الضوء الأمامي عناوين البيوت، أرقام كبيرة على خلفية بيضاء.

"لا يوجد شيء تأسفين عليه يا ماما".

وافقت، متقبلة أي شيء تمنحه الحياة دون شكوى. و قد مزقتني هشاشة هذا العالم.

"لا تقاوم. أفلت المجاذيف. واذهب مع التيار".

رائحة التراب الرطب، ورائحة حديقة تودع الصيف، فآخر الزهور أسقطت بتلاتها. جلست على السلالم، محاولة التمسك باللحظات الأخيرة. وها هي تبدو بمظهر أسماك ذهبية تسبح بعيدا عن السطح نحو أعماق البركة المتبلورة. وأعلم أن البركة بلا منافذ للتصريف. وهي عالقة هناك، ولكن لا يزال هناك معجزة. ولا يمكنني رؤية السمك بعد الآن. وهي تحني ظهرها وعمودها الفقري المتكتل. فينكسر إلى ملايين الأشواك التي تختفي في المياه.

"هل علينا أن نجلس لدقيقة؟".

قاطعت ساقي على كنبة المطبخ القديم ووضعت رأسي على كتف أمي.

سوف نفترق عما قريب.



أنجلينا بولونسكايا Anzhelina Polonskaya كاتبة روسية. من مؤلفاتها (الصوت) ونشرته سلسلة كتابات من أوروبا الحرة. ولها قصص وقصائد مترجمة منشورة في متابعات أيوا (أيوا ريفيو)، متابعات ماساشوسيتس (ماساشوستس ريفيو)، متابعات أدبية (ليتيراري ريفيو). وتعمل محررة في مجلة سويسرا الروسية.

أندرو واتشيل Andrew Wachtel مترجم القصة من الروسية إلى الإنكليزية. من مؤلفاته (البلقان في تاريخ العالم - 2008)، الأدب الروسي - 2008) وغير ذلك.

*مع محبتي وأسفي

لا زلت شابا بنظري. تسللت شمس أيلول الميتة من خلال غطاء النافذة ودخلت لمطبخنا البائس. وأنارت وجهك. أنا أعلم أنها النهاية. الحياة سقطت مثل سفينة ضربتها الصخور. ودفن معظمها تحت الأمواج المزبدة. ووصل الضوء البعيد من ألسنة النار إلى الشاطئ. الأدوات والكتب والأشياء واللوازم الصغيرة انزلقت على السطح المائل، وغاصت الآلات الموسيقية الوترية في الظلام وعزفت آخر ألحانها، وأصبحنا في فخ من المياه الهائجة.

رأيتك بين أوراق الخريف المتعفنة. في وشاحك الملفوف وأنت تتقدم في دربك كأننا بنفس العمر. وعصاك بلون الفطر، التي تنتهي من الأعلى بقبضة حمراء (كي لا تسقط منك) تزيد من عمرك. هذه العصا مصنوعة بيد رجل لم يعد بيننا. إنه زوجك وأبي الثاني. وبعد أن قطعت ساق أول فطر عملاق، استدرت للخلف. كان قلبي مفطورا من الحزن. هذا العام مناسب للفطر. يقول الناس عنه:" قوت الحروب". منقط بنقاط صفر محمرة، من الأبيض وحتى لون الشوكولا البنية – هكذا هي رؤوس الفطر. تعبت ذراعي من السلة الثقيلة. نقلتها من ذراع لآخر. لا زال أمامنا واجب العودة من خلال غابة البتولا على طول الطريق الزراعي، الملوث بمياه المطر، وحتى الطريق العام. وهذا يعني أن نخوض هنا حوالي عشرين دقيقة. ولا يزال هناك المزيد من الفطور التي تظهر من بين الأعشاب. ويبدو أنني سمعت صوتا قريبا. فصنعت لك إشارة لتلزم الصمت. ورأييت رجلين كبيرين يقفان على قمة التلال قرب الخندق. الأول وهو الأكبر بالعمر له تاتو السجون، وكان يلعب بسكينة. وفوقه سحابة من دخان السيجارات. وكان الإثنان يتبادلان الكلام. ولكن لم أسمع ماذا يقولان. وقفت جامدة. وأمسكت أنفاسي.

غصن شجرة منهارة أصبح عند قفا حذائي. وخشيت أن أتحرك، حتى لا يصدر عني صوت. من الخطر على النساء أن تتجولن في الغابة. أي شيء يمكن أن يحصل. وحينما يختار القدر رجل امرأة ويختطفه، تحمل سلاحه وتتابع. الآن التلال فارغة. والإثنان رحلا، ولكن الخطر لم يذهب من الأجواء. وقد يبس فمي من جراء التوتر.

وصلنا إلى سيارتنا في الظلام. حجبت نور السماء غيوم سود بلون الحبر. وهناك حزمة غير واضحة المعالم تذوب في الغرب. وغابت الشمس وأصبح ظهري فجأة بارد الملمس. وطار السنونو على طول خطوط التوتر العالي. لم أشاهد هذه الطيور الهائجة بأجنحتها المدببة في حديقتنا منذ فترات طويلة.

كان بيت الطيور القديم فارغا، فقد هدم نقار خشب العش، وألقى محتوياته على الأرض- أغصان صغيرة وأعشاب جافة سقطت على الأرض. وربما زوج من السنونو لا يزال يحلق فوق رؤوسنا. ولكن ليس بوسعي أن أراها الآن. والمشهد تقريبا كان مؤلما لي. والعش ليس بحجم مناسب أبدا لنقار الخشب. وقطعة من ألياف العش التصقت بمدخل بيت الطيور، وسوف ترتعش في الهواء حتى يجرفها المطر بعيدا.

ولآخر مرة قبل الشتاء ذهبت إلى الغابة. ومن يعلم متى سأعود. وهل سيكون بمقدورنا أن نستمر أقوياء، ولا نلقي أسلحتنا؟. وبعدنا، لن يأتي أحد. أنت بجانبي، وقطرة من الماء علقت بتجاعيدك. وها نحن نتماسك بأيدينا.

وقبل أن نترك عدة بلدان وأمسيات ودقائق، سأدعك وحدك. وإلا كلانا سنكون متآكلين، والفأر البدين الذي لعبت معه قطتنا، أمور، منذ عدة سنوات مضت، وأوراق النخيل العريضة والتي تطورت من بذور إسبانية، ستنتظر معك. كان الفراق يلفحني بهوائه منذ الدقيقة التي ذكرت فيها اسمك. ولأنني لم أتعلم كيف تتصرف الزوجة أو الأم، بقيت ابنة أبدية، لكن من يتحمل هذا الخطأ؟.

ومن يتحمل غلطة غرق التيتانيك؟.

القدر، أم رماد القلب المتألم؟.

كان للخريف رائحة التفاح. وهناك الكثير منه هذا العام. وكانت تسقط ثمار التفاح على الأرض وتقرع قرعات مكتومة. واليوم هو يوم خاص، وعلينا أن نمر فيه.

زارني كورانوف ظهرا. بعد عشرين عاما من الشراكة المستمرة انتهى كل شيء بحادثة واحدة. كان علينا إسكات الذكريات لأنه لا يربطنا الآن شيء. ما عدا الموت. ولا تزال لدي ذكرى غامضة من الماضي. كيف جاء إلى جانبي وطبع قبلةة على شعري و عنقي. وحاليا لم أعد أعرفه. رأيته أمامي كأنه غريب. جلسنا عند طاولة مطوية ومطلية ولها سيقان ترتعش، وتثير الشفقة والهزء وكأنها شاة في المسلخ. ولأول مرة لعدة سنوات لم نرفع السقف المخطط بالأزرق والأبيض، ولم نحمل كراسي الهواء الطلق والطاولات إلى الشرفة. ولم يعد لدينا من يفعل ذلك عووضا عنا. ثم لم يعد هناك سبب لذلك.

"هل ترغب ببعض القهوة؟".

نظرت إلى عينيه مباشرة لأفهم الخيال التوراتي الكامن في يهوذا.

قال المسيح:" أي شيء تفعله افعله بسرعة That thou doest, do quickly". وبعد ذلك نهض يهوذا وأقدم على الوشاية بالمسيح للجنود مقابل 30 قطعة من الفضة.

قال كوزانوف:" تعلمين أنني بغاية السعادة". كما لو أنه في مسرحية لتشيخوف، وكان ينظر لشجرة تفاح كبيرة لم تقلم لفترات طويلة. أجبته:"لن تكون سعيدا أبدا"، ووضعت أمامه كوبين من القهوة. "أنت لا تعرفين كيف تحبين". حركت رائحة القهوة المكثفة أشجانك أكثر من الشراب ذاته. لم يكن لديه شيء يخفيه. مجرد فراغ مريض في عينيه. وجه رجل تطويه حياته. وقد دفعت الحياة له المكافأة المناسبة، وأجبرته على التهام الخبز الذي لا يتوفر دائما. هذا قبل ليلة رأس السنة عام 1989. وسقط الثلج الرطب على شعري المكشوف. وأنا مرعوبة، ولا يحميني شيء غير شبابي. كنا نقف على الرصيف الذي تضربه الرياح، بانتظار القطار. أنا والشاب الذي لا يمكنه رفع عينيه عني. هناك "بيت" زجاجي مزود بمنصات للجلوس. وكان مزدحما. وكان الثلج لا يزال يهبط. من غير أية أوهام سألته:" ماذا تريد مني؟".

كما يبدو نحن زملاء مدرسة. كان على وشك القيام بشيء ما لكن فجأة تخلى عن مساره وتبعني. كنت هائجة لأنني لست بحاجة لصبي ورائي. قال:"أنا ألكسندر"، وجلس بجواري. نظرت للنافذة وأنيرت المباني الإسمنتية بإضاءة المحطة الخفيفة. وأصبحت تشبه محطة فجرتها القنابل. حدقت به مباشرة، كما أصنع الآن، وهمست: "ليس لديك أمل".

ولكنه كان عنيدا ولديه رغبة وهوس بالتملك حتى لو أن ما يفكر به ليس له. الطبقة، الأفكار، التربية، كل شيء مختلف. وهو ما سنلاحظه لاحقا. ولثلاث سنوات وقف أمام الأبواب يصغي لصراخي الجنوني. مرضي، وأحلامي المضطربة، تحولت بالتدريج إلى أنقاض. استلقيت على الأرض، وحدقت بعتلة السقف. قلت وأنا أعود بذهني من الماضي بصعوبة:"وعدت أن تصحبني إلى البندقية".

"نعم، فعلت ذالك".

وقضم قضمة من تفاحة ناضجة. وسالت منها عصارة وتركت بقعا رطبة على بلوزتي الحريرية.

"احزر ماذا؟".

"ماذا؟".

"القطة تتمرغ بساقي شخص يرمي لها الطعام. وأنت قررت أن الطعام يكون أطيب لو تناولته من طاولة الآخرين؟. أنت في الفخ. وليس لديك مهرب يا ألكسندر".

أطفأ سيجارته قبل أن ينتهي منها. رجعت بظهري وأسندته على مسند الكرسي. كم هي السماء مخدرة. وكم هي الأغصان كثيفة. ولكنها ليست خضراء بعد الآن. ماذا حصل لها؟. ولماذا اصفرت أوراقها الإبرية؟.

بعد وفاة زوجها ذهبت المرأة إلى البندقية، ولا تزال في العزاء، وهناك دون أن تتوقع، تقابل رجلا شابا. إنها تمطر. أينما كان مكان الحبكة فهي تمطر. وتسقط قطرات على النافذة. وسيول تهطل من أنابيب التصريف. ومظلة مثبتة عند المدخل تترك خطا رطبا على البلاط. وكلاهما تغمره العواطف. وهي تزيد على عمر الشاب بحوالي أحد عشر عاما. احتلا غرفة في أحد الفنادق. ثم ذهبا إلى سان ماركو. وشربا النبيذ. وتجولا حول المتاهة الضيقة في أرجاء البندقية. ثم شربا مجددا النبيذ ودخنا السجائر. يا له من جو هادئ. ولا يزال بوسعك سماع صوت قطرات المطر في الخارج. كان جمال البندقية غريبا.

وهناك شيء طارد فيها. يوجد القليل من السياح – فالموعد ليس في فصل السياحة والمدينة مغطاة بالضباب، وها هو يلتف حول أعمدة النور، ويجعل الضوء قطنيا.

لا يوجد هناك ولو مشهد واحد مفتوح. وهذا كأنه يحصل لك، من تدفق الدم إلى الوجه، وإلى الأماكن التي لا تغطيها الجوارب، ومن الارتطام صدفة بالطاولات في الليل إلى المشاعر السعيدة التي تسبب بها المرح والعزلة التامة. كان الوقت متأخرا بالنسبة لها. لماذا تأتي السعادة متأخرة؟. حينما ترفض الروح إيحاءاتها. قالت مبتسمة:"الجو بارد".

لف الرجل ذراعيه حول كتفيها، اشترت قناعا كرنفاليا من أحد المخازن. لقد تصرفت هكذا مع زوجها. وقد أحضرا تذكارا بسيطا من عدة بلدان وعلقاها على الجدران. سألت المرأة وهي تتحسس بيدها الريشات الملونة:" هل تعجبك؟".

أومأ. ومع ذلك كان القناع ينفره. لقد حلمت دائما بالبندقية. وهي تتنسم عبير قطر الندى والبيوت القديمة. قالت المرأة:"كما تعلم، في الأمسية الماضية حلمت ببنت من أيام شبابي. وفي آخر سنة من أيام المدرسة بدأت بإنفاق وقتها منع بنت أخرى. وتركتني وحيدا. مر الوقت. وبعد عدة سنوات التقينا. ولكنها لم تخبرني بسبب قطع علاقتنا. لم يكن بمقدورها ذلك. ولم أسامحها. ولكن لم تكن لدي رغبة بالانتقام. غير أن الألم كان لا يطاق. في تلك اللحظات كان كل شيء قد أصبح بلا معنى. والأسوأ أن يتطور الألم إلى كراهية".

"زوجك...".

هزت المرأة رأسها.

"كلا. لقد مات. مات للتو".

وقفا ونظرا إلى الأمواج.

قال:"أنت لست مثل الآخرين".

و في اليوم التالي جلست في صالة الفندق مع كوب قهوة وبين يديها جريدة. كان الإفطار قد انتهى أوانه والنادل نظف الطاولات.

"ماذا تقرأين؟".

"كل إنسان لديه الحق باختيار منفذ للنجاة طوعا، هل هذا صحيح؟".

نظرت المرأة إليه.

سألها ثانية:"ماااااذا؟".

"هذا صحيح. كنت أقرأ مقالة. عن القتل الرحيم. وهو يكلف ثلاثة آلاف فرنك بالنقود السويسرية. وخمسة آلاف للتخلص من الرماد.".

ثم ضحكت. وانتهت زيارة البندقية. واختفت المرأة. ولم ترد على هواتفه. وكان بيتها مغلقا. إنما جارتها النحيلةـ التي تحمل ابنها المريض بين ذراعيها، فقد خرجت لترى من يدق الباب.

قالت: "ليس لدينا جرس. ولا يوجد أحد ليستبدله". وكانت بنت بعمر أربع سنوات، وشعر غير مشذب، تمسك بتنورتها.

أردفت الجارة وهي تداعب ابنها:" هل تبحث عن رقم 30 #؟ جانا رحلت".

قال الرجل بدهشة:"ماذا يعني أنها رحلت. إلى أين؟".

مدت يدها إلى جيب ثوبها المنزلي وسحبت ورقة. وقالت :" عليك أن تشاهد اللسان البحري، ولا أعرف ما معنى هذا؟". ثم صفقت الباب. في الظهيرة اجتمعنا في المقبرة. وقالت الأم:" قف هنا يا ألكسندر".

و ذهبت لشراء الزهور الصناعية. انتظرنا في السيارة بزجاحها المشقوق. كان داخل السيارة في حالة فوضى، وكل أنواع النفايات على الأرض. قالت:" أنت معتاد على التفكير بتنظيف كل شيء على الدوام".

أجاب:"صحيح".

الطريق الذي بلا نهاية.

تبادلنا ملاحظات حادة. وكل حركة بالرأس، كل التفاتة، كلمة – كذبة. ودخل الهواء إلى تحت جلدنا. ولم يسمح لي كورانوف بالانصراف. وكانت المعرفة بالنسبة لي لا شيء سوى أنها سم. والرأس الحجري الجديد، والذي اخترناه لأسبوع كامل في آب المنصرم، أعيد إلى مكانه. الثالث من الأخير. انتهى العمل. لا توجد ورقة عشب واحدة. وغطى العمال كل شيء بالرمل.

ونادى كورانوف حفار القبور كأنه يتفق معه على شيء:"كيف حالك يا إيفان". كأنه حفر القبر برفقته. ولم يلتفت إيفان له، أو كأنه أصبح أصم.

وعلى امتداد أربع سنوات استقرت الكومة. صليب أبيض صغير على غرانيت أسود. ونظر أمواتنا نحونا. كان نصف بروفيلهم ظاهرا للعيان، وعلى وجوههم ابتسامة.

وأعولت ماما. ولم أكن أعلم كيف أبتعد عن هذه اللوعة المضغوطة. ثم خرجت وتجولت حول المكان، واقتلعت النباتات النامية من أشجار جار الماء الصغيرة.كانت ناعمة، مثل أطفال في بواكير عمورهم. والسفينة التي كنا نبحر عليها، والتي صممها مهندسون وقادها أفضل قبطان في العالم، ارتطمت بجبل من الجليد.

سأل كورانوف ونحن نعود على أعقابنا:" متى ستغادرين؟".

"في غضون أسبوع".

"هل حصلت على أوراق الطلاق؟",.

"كلا".

من حسن الحظ أن والدته لم تسمع كلماتنا. وكانت ممددة بالجوار. على بعد مسيرة خمس دقائق. رافقنا إلى استراحة وشربنا فيها النبيذ "الأسود" كذكرى أخيرة.

قلت:"وداعا".

"وداعا".

قلت بعد صمت قصير:"آه، حسنا، هناك شيء آخر".

جمد كورانوف في مكانه للحظة.

"بعض الناس حقا متميزون".

ومن خلف الزجاج السميك كنت أشاهد سيارة الرياضة تستدير بدورة كاملة. ناديت على النادل وطلبت زجاجة أخرى. كان النبيذ لاذعا جدا وأحرق جوفي. ولكن لم أثمل به، وماما لا تبكي بعد الآن. وكانت تواصل الكلام بلا تلكؤ. نسيت كل شيء عن ابن خالي. وكانت هي تتبعنا مثل خيال. مثل خيال أخيها الميت. وفعلا أرادت أن تقترب من زوجي السابق. كي تشفق عليه مثل أي امرأة روسية تقليدية. وتفقد نفسها بين أحضانه. مثلما تشفق على أي مقعد أو مشلول. وأن تضع كل تضحياتها في تصرفات كلامية كما لو أنها ليست لي. بعثرت الصور القديمة على الطاولة، ونظرنا على شبابنا الذي طال أمد موته.

قال ابن خالي فجأة:"حان الوقت لنسيانه".

"النسيان؟".

عضت شفتيها.

نظرت بإمعان في وجهها الخالي من التعابير. لقد ملأ الله الفراغ. التطرف الديني لا يعترف بالروح. وفي قلب أناس من أمثالها يوجد فجوة أو حفرة فقط. ومن خلال هذه الحفرة يتدفق تيار لا نهاية له من القواعد الدينية. وصلت السيارة العمومية. وقدنا ابن خالي إلى شقتها الفارغة وذهبنا إلى البيت.

"كم؟".

قال سائق السيارة العامة بتعجرف:"سبعمائة".

من غير المجدي النقاش معه. امرأتان في الليل. امرأتان في الغابة. كنا محاطين بعالم تحتله الوحوش.

هذا ليس هم – نحن ضيوف عليهم. أنار الضوء الأمامي عناوين البيوت، أرقام كبيرة على خلفية بيضاء.

"لا يوجد شيء تأسفين عليه يا ماما".

وافقت، متقبلة أي شيء تمنحه الحياة دون شكوى. و قد مزقتني هشاشة هذا العالم.

"لا تقاوم. أفلت المجاذيف. واذهب مع التيار".

رائحة التراب الرطب، ورائحة حديقة تودع الصيف، فآخر الزهور أسقطت بتلاتها. جلست على السلالم، محاولة التمسك باللحظات الأخيرة. وها هي تبدو بمظهر أسماك ذهبية تسبح بعيدا عن السطح نحو أعماق البركة المتبلورة. وأعلم أن البركة بلا منافذ للتصريف. وهي عالقة هناك، ولكن لا يزال هناك معجزة. ولا يمكنني رؤية السمك بعد الآن. وهي تحني ظهرها وعمودها الفقري المتكتل. فينكسر إلى ملايين الأشواك التي تختفي في المياه.

"هل علينا أن نجلس لدقيقة؟".

قاطعت ساقي على كنبة المطبخ القديم ووضعت رأسي على كتف أمي.

سوف نفترق عما قريب.



أنجلينا بولونسكايا Anzhelina Polonskaya كاتبة روسية. من مؤلفاتها (الصوت) ونشرته سلسلة كتابات من أوروبا الحرة. ولها قصص وقصائد مترجمة منشورة في متابعات أيوا (أيوا ريفيو)، متابعات ماساشوسيتس (ماساشوستس ريفيو)، متابعات أدبية (ليتيراري ريفيو). وتعمل محررة في مجلة سويسرا الروسية.

أندرو واتشيل Andrew Wachtel مترجم القصة من الروسية إلى الإنكليزية. من مؤلفاته (البلقان في تاريخ العالم - 2008)، الأدب الروسي - 2008) وغير ذلك.






































































































































































تعليق



صالح الرزوق

2018-02-09

ورد سهوا صيغة التذكير في المقطع الاول مع ان الخطاب موجه لمؤنث، و الصحيح: كنت شابة، و انت تتقدمين.اقتضى التنويه و شكرا

صالح رزوق

2018-02-13

ورد سهوا صيغة التذكير في المقطع الاول مع ان الخطاب موجه لمؤنث، و الصحيح: كنت شابة، و انت تتقدمين.اقتضى التنويه و شكرا

كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

شيء ما في المياه/ روسكين بوند ترجمة:

17-شباط-2018

الفراق / أنجلينا بولنسكايا ترجمة:

10-شباط-2018

عن رواية"مداعبة الفرج" ترجمة

03-شباط-2018

قصيدتان للشاعر الأمريكي المعاصر دافيد سويردلو ترجة:

27-كانون الثاني-2018

قصيدتان للشاعر الفيتنامي أوشين فونغ ت:

20-كانون الثاني-2018

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow