Alef Logo
ابداعات
              

شكراً للسيدة "س"

عمار الحاج

خاص ألف

2018-06-16

كان المساء مغلفاً بالتكلّف، فتشعر بأن الزمن الغابر قد عاد ولكن بوجوه جديدة.. لا بأس بذلك أيضاً _حدثتُ نفسي ودخلت الصالة..

الصالة مكتظة وبنظرة فاحصة سريعة للوجوه والأحذية التي تلمع، أصابتني وخزة في مشط قدمي متمنياً أن أجعل الحضور في رتل واحد وأركلهم ركلة واحدة، فأنا متأكد من أنهم سيسقطون مثل أحجار الدمينو، فبمجرد النظر إلى أزيائهم تكتشف سريعاً بأن السنوات الماضية بكل مآسيها، هي وهم لحقيقة دفنت تحت شجرة زنزلخت في حدائق ضمائرهم._لا بأس بذلك أيضاً _ كذلك حدثت نفسي مجدداً، فلدي الرغبة أيضاً بدفن شيء ما، هنا تحت هذا المنبر، وأعلنه مرة واحدة، وأنزع عني هذه الأناقة التافهة التي تشبه أنوفهم المتدلية في وجوه بعضهم، لا أعرف لماذا أحب النظر بأنوف الناس وكأنها تدل على كوامن الشخص من الداخل ومن النادر ما أفشل في هذا التمرين اليومي، ولكنه خطير لأنني أضحك من أنوف بعضهم حتى لو كنت في تعزية....

أخذت مكاني بجانبي لأراقبني في ما عقدت العزم عليه، في مقعدي المحجوز ببطاقة عليها اسمي، في الصف الأول،وتذكرت قول نابليون _أينما يجلس نابليون فهو الصف الأول_وتخيلت أن نابليون يدخل ويقرأ اسمه على مقعد في الصف الأول كما حدده مسؤولو الصالة فيخرج من فوره ويوجه كل مدافعه ويمسح الصالة بمسؤليها عن وجه هذا العفن،_أنفه يدل على أنه يملك هذا الطبع_ولكنني لا أذكر بأني رأيت صورة لنابليون، لا بأس بذلك.. وجلست في مقعدي..

انطفأت الأنوار الباذخة، وأطفأت معها الأحاديث الجانبية، ولكن لمعان الأحذية والوجوه بأنوف دُهنت بالفازلين، لم يتوقف..

ضوء مسلّط على المنبر، هناك بعد قليل سأدفن شيئاً ما...

يخرج طقم أسود بشريطة خضراء ويتحدث على المنبر، يب يب يب يب يب، لم أفهم كثيراً ماذا كان يريد، كنت أراه يمسك المايكرفون بمنخاريه ويتحدث من فتحة ما في جسده، والذي قدرت أن أميزه اسم صحفي ربطني به عمل قديم مدعو ليعتلي المنبر..

ظهر بلباسه الغريب عن ركاب هذه الحفلة الأنيقون، ولا أدري لما لم ألحظه من قبل في نظرتي الفاحصة السابقة، كان يملك أنفاً صغيراً ودقيقاً ولذلك تابعت حديثه عن تجربته السابقة، بدأ حديثه طبيعياً، يتحدث من فمه ولديه القدرة على الابتسام ألماً وهو يصف تجربته، ولكن بدأ أنفه يطول شيئاً فشيئاً، كأنه الدمية (بينيكيو) الذي يطول أنفه كلما كذب، إنه يكذب، وكأنه يتحدث عن تجربة (نيلسون مانديلا) وليس عن تجربته، ولاحظت تماماً كيف أمسك المايكرفون بأنفه الذي أصبح طويلاً أكثر من ذراعه، ولم أعد أسمع غير، يب يب يب يب، والحضور الأسود يبكي انفعالاً دموعاً سوداء قاتمة ولا تلمع !

وبعده صعد أنفٌ آخر ومعه عود، وغنى من فتحته العفنة، للوطن الجريح، وغنى الحضور معه وبكوا جميعاً، ما أكرمهم بالدمع الأسود القاتم.

وتلاه أنف بقصيدة عن الوطن الذي تعافى لكن هذا الشاعر تحدث من فتحة خبأها جيداً، فكان للقصيدة رائحة تشبه مزبلة تحترق، لأنه غازل الأمل ومستقبل الجيوب وكراسي بحقائب تتسع لمعالم البلاد وبكل اللغات والقوميات والرايات، حقائب يمكن لك أن تطوي الوطن جيداً وتضعه فيها وكأنك تضع ميتاً في تابوت...

هذه المرة لم يبكِ الجمهور وإنما دارت بعض الجمل الجانبية في الصالة مثل غربان سوداء، تقف على أنف هنا، وتطير لتقف على أنف آخر......

وأخيراً جاء دوري، سمعت اسمي وهو نفسه المكتوب على زاوية المقعد ولم أستطع أن أمنع نفسي بعد أن نهضت من أنظر للبطاقة الأنيقة التي كتب عليها الاسم، وتخيلت بأنه ربما إذا لم أستطع أن أدفن شيئاً ما فوق، فسيظهر لاسمي أنف بفتحتين وطنيتين، يصلحان ليكونا قاذف نابالم من عيار ثقيل،كما العربي الثقيل.

سرت باتجاه المنبر وسرت بجانبي، كنت أمسك بيد مسودة القصيدة، والأخرى أتفقد بها أنفي، واعتليت المنبر ووقفت بجانبي، نظرت إلى الحضور، كان كل شيء قاتم، ظلام تلمع فيه أنوف خرجت من ياقات قمصان وفساتين أنيقة اللؤم والشراهة، وتخيلت للحظة كيف يمكن لأنوف أن تضاجع بعضها، ولم أستطع منع نفسي من الضحك، وضحكت الأنوف بأسنان بيضاء كبيرة..

وضعت المسودة على المنبر أمامي، قلبت الصفحات وأنا أنقل نظري بيني وبين الكلمات التي كانت تسقط عن الصفحات، وبين حضور يترقب بأنوف لها عيون وقحة.

وعندما صارت الصفحات بيضاء تماما بدأت خطابي :

" شكراً للسيدة س، فهي الوحيدة التي أحبتني ولم تهدني وردة، وإنما عندما التقيتها على رصيف مشوّه بمخلوقات هذا الوطن البغيض بكم، كانت تزين النهار بشعرها الخرنوبي، وتفرد ابتسامتها للمسافرين ليعودوا يوماً ما جميلين!

السيدة _س_ التي قبل عبورها نحو المنفى، زرعت نهديها على قمة قاسيون لكي لا يعطش بردى..

السيدة _س_ التي كتبت لها قلبي قصيدة حب عن زهرة البحر، وكنت أظن بأنها تخبئ الشمس تحت فستانها التفاحي البسيط،كلما ابتسمت، انحسر فستانها عن ركبتيها، وتنحسر قتامة الحرب عن صدري..

السيدة _س_ التي عندما حاولت إغواءها بقصيدة، فالوطن الذي ابتلي بخونة ببذلات أنيقة، وأنوف بربطات عنق تحتمل كل الجنسيات،يجوز لك أن تضاجع فيه حتى الحجارة، وعندما أغويتها أمسكت قصيدتي بعينيها وقبلتني على جبيني، أخرجت مسدسها الصغير، وقالت:

_لا أملك ما أقدمه لك سوى مسدسي الصغير، في يوم ما، لا بد، ستحتاجه..

وضعت مسدسها في جيبي، وابتسامتها ومشهد شعرها الخرنوبي وكل ما ارتمى على ذلك الرصيف في قلبي، ومضيت في قطار النهار تاركاً ورائي شمساً تلهو بفستان تفاحي..

شكراً للسيدة س، لأنها أهدتني مسدساً بدل وردة حمراء....

قالت لي، يوما ما، وها هو اليوم قد حان...

كانت تعلم بأنه سيأتي يوم وأقرر فيه أن أقتل العالم......

ورأيتني أخرج مسدسها الصغير، ورأيت الهلع الذي أصاب الأنوف اللامعة بالفازلين في عتمة الصالة، ولكأني أراها تصرخ من كل الفتحات المحتملة بعد أن انحسرت في أوكار ياقات القمصان والفساتين من هول المشهد!

وسمعتني أصرخ "مت أيها العالم اللعين".. وسمعت دوي الطلقة في رأسي.، وكيف اخترقت الرصاصة جمجمتي من الجهتين، وقبل أن أمضي لم أستطع منع نفسي من النظر إلى أنفي، كان أجمل أنف أراه، تركت جثتي ومضيت وأنا أضحك.. وأسير فوق جثة هذا العالم العفنة، صوب شمس بثوب تفاحي.



























تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

شكراً للسيدة "س"

16-حزيران-2018

" طيَّـــــــــــــــــــــــــــــارة "

02-حزيران-2018

قصة الظلال

26-أيار-2015

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow