Alef Logo
كشاف الوراقين
              

قراءة في أفراس الأعوام لزيد الشهيد

محمد الأحمد

خاص ألف

2018-10-06

أول صفة من صفات الرواية الجيدة، هي ان يعود الروائي الى نقطة ما ويذكيَّ إضاءتها بمعلومة مضافة، لها صفة الإقناع والمحايدة. معلومة لها موقعها في اعادة فهم التاريخ المسكوت عنه، بدلالة الرؤية الجادة؛ بل والحفر الأركولوجي، لاستخلاص حقيقة ما قد حدث بالفعل. وليس بما لم يحدث؛ بمعنى ما دوّن بقوة المنتصر وفرض على انه قد حدث، فعلاً. وهذا دائماً ما يجعلنا نقرأ التاريخ، بصيغة افضل.. دون ان توقفنا جملة ثغرات غير مقنعة تجعلنا نعيد القراءة، ونعيدُ التقصي لاجل الاستنتاج بعقل اليوم الذي لم يعد يتقبل الوهم. ولم يرتبط ليومنا هذا بقناعة تجعل التاريخ المكتوب متسلسلا، متكامل الحلقات حسب جدلية (هيغل)، فالكتابة الروائية تعطي صورة يستشف منها الحقيقة الكاملة. وحسب تاشير (فرنان بروديل) بان التاريخ يكتب في آن واحد من مواقع عديدة او منظورات مختلفة، وليس قائماً على موقف او منظور واحد سواء كان ذلك بشكل مقصود او غير مقصود.. وان نفهم انماط الخطاب، شفراته.. فنفهم منها انماط الطبيعة، وكذلك انماط النشاط البشري، وقد نجح (زيد الشهيد) فيما كتب- روايته الجديدة (افراس الاعوام- الصادرة عن دار تموز-2011م) معادلة الرواية (الحقّة)، المشتملة على صياغة سؤال يُسأل اليوم بعلميّة ما توفر من علوم الحاضر، كون الحاضر قد حضر بعلومه ليطغي على كل الاوهام التي لا تستند الى تفسير قد وصل اليه بعلمه. اذ مسحت بضوئها (افراس الاعوام)، لمئة عام من تاريخ مدينة السماوة (بالتالي العراق كله) وفق احداث ارتبطت بتاريخ الحكام والوزارات حتى اصغر الموظفين درجة.. ارتسمت هيكلا متماسك المعمار بعدما بدأ البطل الرئيس (جعفر حسن درجال قد بلغ الستين) باستعراض قصة حبّ مشوقة لـ(بهية) جرت وقائعها بين احداث جسام مرّت عاصفة، على مجمل الشرق الاوسط (كان جعفر بعمر السبع عشر عاما عندما حدث ذلك السبيّ- الرواية ص 48). جاءت الرواية في ثلاثة فصول كل منها مقسم الى اقسام عدة، وقد اختار لكل فصل مجموعة من المختارات الذكية لكل من (كازنتزاكي)، (أدونيس)، (ملفل)، (بشلار)، (رامبو)، (مان)، (المتنبي)، و(جلجامش).. مجترحاً اياهم كمفاتيح توجيه للولوج بها الى عتبات مغازيه ومقاصده، فالشكل الروائي يُحرض على الاستدلال واشاراته الواعية لذهنية المبدع بمنطقة حريته، فالزمن في كل رواية مسار الفهم الذي ينبري عليه المسار الحكائي.. فـ(افراس الاعوام) تجري الى مستقر لها كرواية فيها اكثر من صوت يشير الى هيمنة الروائي كروائي فاعل، ابنٌّ لهذه الجغرافية يتابع مسيرة ذهنية التفكير العربي، ومورثاته في الزمان والمكان بكل نكوصٍ او غلوٍّ.. متعاملاً بمنطق عبر المكبوت الذي بالإمكان معرفته من خلال آثاره حيث تشكلت عملية الافادة بالمعنى.. (أي دين يا ولدي؟ واي مخافة.. من يقول لك ان الناس هنا يخشون الدين فلا تصدق. ومن يشير اليك على ان رسول الله والأولياء لهم مهابة في نفوسهم فاعتبره هواء في شبك- الرواية ص23)، اضافة الى وسائل فنية اخرى عمقت في الحوار والوصف وتيار الشعور، واستخدام الحلم في تجسيد الصراع داخل المتن، فالأزمة الاقتصادية الفاعلة هي التي تدير دفة الاحداث في السلب والنهب والتهجير والعزل او الإقصاء (حيث الاغصان والأشجار المحروقة تلك تمتلك دلالة الرمز وفعله في التركيب الكلي. لكنه يمنح كتابته تعددية الصوت الواحد وليس تعددية الاصوات المختلفة. اذ يصبح الروائي متمردا على التقليد والركائز رافضا للمقبولات وآتياً بنهج او طريقة، اي انها ليست المادة التي تعينه او الحدث بل الطبيعة الخاصة للعلاقات والشكل التي تتخذه، ولما كانت الطريقة خاصة، وذاتية وغير قابلة للتقليد، كان لابد لها ان تبقى فريدة، وان تؤثر نهجاً في الاخرين)، فالفعل البشري يقوم على تبادل التاثير والتأثر بين الفرد باستعداده الذاتي والمجتمع بعلاقاته وأطره، وقيَّمه في تسلسل احداث روائية، منطقية، ومعقوله خاضعة للتفسير والتحليل، (آه.. وهيبة كان جرحك زورق عذاب يتلاطم في بحر متاهاتي يخرج من القلب الطعين ويعود الى القلب الذبيح. فراقك كان خنجراً اوغل في لحمّ ايامي، فمزقها، فبعثرها، فتركها نثاراً – الرواية ص141)، لقد اعطى المؤلف انموذجا يكشف بان الكتابة الروائية من الصعب جدا ادراجها ضمن جنس الرواية ما لم تحوّ اغلب السمات المُعرّف عنها في روايات جيدة قد وصلتنا من المكتبة الانسانية. وانها كـ(رواية) اجادت المقارنة، فأضاءت نقطة صارت بعد انجاز الرواية علامة إبداعية تشير الى زمن من التناقضات والاختلافات في طبيعة مجتمع تلك المدينة، والتي هي في مجملها كشفت صورة انثروبولوجية لعراق متواصل الشحنات، والتقاطعات الفكرية والمذهبية والطائفية والدينية.. لقد ادركت احداثا كبيرة، ومصيرية تحكمت في مصائر الإنسان وخلفت معطيات لها بالغ الاثر اقليمياً واقتصادياً واعطت للقارئ الدارس ما رآه الشاهد على عصره بأم عينه (الروائي يجب ان يتناول البشر في مكان وزمان محددين)، زيد الشهيد استطاع ان يعيد النظر وفق رؤيته عبر (أفراس الأعوام) مساحة شاسعة من التغييّر والانجراف بنسيج المجتمع العراقي على مدى قرن كامل، مدققا تارة، ومصوّباً أخرى.. راويّاً ما يكتبه الشاهد على الغائب فـ(مصادرة التاريخ وسردنة المجتمع وهي جميعا تمنح الرواية قوتها، تشمل مراكمة الفضاء الاجتماعي وممايزته- ادوارد سعيد). اراد ان يُثبت بإبداع ما يستحق الاشادة كقراءة واعية في مسيرة افراس الاعوام الراكضة نحو هاوية الحروب الاقليمية.



تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

الدكتاتور العظيم

29-حزيران-2019

يوميات أدبية

26-نيسان-2019

التاريخ القريب في رواية (وردة)لصنع الله إبراهيم

20-تشرين الأول-2018

قراءة في أفراس الأعوام لزيد الشهيد

06-تشرين الأول-2018

ليلى والحاج / محمد الأحمد*

21-تموز-2018

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow