Alef Logo
ابداعات
              

قصة / لصوص الوقت

علوان حسين

2007-12-17

استيقظتُ هذا الصباح ورأسي مثقلة بخمرة البارحة ووساوس الليل ومن كابوس أراني فيه سجيناً مثقلاً بالسلاسل الحديدية , أبدو فيه أحاولُ تسلق جدارٍ عال وأملس . خلف السياج أطفالٌ يلعبون , تأتيني أصواتهم في جلبة أليفة تذكرني بذلك الطفل الذي كنته ونسيته يلعبُ في شوارع مدينة الثورة الترابية , حيث الطفولة تذبل وتشيخ وهي معفرة بالوحل والطين والذباب .لم تكن لي غرفةٌ خاصةٌ بي أو ألعاب ولا حتى أوراقٌ وأقلامٌ ملونة تصلح للرسم . كانت الحياة ناقمة علينا وعلى عداوة معنا نحن الفقراء . كان أبي يطلبُ مني الصلاة ليتباهى بي أمام أقربائه المتظاهرين بالإيمان والمتمسكين بطقوس وشعائر العبادة الى جانب تباهيهم بفحولتهم ومغامراتهم النسائية . كنتُ أتخيل كل ذي صاحب وجاهة أو مقام عالي, على شكل ملك ضخم الجثة, يسكن قصراً منيفاً ولا يأكلُ سوى صغار الخراف والغزلان والحمام المشوي وأمامه جميع الإصناف من الفواكه الموضوعة على طبق كبير من الفضة الخالصة , ولا يشرب سوى الخمور المعتقة في كؤوس من الكريستال . كان الروزخون الذي أراه يقرأُ في أيام عاشوراء رجلاً بديناً متورد الوجه ولا يضحك مطلقاً , لأن الضحك لايليق بالوجاهة وهيبة العظمة . كانت لديَ حساسية عجيبة من الشيوخ الذين يتظاهرون بأنهم أولياء أمور الناس , والمقربين من الله ورسوله , رغم ولعهم بالنساء والولائم والدنانير . أكثرهم كانوا يصرون على أن تُقبل الناسُ أياديهم الممدودة بإتجاه أفواه الفقراء الذين يظنون بهم شفعاء عند الله بحكم سلالتهم المنحدرة من رسوله . كانت لديَ أسئلة ساذجة وأخرى عصية على فهمي المتواضع , منها , لماذا خلقني الله ؟ مانفعي له هو الخالق العظيم .. لماذا لم يسألني عن رغباتي , منها مثلاً , شكلي , جنسي , العائلة التي أرغب أن أعيش بينها .. لماذا أنا قصير وأبي كان طويلا , ولماذا إختار لي هذه العائلة بالذات وليس غيرها, وهذا الأب بالذات الذي لم يمنحني شيئاً من أبوته , سوى الضرب والإذلال والمعاملة القاسية ؟ كيف صدف أن أكون مسلماً , ليس بوذياً أو مسيحياً أو من الطائفة الصائبية مثلاً ؟ لماذا لم يجعل للبشرية كلها ديناً واحداً , طالما كان لهم هو إلاهاً واحداً , أما كان أغناهم عن الحروب والمذابح والأحقاد .. إله واحد ونبي واحد وكتاب سماوي واحد يدعو للمحبة والعدل والحكمة بدلاً من التباغض بين الأديان .. ماغايته من هذه المتاهة التي أوقعَ مخلوقاته فيها ؟ لماذا يزرع بي وازع الأثم وإحتمال السقوط في المعاصي , طالما توصلني الى جهنم .. وماحاجة الله لجهنم ؟ هو الجميل الرحيم العادل وله كل الصفات الحسنى , يعدها لمخلوق ضعيف وهش مثلي , هو الذي يعلم مسبقاً مصيري كيف سوف يأول .. هذه القطعة الصغيرة من اللحم الطري , التي تخرج ملوثة بالدم والمخاط , صارخة وكأنها تحتجُ على مصيرها .. كيف أتصور أنا الأنسان الذي قد أملك ذرةً أو جزيئة صغيرة منها مما يملكُ الله من العاطفة الرقيقة , لاأستطيعُ تصور أنني أتبنى قطة أو كلب , وأنا أعلمُ مسبقاً بأنني سوف أقتله بيديً , ولسوف أعذبه في نار خالدة لامفر منها ؟ ياللهول ! أنا المخلوق الممتلئ بالحقد والقسوة والقدرة على الإيذاء , لا يمكنني تصور فكرة التعذيب الأبدي لكائن مهما كان , كيف يمكن لإله عظيم ونبيل أن يفعل ذلك ؟ طبعاً لا يعقل أن أكون أكثر عدلاً من الله الرحمن الرحيم .. أن ثمة خلل ما في عقلي أم في عقل الآخرين ؟ لنقلب هذا الأمر من وجوهه الأخرى , يقول القرآن بأن ساعةً عند الله , تعادلُ ألف سنة مما تعدون .. بعملية حسابية بسيطة نصلُ الى أن حياة الأنسان ومهما طالت , لاتساوي دقيقة أو برهة واحدة للزمن الحقيقي الذي هو زمن الآخرة . إذن هل تستأهل هذه الحياة البئيسة , هذا الوقت العابر من الزمن , كل هذي العقوبة الأبدية في الجحيم لشخص تعصب لدين آبائه , ووجد نفسه ومنذ طفولته يرضع أفكاره مع الحليب , وكان في الدين الخطأ ( أذا علمنا بأن كل صاحب دين يظن بأن دينه هو الذي إصطفاه الله لشعبه المختار . ) ماذنب هذا المخلوق الذي يُساقُ الى حياة أزلية في جهنم لأنه تعصبَ الى دينه ولديه كتابٌ سماوي ونبي جاء بمعجزات ؟ ليست بي رغبة في التفلسف , فالفلسفة تقود الى متاهات لاأفق لنهاياتها . بعض الفلاسفة قالوا بأن الله مجردُ فكرة تعكسُ مفاهيم وقيماً أخلاقية , وأن لكل شعب ٍ , بله لكل أنسان ٍ إله يصنعه على وفق خياله وأساطيره وظروف حياته . الشيخ ماركس بلحيته الجليلة , ساوى مابين الدين والمخدرات . كلاهما يعيق الوعي ويكبله بالقيود ويمنعه من التطور الحر الخلاق . الفلسفة قاتلها الله تقول : لقد أدركَ الإنسانُ بأن شجرة نسبهِ لم تعد ترجع الى الأنبياء , ولكنه ينحدر من القردة التي تشبهه . ولم يتفطن الإنسان مع الصدمة السيكولوجية , إلى أن ذاته لم تعد سيدة حماها الخاص فحسب , بل أيقن أيضاً أنه متربع فوق أوقيانوس من القوى اللاوعية واللاعقلية . وما اعتاد على تسميته التاريخ , ليس إلا المسرح المأساوي الذي تتجابه فيه الغرائز المتناقضة . أما تلك الحضارة التي كان فخوراً بها إلى أقصى حد , فليست سوى صرح هش مبني على مبدأ العزوف عن الدوافع الغريزية , وقابل للانفجار في أول مناسبة , وهو ماحدث في الحربين العالميتين , ولا يزال ينفجر حتى أيامنا هذه . نيتشه تنبأ بولادة الإنسان الأعلى الذي ستبوئه سيادته المطلقة مكان الإله المخلوع . يقول كنا نبحث قديماً عن مقاصد العناية الإلهية في التاريخ , ثم بحثنا بعد ذلك عن غائية لاواعية , مثلاً عن تطور بعض الأفكار في تاريخ شعب ما . وبدأنا نفهم , اليوم فقط , بفضل إمعان النظر في التاريخ الحيواني , تاريخ البشرية على حقيقته . وأول ماينبغي أن نستنتجه من ذلك أنه لم تكن هناك قط خطة إلهية لا لفائدة الإنسان ولا لفائدة شعب ما . وبصفة إجمالية , كانت للصدف الأكثر فظاظة الكلمة الأخيرة , ومازالت لها إلى الآن الكلمة الأخيرة . لكن نوفاليس يقول عندما تغيب الآلهة تسود الأشباح . لكن كيف نفسر كثافة وجود الأشباح في العراق اليوم , يسندها وجود الله , بل تدعي هي نفسها وريث الله على الأرض ؟ . مرةً جربتُ أن أذهب الى رجل دين مشهور على أنه واسع العلم وفقيه بأمور الدين . قلتُ له ياسيدي لديَ هذه الأسئلة المقلقة , وأودُ أن أعبدَ الله بقلب مطمئن وعقل مفتوح .. قال لي - ياولدي أنصَحُكَ بإيمان العجائز .. قلتُ له - لكنني كما تعلم رجلٌ أقرأ الفلسفة والآداب وعلم النفس وغيره .. كيفَ تُريدُني أن أؤمنَ إيمان العجائز ؟ قال - ببساطة , الدين نقلي ولا دخلَ للعقل فيه .. لماذا أُعطيَ لنا العقل إذن ؟ رأيتُ أكثر رجال الدين مهوسيين بالطقوس , شعائر العبادة , والتعلق بالنساء .. هؤلاء إختزلوا الحياة بالعبادة والنكاح .. لكن لماذا يفرطُ هؤلاء بالصلاة وإشباع الغريزة الجنسية .. ولماذا هم في حالة شبق دائم .. كيف إستطاعوا الجمعَ مابين التنسك الذي يتطلبُ الزهدَ والورع , وحب النساء , الذي يستدعي حالةً نفسيةً أخرى , ظاهرها التعلق بالمباهج والإغراءات وفتنة النساء وما الى ذلك ؟ ليتهم أباحوا للمرأة حق التمتع بجسدها , كما أباحوه لأنفسهم .. يمكنني أن أذهبَ الى المسجد وأصلي خلف الأمام الشيخ حينما أجده بعد الصلاة جالساً أمام البيانو يعزف لحناً موسيقياً لباخ مثلاً , أو يحتضن عودهُ يعزفُ بعض التقاسيم الموسيقية .. لو رأيته ممسكاً ريشة الرسم ويبدعُ فناً يسعدُ فيه البشر .. لو لو , لماذا يخاصمُ رجلُ الدين الفن وهو أساس الحضارة ؟ كيف يُصُلحون البشر وأفئدتهم ناشفة ؟ هل يظنون الله حاكماً مكتئباً وصارماً لاترضيه سوى الطاعة وإذلال النفس طريقاً وحيداً للجنة ؟ عشتُ في دمشق ردحاً من الزمن . في حي دمر إستأجرتُ شقة مع شخص عراقي , عرفني عليه صديقي مهدي علي الراضي . كان ضابطاً برتبة عقيد متقاعد , جاء من دولة الإمارات العربية . لديه هناك محلٌ كبيرُ لبيع السجاد وله قصة طريفة لابد من سردها . صديقنا أسمه أبو هيثم , قدم الى دمشق في بداية ثمانينيات القرن الماضي مدعياً بأن لديه تجمعاً سياسياً معارضاً لنظام صدام حسين . هذا التجمع يضمُ صفوة من ضباط الجيش برتب عالية , منهم من لايزال يعمل في القوات المسلحة ومتأهب للإنقضاض على السلطة حالما تحين ساعة الصفر . طبعاً هناك التنظيم المدني ويمثله صفوة من المثقفين والسياسين المطاردين يتقدمهم الكاتب جمعة اللامي وأسماء أخرى لامعة مسجلة في قوائم وموضوعة على مكتب قائد سرايا الدفاع رفعت الأسد , الذي إحتفى بصديقنا أبو هيثم , وخصص له جناحاً في فندق أمية حيث أقام الولائم لأصدقائه , أراق فيها أغلى أصناف الخمور وألذ الأطعمة وأحلى الفتيات من بنات الليل الشاميات الذي يسيل العسلُ من مسامات أجسادهن البضة . وبينما كان صاحبنا منغمساً في لياليه الملاح , بين الجواري والخلان , كانت فاتورة الفندق تذهب بنسختين , واحدة عند مكتب العقيد قائد السرايا , شقيق الرئيس , وأخرى الى مكتب رئيس الفرع الخارجي في المخابرات العامة . إنقضت بضعة شهور , هي شهر العسل الطويل نسبياً , وجاء وقت المواجهة بعد إنكشاف ماكان غامضاً حتى حين . وبينما كان أبو هيثم ينتظر بفارغ الصبر توقيع الشيك الموعود به لتمويل إنقلابه وتشكيل حكومة بعثية موالية للجناح السوري , ولرفعت الأسد بشكل خاص , كانت المخابرات السورية إستكملت تحقيقاتها التي تبين فيما بعد أن الأسماء التي تضمنتها قوائم الضباط والمدنيين كانت خليط من أسماء مشهورة ليس لها علمٌ أو حتى معرفة بقائد الإنقلاب , ومنها أسماء وهمية لاوجود لها إلا في خيال صديقنا أبو هيثم . كانت الإجراءات هادئة ولم تتسم بالعنف . حجزت إدارة المخابرات على جواز سفره , ثم قدمت له إدارة الفندق قوائم طويلة تطالبه بتسديد فاتورة شهر العسل الطويل نسبياً . كان قدري أن ألتقي الرجل بعد أن نضبت خابية العسل وأصبح في حكم المشرد , لانقود ولا مأوى . كان الرجل طريفاً دمثاً ذي دعابة , وكان أنيقاً جداً لايخرج الى الشارع قبل أن يصبغ شعر رأسه ولحيته , ويلمع حذائه ويرتدي ثيابه الفاخرة من أيام العز الآفلة . كانت له علاقات متنوعة وغريبة , منها على سبيل المثال علاقة خاصة مع وكيل الأمام الخميني الذي كان يمدُ له يد المساعدة ويجلسه جنبه كأي صديق . كان يصطحبني معه في بعض الأحيان . أول شيء يفعله يأخذ يد السيد الوكيل يقبلها , كنتُ أشمئزُ من تصرفه , وحين أسأله كيف يسمح لنفسه تقبيل يد رجل مثله , يضحك ( هل كنت تصدق بأني أهمُ بتقبيل يده .. ياأبن أختي أنما كنتُ أريد عضها لكنه حين علمَ بنوايايَ سحبها بسرعة ) . أقولُ له وماذا تفعل بمال السيد ؟ يقول ( بسيطة , نشتري صندوق ويسكي , نشربُ ونشربُ نخب السيد ويكون الثواب له وحده صافياً لوجه الله . لازال أبو هيثم ورغم سنواته الخمسين يسحر النساء , رغم قصره وبدانته وإفلاسه . كانت لديه صديقة فلسطينية لايتجاوز عمرها خمسة وعشرين عاماً , مغرمة به حد الجنون . طبعاً كان يوحي لها بأنه تاجر كبير وله محلات بيع السجاد ويحمل معه فواتير بأموال طائلة له على ذمة شيوخ وأمراء من الخليج لم يحصل عليها بعد . صداقته مع بعض رجال الدين من الذين يسكنون في حي السيدة زينب لها نكهة خاصة . الشيخ أبراهيم الربيعي , والده العالم الجليل عبد الجبار الربيعي , تربطه بصاحبنا صداقة وطيدة جعلته مؤتمن أسراره . كانت نقطة ضعف الشيخ أبراهيم ( كما هي نقطة ضعف جميع المشايخ تقريباً ) الولع بالنساء ورغبتهم العارمة في عقد زواجات سرية متعددة بأسم زواج المتعة . يخبرني أبو هيثم بأن للشيخ أبراهيم زوجة فارسية الأصل , في العشرينات من عمرها وجمالها يخلبُ الأبصار , وهي قوية الشخصية وغيورة جداً , لكنه وبهذه الميزة في أن لديه امرأة بمثل هذا الجمال الفريد , كان على إستعداد لخيانتها وإقامة علاقات جنسية عابرة مع غيرها لايتمتعن بذلك الجمال الباهرلكنه الشيخ وقلبه الماجن يعشقُ كل امرأة غريبة يراها , إذ كان قلبهُ تنور رغبات ٍ متأججة . كان ورعاً في كل شيء إلا في عشق النساء , ولأنني كنتُ أشتركُ معه في هذه الخطيئة , وافقتُ بأن أتواطأُ معه بعد أن أقنعني أبو هيثم على فكرة رأيتها مناسبة . كانت لديَ صديقة من حوريات الشام , لها زميلة في الجامعة لاتقلُ عنها جمالاً وسحراً أسمها فاتن . أقنعنا صديقتي في أن تُقنعُ زميلتها كي تلعب دور الفتاة التي ترضى بالشيخ أبراهيم زوجاً سرياً وبزواج المتعة . وافقت الفتاة مبدئياً على الفكرة , فأقام الشيخ العاشق وليمةً فاخرة على حسابه الخاص في أحد المطاعم الراقية في ضواحي الشام . بعد التعارف أبدى الشيخ أعجابه بالفتاة وأثنى على خلقها وخجلها ودلالها وطبعاً إنوثتها الطاغية . بعد هذا اللقاء توالت الولائم التي يختارُ لها صديقنا أبو هيثم الأماكن الرومانسية والجو الشاعري متناغماً مع همسات العشق وغنج بنات الشام , وتحت تأثير سحرهن ونظرات عيونهن المكتنزة بالأسرار تمادى صديقنا وطلب خمرة للجميع . رفض الشيخ تناول الخمرة لكنه منحنا الحرية في نحتسي مانشاء طالما الأمرُ لايُفُسدُ للود قضية . هكذا سارت الأمور رخية ولطيفة , صفقة عادلة , لنا النبيذ الأحمروالأطعمة الشهية وللشيخ أن يتشبب ويتغزل بجمال فتاته الشامية طالما لم تصل الأمور الى الملامسة . بعد أسابيع من اللهو والقصف والليالي الملاح أصرَ الشيخ على أن يقرأ الفاتحة ويدخل الفتاة مخدع الزوجية السعيد . البنت الشامية تستلطفُ الشيخ لكرمه الباذخ , لكنها لاتطيق فكرة النوم معه وعلينا ختام القصة بنهاية دراماتيكية . أقمنا حفلة صغيرة في بيتنا المتواضع , حضرَ الشيخ والبنات مع البقلاوة وزجاجات الويسكي . وفي جو المرح والغبطة وتحت تأثير الموسيقى والخمرة والرقص إرتمت الفتاة خطيبة الشيخ بين أحضاني , غبنا في عناق ٍ حميم ٍ وقبل عذبة وقعَ الشيخ على أثرها في نوبة حزن ويأس على قصة حبه الخائبة , لاعناً الساعة السوداء التي تعرفَ فيها على صديقه العقيد المتقاعد وعلى الشلة كلها . كنتُ أحبُ القطط والكلاب المشردة وأكره الرجال المقنعين بالدين والأغنياء وكل صاحب كرش . نفضتُ جميع الأفكار السيئة من رأسي وأعددتُ لي بيضتين مسلوقتين وكأس حليب تناولتهما على عجل ثم لعنتُ الفقر وأرتديتُ ملابسي وصرتُ في الشارع . قلتُ أذهبُ الى النادي الرياضي , أزاول بعض تمارين تخفيف الوزن , لكني صرفتُ النظر عنها لتعكر مزاجي . فكرتُ في الذهاب الى المكتبة العامة أقرأُ وأنا أصغي للموسيقى الكلاسيكية بواسطة الهتفون الذي أحمله معي أينما ذهبت . سرتُ بضع خطوات متعثرة ثم وقفتُ في الطريق لاأدري أين أولي وجهي .. طردتُ من رأسي فكرة الذهاب الى البار بالرغم من إغراءات ساندرا النادلة الجميلة التي لاتبخل على زبائنها الدائميين إلتهام نهديها المندفعين برشاقة ومرح من خارج قميصها المفتوح بكرم يدوخ العقول . قلتُ الذهاب الى مقهى ستار بكس ربما هو أفضل الحلول , ولكن ثمة خشية كتابة قصيدة لامرأة تلمع صورتها في مخيلتي كلما هممتُ بالكتابة . يوم العطل يبدو ثقيلا وكئيبا في أمريكا . سماء زرقاء صافية في سان ديغو وأنا أحبُ المطر والسير في شوارع مأهولة بالناس . المرأة المزروعة في رأسي كحشوة أو لغم لاأدري متى سينفجر , تدخل معي وبشكل شحيح وفي أوقات متباعدة على المسنجر . كلما غازلتها منتقياً لها أعذب الكلمات وأرقها , محاولاً إيقاظ الندى في قلبها وملامسة تلك الأحاسيس الحلوة والمشاعر الدافئة كي أغمرها بالعاطفة والحب الشجي , تحاول هي من جانبها جري الى حديث السياسة التي تصيبني بالقرف والغثيان والضجر من كثرة ماطحنا الكلمات تحت ضروسنا ونحن نلوك الأحاديث ذاتها عن الوطن والإمن والحرية وحقوق النساء وما في الدستور من خلل والفساد وسرقة المال العام وموجة العمائم التي هجمت كالجراد على البلد لاهم لها سوى النهب والتمتع بالنساء بزواج المتعة أو بالزواج الشرعي , أربعة من المؤمنات القانتات الفاتنات الزاهدات على أن يكن أبكاراً ناضجات الأجساد ولايفكرن سوى بالباه والغنج ومرضاة الزوج في الفراش لينلن ثواباً عظيماً عند الله . مالي أنا والعمائم أصحاب أللحى المصبوغة بالحناء وهم صاروا حكاماً يستقبلهم الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض , ينكحون النساء في الليل ويصرخون في النهار تحت قبة البرلمان ليقتسموا الغنائم .العراق بالطبع أصبحَ أحد أسلابهم غنموه بسيف جورج بوش البتار وعمامة السيد التي باركت لهم غنيمتهم . لهم في كل سنة غزوة وحج مبروك وزوجة جديدة يستبدلونها بمن ملوا مضاجعتها أو هي قرفت نوع العطور المجلوب من كرمنشاه ولم تعد تُحسنُ إرضاء شهوة السيد المفتوحة من جراء النعمة المستجدة . أرشفُ كأس الشاي الأخضر شاعراً بالزهو قليلاً وبنعمة إبتعادي عن الوطن الذي أُحبُ ناجياً برأسي من سيف مسرور وبلطة الإرهابيين والمفخخات والعبوات الناسفة وغيرها من أشكال الموت التي لاحصر لها في الوطن الحبيب . تطلعتُ في وجوه النساء من حولي , وكلما سقط نظري على واحدة تبتسم لي وكأننا أصدقاء . لاأدري متى تتعلم الشرقية الإبتسام للغريب دون خوف أو عقد ؟ أمس وصلتني على الإيميل رسالة غرامية من كوليزار حبيبتي تقول فيها ( كنتُ أحلمُ بسقوط الطاغية , وأن ينال الطفلُ حقوقه وكذلك المرأة والرجل الفقير العاثر وعائلة الشهيد . أرى الحرية حمامة بيضاء ترفرفُ في سماء الوطن , لكني الآن كففتُ عن الحلم بعد أن رأيتُ كل فرد قادر على البطش والقتل يمكنه أن يصبحَ طاغية . كنا بطاغية فأصبحنا نستجير من طغاة ملثمين صغار يذبحون أحلام الناس بوحشية يحسدهم عليها الطاغية المقبور ) إنتهت الرسالة الغرامية التي سرقتني من شرودي ورمتني في بهو الحمى والعبوس والسخط . لم يعد للموسيقى مفعول التهدئة والصفاء بعد أن سرت في خلاياي كالحرائق أو السم مما أصاب جسدي بالإضطراب . لماذا أتخيلها هناك تلعبُ بالثلج , ترقص في الليل التانغو وتشرب الشمبانيا وتندسُ في فراش وثير مع شاب وسيم , أفريقي ربما , تمارسُ معه الحب , وبعد أن تنقضي نشوتها وتصحو من السكر أللذيذ تزحف الى الكمبيوتر تنبطح على بطنها وهي تسطر لي تلك الكلمات المضجرة عن الطغاة والحمائم والأحلام المذبوحة . لو أنها حدثتني عن كيفية إستثارتها في السرير , وعن تقلبها في الفراش عارية تفتحُ ساقيها وتحلمُ بي فوقها , أداعبُ نهديها ويدي تهبط حتى الوركين وهي تحيط رأسي وظهري بين يديها في عناق حميم وبشهوانية عارمة . أما كان الأجدر بها أن تحدثني عن قميصها الأصفر وثوب النوم الحريري وهل توجعها شفتاها من القبل الشرسة , وماذا يقولُ لها نهدها بعد كل مداعبة يئن فيها من التوجع اللذيذ .. لو أخبرتني كيف تقضي يومها وكيف شكل النجوم هناك وهل لديهم قمر يُشبه قمر العراق مثلاً .. لو لم تعكر صفوي بحديثها عن الأشياء الحزينة وعن أصدقاءها والضجيج من حولها بنرجسية عالية وأنا متورمة مزهوة بنفسها حد اللعنة . في صغري كنتُ أنهضُ باكراً جداً . كان أبي يعملُ حارساً في الليل ولا يأتي الى البيت إلا في الصباح الذي أهربُ فيه خشية أن يضبطني نائماً ويقوم بجلدي كأي أب أو مسؤول يربي أبنائه بعصا أو كرباج خوفاً عليهم من الإنحدار والسقوط في مزالق غير محمودة . كان هذا النوع من الحب والحنان أول حليب رضعته من العائلة . كان الناس يذهبون الى أعمالهم ومكاتبهم وعشيقاتهم وأنا لاأدري أين أذهب بأعوامي العشرة مستقبلاً الصباح بوجه شاحب وقلب هلع وثياب مهلهلة .. في ذلك العمر المبكر تعلمتُ كره الآباء والمعلمين وإدمنتُ على الفرار من المدرسة . بوقت مبكر رعتني الشوارع ومنحتني الدفء والمحبة والحنان الذي إفتقدته في البيت والعائلة . كانت الشوارع أحنُ أليَ من أحضان الأم وأكثر رحابة من صدر الأب وأقل وحشية من معلم الحساب .. كنتُ أرى الفقير يركبُ الحمار ويبيع في السوق بضاعته الرخيصة , وكان رجلُ الدين يركبُ سيارة المرسيدس البيضاء ويتجول في شوارع نظيفة أظنها خُصصت له وحده , حيثُ يطلُ ببدلته البيضاء وقميصه الحريري ووجهه الصارم الذي يشي بالرهبة والخوف . كان يعجبني منظر الكناس وهو ينظف الشوارع بصبر وطيبة , وكم تمنيتُ ان أصبحَ كناساً . كان أبي يحبُ الله ويرتعد خوفاً منه , وكنتُ أرتعدُ خوفاً من أبي ولم أكن أكنُ له سوى الكراهية والحقد . تبدو أمي هادئة ولطيفة في البيت لكن حين يحضر أبي تتلاشى أمي تماماً وتُصبحُ غريبةً في بيتها , كلنا أولاده نُصبحُ غرباء في البيت الذي يتحولُ الى ثكنة عسكرية أو معتقل رهيب . تُخبرني كوليزار في أحدى رسائلها بأن الوطن تحول الى سجن تجري في داخله الفظائع والمجازر ويدبُ الهلع في نفوس أبنائه حتى تكادُ أن ترى الشوارع خاويةً من الناس . هي تستلقي على سريرها لتدبج لي الرسائل وأنا أنسلُ في الصباح من كابوس , وكما أفعل في طفولتي , أشردُ من البيت وكأن أبي لا يزال يطاردني والشوارع أليفة ووديعة تمنحني الإحساس بالأمان والحرية والحب المفقود .


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

الشلالات تتفتح في دمي

16-آذار-2014

تلتهمك ّ الأيام على مهلها

07-كانون الثاني-2014

إصغاء

14-حزيران-2012

غياب

20-أيار-2012

قصائد قصيرة :

30-نيسان-2012

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow