Alef Logo
ابداعات
              

عندما نَلُم أنفسنا في حقيبة ونجري

عبير إسبر

2008-05-14

منذ الاستغراق الأول في نشوة الملكية، تلك الروح المخدرة التي تحتفل بالقيمة، وأنانية الاحتفاظ. منذ التقاط اللغة لقوة "الأنا" عندما تغادر الجموع الغفيرة، وتتجول كاملة في وحدتها. منذ انفصال الضمائر، وإدراك الأفراد معنى القطيعة مع المجموعة، وقوة الصوت المفرد. منذ تحولنا إلى "أنا" كاملة.
"أنا" تملك!! منذ أن تشكلت القيمة، واستحوذت على المعنى. كل المعنى. وجد فضاء كامل، تحول إلى حقيبة.
مع الرحيل، دين البشرية الأول. رحيل الإنسانية تجاه المدى الممتد على خطوط الشمس، رحيل القبيلة الإنسانية الأولى المسافرة على الحدود مع النور. عند العبور القديم نحو الضفاف البعيدة، بحثا عن ترجمة مختلفة للحياة، بحثا عن التغير!! بتلك الروح، انطلق البشر، بروح المغادرة التي تسكننا، بروح مسافرة في الجهات كلها. عند التمايز، عند الاختلاف، عند الاكتمال بالنفس، واحتفالها
بفردانيتها!! أصبح لكل منا صحبته، لكل منا أشياءه، أدواته المعرّفة. لكل منا حقيبته وما ملك. هي الحقيبة، تلمنا، تلخصنا، تعرفنا. تحتوينا بأحلامنا، بأسرارنا، بقذارتنا، بصفاتنا، التي تشبه الكل ، لكنها تخصنا وحدها. حقائبنا، جواز سفر عتيق وجد قبل اكتشاف الإنسانية أصول التدوين، وملاحقة تفاصيل الزمان والمكان، والهوية، والجنسية. حقيبتنا، رفيق عتيق، يشبه صاحبه، متعبة مثلنا عند التعب، فقيرة مثلنا عند الفقر، حالمة، راقصة، مشرقة، فيها كل الآمال، ووعود بالقادم الأحلى، تخبأ بين طياتها هروباً إلى أمكنة تملك ذلك الوعد.
لكن في بلدان لا تريدنا، تفيض بنا، نهدر، ننحر، على أرصفة غريبة، نحمل أنفسنا، أشياءنا في دواخلنا، نتحول إلى حقيبة، حقيبة من لحم ودم، وصوت وروائح نختزنها، خوفاً من نسيان قد يعصف بذاكرتنا، يمزقنا نتفاً لننسى أصواتنا، أغانينا، أشكال أحبتنا، وألوان العيون، وحرارة الضوء، ودفء حضن الأمهات عند التمركز في قلب واسع. عند الحزن، عند البقاء في أمكنة نصلها منهكين، نتحول إلى حقيبة تلم جراحنا، تحتفظ بذكرياتنا، تحوط هويتنا قبل أن ننزفها في غربة قد تقتلنا، مثلما قَتلنا فيما سبق مكاننا الأول، عندما ذبحنا في أوطان رفضتنا، لفظتنا مثل طعم مرّ.
في بلدان لا تريدنا، بلداننا التي تضيق بنا! نطارد ونهدد بارتحال قسري، نبحث عن مكان يحتوينا، قبل أن نبلع بعسف هوياتنا الضائعة، في بلدان لا تحب أبنائها كما يحبونها، تتحول الحقيبة من مفردة، من شيء يحتوينا إلى صفة! صفة تعرفّنا، توسمنا برغبات الانعتاق، والارتحال نحو الجهات البعيدة . نحن العابرين خطوط الطول، المتقاطعين مع امتدادات أخرى، المتألمين، المنقطعين عن ماضي مرهق، الحالمين بآت أرحم. نلم أنفسنا في جلود مدبوغة، نضع أشياءنا في علب التنك والصفيح، نوضب ملكياتنا البائسة في شراشف أسرتنا المهلهلة، أو أقمشة نزعت على عجل من ستائر حفظتنا مرة، سترت عوراتنا من العيون مرات ومرات.!
في بلداننا التي شكلت الحروب ذاكرتها، هندست ذائقتها، يصبح للحقيبة طعم وشكل آخرين. شكل لم تصممه دور أزياء عالمية.لم تلونه مصانع ميلانو، وباريس حقائب لم تتبختر بها غندورات حسان على مدرجات العرض في هونغ كونج ونيويورك . بل صممه مهندسو مؤامرات، وصانعو أسلحة!!
صمموا حقائبنا تحت وقع قنابل، وأصوات طيارات هادرة، وضياء القذائف الفسفورية ! وحجارة تتهدم فوق الرؤوس، وتراب يعمينا، ورماد الحرائق يذرى في العيون
نحن الشعوب المطرودة من أماكنها، نلاحق بالخوف، على عجل نهذي، نتماسك، نرتعب، نضع في حقائبنا مفاتيح الدور العتيقة، نلم تراب الدور في كمشات بحجم القلب، ونزرعها تحت جلودنا. نأكل أماكننا، نندغم بأشيائنا خوفا من الضياع. تحت تهديد التهجير، وأحلام العودة التي تتحول كوابيس لعينة، نضع أروحنا في حقائبنا، نبحث عن كل ما يلخصنا، يصنعنا، يحمل المعنى. ربما أيقونة من إله يحمينا، كتاب، رسالة من حبيب، قطعة حرير من جهاز عروس، حذاء جديد. نحمل أنفسنا نتفاً، نختصر إلى نتف، وأشياء مضحكة. هكذا هي الحقائب. تحمل صفاتنا، خائفة مثلنا، مطرودة ، مهجرة كأصحابها. مثقبة بالحنين، مهترئة بالأحلام التي تتعفن في دواخلنا. حزينة مثلنا. تلمنا، نلمها. هي حقائبنا. مزاجية مثلنا، تحبنا فتتسع لتحوط بكل تفاصيلنا. تكرهنا فتضيق بكل شيء، وتتقيئنا مثل طعم حامض. حقائبنا مكان نملكه، فضاء يخصنا، يشبهنا، ظلنا الذي نود أن يرافقنا في كل الارتحالات البعيدة.

ملاحظة: سافرت كثيرا، لطالما احترت عند توضيب حقيبتي، التي كانت تتخم بأشياء ألملمها، ولم يكن لها من تخديم حقيقي. يستغرب والدي ماذا افعل بخفي العتيق، وبطانيتي التي كانت تدفئ جسدي القزم وأنا في السادسة من العمر.
أنا المسافرة العتيدة، لطالما اختلفت، قمت بتسويات، تناقشت، اصطرعت حول أشيائي، وما أردت لملمته في حقيبة، كان أبي من يحملها إلى المطار غارقاً بدموعه، وأخي من يحضرها من المطار مكفكفاً دموعي. حرب شعواء، كانت تهدد سلمنا المنزلي عند كل سفر. حُلت مشاكلنا عندما تعرض منزلنا إلى الحريق. نيران كانت تلتهم بيتنا. نظرت تجاه غرفتي، بحثت عما يختصرني، يمثلني لأنقذه. دققت، فكرت بسرعة. بكيت قليلا على أشيائي التي أردت إنقاذها كلها. ثم بعجز تركتها للنار تلتهمها. تذكرت المهجرين في كل الحروب، ضحكت من رفاهيتي. هزئت من دلع مقيت، ومنذ ذلك الحين. وانأ أسافر بصحبة نفسي، وكتاب مرتجل باللحظة الأخيرة.
في ذكرى حروب انقضت. وخمسة أعوام على دخول القوات الأمريكية بغداد. في ذكرى حرب تموز التي لم ننسها بعد. في ذكرى حروب مشتعلة وأخرى كامنة. في ذكرى الأسى الحاضر في التفاصيل و كل الأماكن. في هيمنة الذكريات البشعة، والتهجير الاضطراري، أو الاختياري. لكل من ترك أشيائه الغالية وهاجر، لكل من وضع ذاته في حقيبة واختصر عمره، أهدي كلماتي الماضية.


كاتبة وسينمائية سورية، دمشق
[email protected]



تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

ربما ليس سرطانًا!

02-كانون الثاني-2021

عندما نَلُم أنفسنا في حقيبة ونجري

14-أيار-2008

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow