Alef Logo
يوميات
              

تلصّصٌ على بيتِ شاعر

فاطمة ناعوت

2008-10-03


قال محمد عبد الوهاب، الموسيقارُ المصريّ الذي عزَّ نظيرُه: أحبُّ أن أتركَ غرفتي في حالٍ من الفوضى عارمة: البيجاما تحت الكرسي، الشبشب فوق السرير، الملاءة مشعبطة في الدولاب، فإذا عدتُ وجدتُ كلَّ شيء مرتبا ونظيفا، شعرتُ بالفرح، إذْ ما المتعةُ في أن تتركَ بيتكَ منظمَا، أو شبهَ منظمٍ، وتعود فتجده منظما! هذه روح الفنان التي لا تقبل إلا الانقلابات الجذريّة، من أقصى السالب إلى أقصى الموجب، (ربما العكس؟)، فليست كلُّ الفوضى سالبا، لا سيما لفنان. فمعظم الفنانين يفزعهم الترتيب. لأن النظامَ قانونٌ، والفنُّ ضدٌّ لكلِّ قانون، وهادمٌ لكل نَسَق، وإلا كان تقليدا ونقلا واتبّاعا.
التلصصُ على بيوت الفنانين والشعراء والفلاسفة أمرٌّ مثير. كيف يا ترى كانت بيوتُ أفذاذٍ مثل بيتهوفن، ماركس، المتنبي، أوسكار وايلد، سلفادور دالي، أو ملاعينَ فرائدَ مثل هتلر، ماتيس، ماركي دو ساد، الأصمعي؟ "ليت للقرّاء عينا" لنتلصص عليهم عبر نوافذهم المُسْدلة! ليت لنا عينَ بودلير تلك التي ترى ما وراء نافذة مغلقة تضيئها شمعةٌ وحيدة أكثر مما تراه عبر نافذة مفتوحة. فالذي تشاهده بوضوح في الخارج تحت وهج الشمس أقلُّ دهشةً وجمالا من ظلالٍ تخايلك من وراء نافذة خافتة الضوء. والله معه حق بودلير. فالإعتامُ والغموضُ والخَباءُ يجعلُ الخيالَ يشطحُ ويفتح آفاقا لا تحدّها سماء. مثلما خيال الكفيف أقوى منه عند المبصر، الذي تعطله ألافُ التراكمات البصرية المنطقية وتثقل ذاكرته. لندعْ بودلير في حاله، ولنعدْ إلى تلصصنا.
لَكَمْ هو محظوظٌ هذا الذي قُدِّر له أن يدخل بيتيْ اثنين من قاماتنا الفكرية الكبرى. خصمان كبيران وعظيمان. طه حسين، والعقّاد. يحكي أنيس منصور في كتابه "في صالون العقاد، كانت لنا أيام"، أن بيت طه حسين بالزمالك جعلته الزوجةُ الفرنسية خافتَ الضوء يسبحُ في الظلال، مغلقَ النوافذ، شديدَ الترتيب، كلُّ شيء في مكانه، بما يوحي أن كثيرين يأهلون هذا المكان: أحدُهم وضعَ الورودَ في الفازة، وآخرُ أسدلَ الستائر، وثالثٌ بسطَ السجاجيد في موقعها بدقة. فيما بيتُ العقاد بمصر الجديدة، على نقيضٍ من كلِّ ذلك، يرفلُ في الفوضى. نوافذُ مشرعةٌ كأنه مهجور. لا شيء في محلّه سوى الكتب. حتى أفكار سارتر كانت ملقاةً بإهمال على السرير، (هل نكايةً في وجوديته التي رفضها العقاد؟). كلا البيتين نقيضٌ لصاحبه. بيتُ طه حسين ذو النوافذ المغلقة لا يشبه صاحبَه ذا الأفق المنفتح على كل تيارات التجديد. الترتيبُ المنمّقُ يناقضُ عقلَ رجلٍ هشَّمَ كلَّ قالبٍ ودقّقَ كلَّ مُسلَّمة. ومَنْ في جسارته حين ألقى في وجه العالم كتابا مثل "في الشعر الجاهليّ" بكل ما فيه من تَحَدٍّ لا يشبهه إلا تحدي جاليليو حين أعلن دورانَ الأرض حول الشمس، فأهدرتْ دمَه الكنيسةُ؟! وفي المقابل، فوضى بيت العقاد لا تشبه عقلَه الأجروميّ المنظَّم الرافضَ التجديدَ، التوّاقَ للأطر والثوابت الأصولية الرصينة.
أما قسطنطين كفافيس، الشاعرُ الإغريقيّ السكندري، فبوسعنا الآن التلصصُ على بيته بحريّة تامة. هناك في 4 ش ليبسيوس بمحطة الرمل بالإسكندرية. لكنه تلصصٌ غيرُ مثير. فالبيتُ، بغرفه السبع وردهته الطويلة ومكتبه ومكتبته، منظمٌ جدا وأنيقٌ بما لا يليق بشاعر. ذاك أن فوضى الشاعرِ، قد ولّت معه.


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

يا الله، من رسم الخطوط حول الدول؟ ترجمة:

07-تشرين الأول-2017

«الشاعر» هاني عازر

20-تموز-2014

نوبل السلام لأقباط مصر

28-حزيران-2014

هنركب عجل

18-حزيران-2014

النور يعيد السيدة العجوز

11-حزيران-2014

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow